تراهن واشنطن على فصل مسار السلام بين إسرائيل ولبنان عن التوترات المحتملة مع إيران، وذلك في ظل جهود دبلوماسية مكثفة تهدف إلى تثبيت الاستقرار في المنطقة. وتأتي هذه المساعي في أعقاب محادثات مكثفة جرت مؤخرًا، مما يثير تساؤلات حول قدرة هذا الاتفاق على الصمود في حال انهيار التفاهمات الإيرانية.
محادثات روما: خطوة نحو الاستقرار
اختتمت في العاصمة الإيطالية روما، يوم الأربعاء، محادثات استمرت ليومين بوساطة أميركية بين دبلوماسيين إسرائيليين ولبنانيين. هذه المحادثات تمثل مؤشرًا واضحًا على قناعة المسؤولين الأميركيين بإمكانية عزل إطار السلام بين إسرائيل ولبنان عن الصراع الأوسع مع إيران، الذي كان الشرارة الأخيرة للتصعيد بين إسرائيل وحزب الله.
وكانت إسرائيل قد نفذت اجتياحًا لجنوب لبنان في مارس الماضي، بعد أن أطلق حزب الله، المدعوم من طهران، صواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية ردًا على الحرب ضد إيران. ومع تجدد التهديدات بتصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، يواجه مذكرة التفاهم التي أُعلن عنها في 17 يونيو خطر الانهيار، مما يضع قدرة لبنان على النأي بنفسه عن تداعيات الصراع الإيراني على المحك.
“المنطقة التجريبية” وآلية الانسحاب
صرح مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ “الحرة” بأن محادثات روما أسفرت عن الاتفاق على المبادئ التنفيذية لآلية “المنطقة التجريبية”، مشيرًا إلى أن الصيغة النهائية للاتفاق يتوقع الانتهاء منها خلال الأيام القليلة القادمة. وبموجب هذا الاتفاق، ستنسحب القوات الإسرائيلية من مناطق في جنوب لبنان، على أن تنتقل مسؤولية مواجهة حزب الله إلى الجيش اللبناني.
وأضاف المسؤول الأميركي: “سننتقل الآن إلى محادثات تقنية موسعة، ستركز على تنفيذ جميع بنود الإطار الثلاثي، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل بين إسرائيل ولبنان.”
تحديات محتملة: مصير الاتفاق اللبناني في ظل انهيار التفاهم الإيراني
على الرغم من التقدم المحرز في روما، يظل سؤال جوهري يلقي بظلاله على الجهود الدبلوماسية الأميركية: ما هو مصير الاتفاق في لبنان إذا انهارت مذكرة التفاهم التي تم التفاوض عليها مع إيران بشكل رسمي؟
تأمل واشنطن أن يدفع احتمال استمرار محادثات السلام إيران إلى كبح جماح حزب الله ومنعه من إعادة فتح جبهة لبنان. فاستمرار المسار الدبلوماسي من شأنه أن يقلل من خطر استئناف حزب الله هجماته عبر الحدود ضد إسرائيل، ويمنح الجيش اللبناني فرصة لتوسيع سلطته في الجنوب. وفي حال نجاح هذه الخطوة، قد تتبعها مراحل إضافية من الانسحاب الإسرائيلي.
يعتبر هذا السيناريو المفضل لدى واشنطن، حيث يقوم على اتفاقي سلام منفصلين يعززان بعضهما البعض، مع تقليص تدريجي لقدرة إيران على استخدام حزب الله كورقة ضغط ضد إسرائيل مستقبلًا.
تباين الرؤى: واشنطن مقابل الواقع الميداني
لكن هناك سيناريو أكثر تعقيدًا، يتمثل في أنه إذا انهار الاتفاق مع إيران، فقد ترى طهران مجددًا في حزب الله أداة لإلحاق الضرر بإسرائيل والولايات المتحدة. ويبدو أن رهان واشنطن يقوم على أن الاتفاق الإسرائيلي اللبناني الذي أُبرم الشهر الماضي، صُمم بطريقة تتيح استمراره حتى من دون موافقة إيرانية.
وفي هذا السياق، أوضح ماثيو ليفيت، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، لـ “الحرة”، أن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية ربطت السلام في لبنان بالسلام مع إيران، لكن الاتفاق الإسرائيلي اللبناني الذي كشف عنه وزير الخارجية ماركو روبيو بعد أيام، فصل المسارين عمدًا. وأضاف أن اتفاق 26 يونيو “يعزل فعليًا مشعلي الحرائق عن رجال الإطفاء” من خلال ضمان التعاون الإسرائيلي اللبناني ضد حزب الله، مع استبعاد إيران بشكل صريح. وأكد ليفيت أن “فرص نجاح الاتفاق تصبح أكبر لأنه يتخلى عن فكرة ضرورة ربطه بإيران.”
إلا أن الواقع على الأرض يبدو أكثر ضبابية. فحزب الله يواصل رفضه القاطع لنزع سلاحه، في حين أشارت الحكومة الإسرائيلية، مع اقتراب الانتخابات المرتقبة في وقت لاحق من هذا العام، إلى أن قواتها قد تبقى في جنوب لبنان لفترة طويلة.
في المقابل، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضغط باتجاه تقليص الوجود العسكري الإسرائيلي داخل لبنان، باعتبار أن نجاح الاتفاق يتطلب انسحابًا تدريجيًا يمنح الجيش اللبناني فرصة لإثبات قدرته على فرض الأمن.
الاختبار الحقيقي: الانسحاب الإسرائيلي الأول
لكن أي هجوم جديد ينفذه حزب الله، إذا انهارت التفاهمات مع إيران، قد يدفع إسرائيل إلى وقف الانسحاب أو حتى التراجع عنه بالكامل. ولهذا، لن يكون الاختبار الحقيقي في البيانات الدبلوماسية، بل في أول انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان.
فإذا نجح الجيش اللبناني في ملء الفراغ، واستمر الهدوء على الحدود، فقد تثبت واشنطن أن لبنان يمكن فصله عن المواجهة مع إيران. أما إذا عاد حزب الله إلى إطلاق الصواريخ، وتوقفت الانسحابات الإسرائيلية، فسيصبح من الصعب الحفاظ على الفصل بين المسارين، وسيثبت أن حدود لبنان ما زالت تبدأ من طهران قبل أن تصل إلى الجنوب اللبناني.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق