الشيخ حكمت الهجري، زعيم درزي سوري، يتحدث في مقابلة بوكالة رويترز في السويداء، سوريا، بتاريخ 20 فبراير/شباط 2025.
السياسة

تداعيات تصريحات حكمت الهجري: السويداء على مفترق طرق بين دمشق وإسرائيل

حصة
حصة

أثارت تصريحات شيخ عقل الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، التي وصف فيها الدروز بأنهم “جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل ومشتركون معها في العقيدة”، جدلاً واسعاً وتساؤلات عميقة حول مستقبل محافظة السويداء وموقعها ضمن الدولة السورية، وكذلك حول طبيعة الدور الإسرائيلي تجاه الأقلية الدرزية في المنطقة.

تصريحات الهجري: دعوات للانفصال وتلميحات لدور إقليمي

جاءت تصريحات الشيخ الهجري من مقره في “دارة قنوات” قبل أيام، حيث لم يكتفِ بالتأكيد على الارتباط بإسرائيل، بل أشار أيضاً إلى تطورات مرتقبة تخص السويداء، متحدثاً عن دور أوروبي أميركي محتمل عبر إسرائيل، دون تقديم تفاصيل إضافية. وقد طالب الهجري في مناسبات سابقة بانفصال محافظة السويداء عن سوريا، واصفاً السلطات الجديدة في دمشق، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بـ”حكومة المتطرفين”.

خلفية التوتر: أحداث يوليو 2025 والحصار المزعوم

تفاقم الشرخ بين الأقلية الدرزية والدولة السورية بشكل ملحوظ عقب أحداث العنف الدامية التي شهدتها المحافظة في يوليو 2025، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص، غالبيتهم من الدروز بالإضافة إلى أفراد من البدو، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، أوضح الكاتب والصحفي عمر الأسعد، المقرب من الشيخ الهجري، أن هذه التصريحات يجب أن تُقرأ في ضوء “الاعتداءات المتكررة على الطائفة الدرزية من قبل الجماعات الإسلامية المتشددة”، مستشهداً بمجزرة قلب لوزة في إدلب عام 2015، وهجوم تنظيم داعش على السويداء عام 2018، وصولاً إلى مجازر يوليو 2025.

كما تحدث الأسعد عن “حالة حصار” يعيشها أهالي السويداء، تتضمن نقصاً في المواد التموينية والطبية، بالإضافة إلى أزمات الرواتب والتعليم وحرية التنقل، فضلاً عن “الخروقات المستمرة للهدنة” التي تم التوصل إليها في 19 يوليو 2025 بوساطة دولية. ويتهم قادة دروز في السويداء السلطات في دمشق بفرض حصار على المحافظة لرفضها الاندماج، وهو ما تنفيه دمشق.

موقف دمشق: وحدة سوريا ورفض التدخل الخارجي

من جانبه، أكد محافظ السويداء المعين من دمشق، مصطفى البكور، على ضرورة إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الفعاليات الدينية والاجتماعية والأهلية في المحافظة. لكنه شدد على أن أي حوار جدي “يحتاج إلى ثوابت واضحة، في مقدمتها وحدة سوريا، وسيادة مؤسساتها، ورفض العنف، ورفض أي تدخل خارجي في الشأن السوري”.

وبخصوص تصريحات الشيخ الهجري، أوضح البكور أن الدولة لا تتعامل مع السويداء بناءً على موقف شخصي أو تصريح جهة بعينها، محاولاً الفصل بين التعامل مع الهجري كطرف سياسي والتعامل مع المجتمع المحلي، وذلك لتجنب تصعيد التوتر. وأكد أن دمشق “لا تعتبر أن موقف الهجري، مهما بلغت حدته، يمكن أن يتحول إلى خلاف مع أبناء السويداء أو أن يُحمّل سكان المحافظة مسؤولية مواقف سياسية لا تمثلهم بالضرورة”.

مبادرات فاشلة وأزمة ثقة متفاقمة

في سبتمبر 2025، أقرت الحكومة السورية خارطة طريق مدعومة دولياً لإصلاح العلاقات بين الفصائل الدرزية والبدو ودمشق، ودمج السويداء في الدولة السورية. إلا أن هذه الخارطة لم تحقق أي نجاح يذكر، وبقيت المدينة خارج سيطرة دمشق، مما أدى إلى اتساع أزمة الثقة بين الطرفين.

وأشار عمر الأسعد إلى “تباعد نفسي بين أهالي السويداء وعموم المجتمع السوري”، منتقداً غياب المبادرات الجدية من الفاعلين السياسيين والنخب السورية تجاه أهالي السويداء. وطالب الأسعد بإجراءات لبناء الثقة، منها “حرية التنقل وفك الحصار، وإعادة القرى لأهلها المهجرين، والكشف عن مصير المغيبين قسراً، والبدء بالمحاسبة على الانتهاكات، والاعتراف بالجرائم المرتكبة والاعتذار عنها”، مشككاً في قدرة أو نية الدولة السورية للقيام بذلك.

تباين المواقف الدرزية والدور الإسرائيلي

على الرغم من إجماع قادة الدروز في السويداء على ضرورة حماية مجتمعهم بعد أعمال العنف، إلا أنهم لا يتفقون على مسألة الانفصال عن سوريا. فقد اعتبر مدير العلاقات الإعلامية في مديرية إعلام السويداء، قتيبة عزام، تصريحات الهجري “بعيدة كل البعد عن الواقع ولا تمثل أبناء المحافظة”، مشدداً على أن الهجري “يمثل مجموعة محدودة من الأشخاص” ولا يمكنه تغيير تاريخ الطائفة لمصالح شخصية.

في المقابل، أكد عمر الأسعد على أهمية العلاقات بين الدروز في سوريا والمجتمع الدرزي في إسرائيل، الذي يمتلك تأثيراً على القرار الإسرائيلي. وتجدر الإشارة إلى أن للدروز في سوريا امتدادات دينية وقيادات روحية في إسرائيل. وعند اندلاع أعمال العنف في السويداء في يوليو 2025، تدخل الجيش الإسرائيلي بقصف قوات الحكومة السورية التي دخلت المحافظة، ووجه ضربة لمقر وزارة الدفاع السورية في دمشق، في رسالة تحذيرية تحت عنوان حماية الدروز.

الموقف الإسرائيلي: دعم للدروز دون تبني الانفصال

من الجانب الإسرائيلي، صرح السياسي الدرزي وعضو الكنيست، أكرم حسون، لـ”الحرة” بأن تصريحات الهجري لا يمكن فصلها عن حالة انعدام الثقة بين دروز سوريا والسلطات في دمشق، خاصة بعد أحداث العنف والانتهاكات. واتهم حسون السلطات السورية بالمسؤولية عن هذه الانتهاكات، مما صعّب على أبناء الطائفة الاطمئنان لقدرة الحكومة على حمايتهم.

ونفى حسون أن يكون ضم السويداء مطروحاً رسمياً في إسرائيل، لكنه أكد استعداد دروز إسرائيل لتقديم الدعم المطلوب لأبناء الطائفة في سوريا، سواء كان إنسانياً أو سياسياً أو أمنياً. ومنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، أعلنت إسرائيل عن هدفين في جنوب سوريا: نزع السلاح من المنطقة جنوب دمشق، ومنع تعرض الدروز للخطر. وقد حضر ملف الدروز في لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في الأردن بتاريخ 23 أغسطس، حيث وضعت إسرائيل “خطوطاً حمراء” لضمان أمن الدروز السوريين.

خاتمة: أزمة ثقة عميقة ومستقبل غامض

في المحصلة، تبدو تصريحات الشيخ الهجري أقرب إلى تعبير عن انهيار عميق في الثقة بدمشق وبحث عن مظلة حماية خارجية، أكثر من كونها إعلاناً عن مشروع انفصال متفق عليه مع إسرائيل. فبينما تؤكد إسرائيل أنها لن تسمح باستهداف الدروز، لا يوجد موقف حكومي إسرائيلي معلن يتبنى ضم السويداء أو الاعتراف بانفصالها. وفي المقابل، تتمسك دمشق بوحدة البلاد وعودة مؤسسات الدولة إلى السويداء، مؤكدة أن ذلك يمكن أن يتحقق بالحوار والشراكة مع المجتمع المحلي، وليس من خلال مواجهة عسكرية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *