شهدت الساحة اليمنية تصعيدًا عسكريًا ودبلوماسيًا متسارعًا خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، حيث اتهمت جماعة أنصار الله الحوثية المملكة العربية السعودية بشن 28 غارة جوية على مناطق متفرقة في اليمن. يأتي هذا التطور بالتزامن مع زيارة “نادرة” لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، إلى القاهرة، وبعد أيام قليلة من زيارة ولي العهد السعودي للعاصمة المصرية.
تصعيد عسكري واتهامات متبادلة
أعلنت جماعة الحوثيين، الأحد، أن الطيران السعودي نفذ 28 غارة جوية استهدفت محافظات تعز والجوف ومأرب. ووفقًا للمتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، فإن هذه الغارات تمت باستخدام طائرات من طراز إف-15 وتايفون، انطلقت من قاعدتي خميس مشيط والطائف الجويتين.
في المقابل، أكد التحالف العسكري بقيادة السعودية اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه العاصمة الرياض، مشيرًا إلى أن المقاتلين حاولوا استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية في مدن غرب المملكة، بما في ذلك ميناء ينبع الاستراتيجي على البحر الأحمر، الذي يُعد مركزًا هامًا لتصدير النفط السعودي. وقد أدت هذه الهجمات إلى اضطرابات في حركة الصادرات السعودية وحركة الملاحة البحرية في المنطقة.
تحركات دبلوماسية أمريكية ومصرية
في خضم هذه التطورات، وصل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، إلى القاهرة الأحد في زيارة وصفت بـ “النادرة”، حيث التقى بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. تأتي هذه الزيارة عقب أيام من مباحثات أجراها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في العاصمة المصرية، ركزت على أهمية ضمان سلامة الملاحة عبر مضيق باب المندب، خاصة بعد سيطرة الحوثيين على مناطق مطلة على هذا المضيق الحيوي على الساحل اليمني.
وقد أرسلت الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي للسعودية، إشارات متضاربة حيال الأزمة. فبينما رفضت واشنطن الأسبوع الماضي طلبًا سعوديًا بشن ضربات على الحوثيين، نقلت قناة “فوكس نيوز” عن الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، قوله إن الحوثيين وافقوا على عدم استهداف مواقع أمريكية. من جانبهم، حذر الحوثيون في وقت سابق من مغبة الانضمام إلى جبهة السعودية في حرب اليمن، مؤكدين أنهم ضمنوا لإدارة ترامب عدم مهاجمة السفن الأمريكية في البحر الأحمر.
قيود على السفر وتداعيات أمنية
في سياق متصل، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، الأحد، تقييد سفر موظفي الحكومة الأمريكية إلى مدينتي الطائف وينبع السعوديتين، وذلك لدواعٍ أمنية في ظل هجمات الحوثيين المتواصلة. وأوضح بيان للوزارة أن “موظفي الحكومة الأمريكيين العاملين في السعودية يحتاجون تصريحًا خاصًا للسفر سواءً الرسمي أو الشخصي إلى مدينتَي الطائف وينبع”.
الوضع الإنساني المتدهور في تعز والنزوح
تتزايد حالة التوجس والقلق بين سكان مدينة تعز، التي يقطنها نحو 4 ملايين شخص، مع تصاعد حدة القتال العسكري على أطراف المدينة وقراها. ويحمل هذا التصعيد تهديدات مستمرة بفرض حصار مطبق على المدينة، مما يفاقم المخاوف بشأن سبل العيش.
يُعد المنفذ الجنوبي الوحيد الذي يربط تعز بالعاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، شريان الحياة الرئيسي لتنقل المواطنين وتدفق السلع الأساسية من الغذاء والدواء. وتُشير التقارير إلى محاولات الحوثيين السيطرة على هذا المنفذ، مما يهدد بقطع الإمدادات الحيوية.
رصد برنامج “يوميات الشرق الأوسط” الذي تبثه بي بي سي، معاناة عدد من سكان محافظة تعز. فقد اشتكت إحدى النساء من الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية، وصعوبة تأمين الغاز المنزلي، متهمة بعض التجار باستغلال الأوضاع. كما أفاد أحد السكان ببدء بوادر أزمة غذائية، داعيًا إلى تخفيف الهلع والحد من السلوك الاحتكاري والتكديس المفرط للسلع. وأشار إلى أن مخاوف تقدم الحوثيين بدأت تظهر آثارها في ارتفاع أسعار السلع وفوارق قيمة العملات.
كما رصدت حركة نزوح واسعة بين سكان تعز، تخوفًا من انقطاع الطريق الوحيد الرابط بينها وبين عدن، التي تمثل مركز إمداد لوجستي بالسلع الضرورية.
أزمة النزوح في عدن والحديدة
في عدن، وثقت الوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين وصول أكثر من 1,600 أسرة، استقرت غالبيتهم لدى أسر مُضيِّفة وفي مديريات متعددة. كما سُجّلت في مديريتي حيس والخوخة بمحافظة الحديدة نحو 1,500 أسرة نازحة.
وأفادت الوحدة أن معظم الأسر النازحة تواجه ظروفًا معيشية وإنسانية صعبة، بعد فقدانها المفاجئ للمنازل وسبل العيش والممتلكات. وتبرز فجوات كبيرة واحتياجات ملحة في مجالات المأوى الطارئ والغذاء ومياه الشرب والصرف الصحي والرعاية الصحية، بالإضافة إلى خدمات الحماية المخصصة للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة. وتواجه المجتمعات المحلية المضيفة ضغوطًا إضافية نتيجة تدفق أعداد كبيرة من النازحين.
روت إحدى النازحات لبرنامج “يوميات الشرق الأوسط” قصتها قائلة: “أنا وأطفالي الخمسة وزوجي نزحنا من المخا، وليس معنا أي زاد، وبقينا في الطريق لثلاثة أيام، حتى أشرفنا على الهلاك جوعًا وعطشًا، ولا نجد مأوى وليس هناك أي منظمة تهتم لأمرنا”. وأضافت أخرى: “نزحت أنا وأولادي من المخا، قبل أن نتمكن من أخذ أي شيء معنا. لا نجد مكانًا نأوي إليه. ذهبنا لاستئجار بيت فلم نستطع نظراً لارتفاع أسعار الإيجارات. ونحن الآن نعيش في الشوارع وننتقل من مكان لآخر. وليس معنا نقودًا نشتري بها غذاء. وطفلي مريض بالحُمى ولا أستطيع تأمين الدواء له”.
تحليلات استراتيجية
يرى مراقبون أن الحوثيين يسعون إلى تعزيز مكاسبهم على الساحل الغربي اليمني عبر التوغل أكثر باتجاه الشرق، نحو المرتفعات المطلة على هذا الساحل، بهدف تأمين خطوط الإمداد والوصول إلى الطريق البري الوحيد المتبقي الذي يربط مدينة تعز بمدينة التربة ثم لحج وعدن.
علق أندرياس كريغ، من كلية كينغز كوليدج لندن، على الهجوم على الرياض، معتبرًا أنه تجاوز “عتبة نفسية مهمة” كونه الأول الذي يهدد العاصمة السعودية منذ استئناف الحرب الأهلية في اليمن. وقال لوكالة فرانس برس: “بإمكان السعودية استيعاب الهجمات المتقطعة على المنشآت العسكرية أو الطاقة البعيدة بسهولة أكبر من استيعاب التهديدات المتكررة للرياض نفسها”. وأضاف أن “الضربات التي تستهدف المطارات ومستودعات الوقود والمناطق المأهولة بالسكان تجعل ضبط النفس سياسيًا واستراتيجيًا أكثر صعوبة”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق