لطالما كانت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) لاعباً محورياً في أسواق الطاقة العالمية، حيث كانت قرارات وزراء النفط في فيينا كفيلة بتحريك الأسعار عالمياً. إلا أن المنظمة العريقة تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة، تتراوح بين التصدعات الداخلية والانسحابات المتتالية لأعضائها، وصولاً إلى الصراعات الإقليمية التي تهدد استقرار أسواق النفط، مما يضع نفوذها التاريخي على المحك.
تأسيس أوبك وظهور تحالف أوبك+
تأسست أوبك في بغداد عام 1960 بمبادرة من السعودية والعراق والكويت وإيران وفنزويلا، بهدف تنسيق السياسات النفطية وحماية مصالح الدول المنتجة وضمان استقرار السوق. ومع تطور المشهد العالمي للطاقة وظهور منتجين كبار خارج إطارها التقليدي، برز تحالف “أوبك+” عام 2016، ليضم أعضاء أوبك بالإضافة إلى عشرة منتجين مستقلين بقيادة روسيا. هذا التحالف بات يسيطر على ما بين 40% و50% من الإنتاج العالمي، ليصبح القوة الأكثر تأثيراً في سوق النفط.
تصدعات داخلية وانسحابات متتالية
غير أن هذه القوة لم تكن حصناً منيعاً أمام التصدعات الداخلية. شهدت أوبك انسحابات متتالية بدأت بقطر في ديسمبر 2018، بعد 57 عاماً من العضوية، إثر قرار الدوحة التركيز على الغاز الطبيعي المسال. تبعتها الإكوادور في أواخر 2019، ثم أنغولا في ديسمبر 2023، التي بررت انسحابها بعدم توافق التزاماتها الإنتاجية مع أهدافها الاقتصادية. وكانت المفاجأة الكبرى في أبريل 2026، بإعلان الإمارات العربية المتحدة انسحابها من أوبك وأوبك+. هذه الخطوة أثارت اهتماماً عالمياً، خاصة وأنها تزامنت مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، وتحديداً الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، والمخاوف المتزايدة بشأن مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، يرى علي الريامي، المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز بوزارة الطاقة والمعادن في سلطنة عمان، أن “المنظمة تقف حالياً أمام مفترق طرق حقيقي، إذ سيكون عليها تطوير أدواتها وآليات عملها بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة أو مواجهة خطر التراجع التدريجي لصالح منتجين كبار خارج إطارها التقليدي”. ويضيف الريامي لـ”الحرة” أن “صيغة أوبك+ تبدو الأكثر قدرة على الاستمرار لأنها تجمع بين الخبرة التاريخية لأوبك والثقل الإنتاجي للمنتجين الكبار خارجها”.
تأثير الصراعات الإقليمية على أمن الإمدادات
تعتبر منطقة الشرق الأوسط مركز الثقل لأوبك، حيث تضم كبار المنتجين والمؤثرين مثل السعودية ودول الخليج والعراق. لذا، فإن تداعيات “حرب إيران” لم تقتصر على الجوانب العسكرية، بل امتدت لتلقي بظلالها على ممرات التجارة الدولية وأسواق الطاقة. تمثلت الخطورة في هذه الحرب بتهديدات مباشرة لطرق الإمداد الحيوية كـمضيق هرمز والبحر الأحمر، التي يمر عبرها ملايين البراميل يومياً. هذا الاستهداف المتواصل للسفن وناقلات النفط أثار قلقاً بالغاً في الأسواق المالية، ورفع تكاليف التأمين على الشحن البحري إلى مستويات غير مسبوقة. وفي حين كانت أوبك تتدخل سابقاً لتهدئة الأسواق بزيادة الإنتاج، فإن تهديد خطوط الإمداد نفسها يمثل تحدياً لا يمكن للمنظمة حله بمجرد تعديل مستويات الإنتاج.
من جانبه، يرى الأكاديمي والمحلل الاقتصادي محمد دليم القحطاني أن الصراع الحالي في الشرق الأوسط يمثل اختباراً حاسماً لأوبك، خاصة مع امتداد المخاطر إلى الممرات البحرية الحيوية ومنشآت الطاقة الخليجية. ويوضح القحطاني لـ”الحرة” أن “السؤال المطروح في مثل هذه الظروف لا يتعلق فقط بكمية النفط المنتجة عالمياً، بل بمدى قدرة الإمدادات على الوصول إلى الأسواق بصورة آمنة ومنتظمة”. ومع ذلك، يؤكد القحطاني أن أوبك، لا سيما عبر تحالف أوبك+، لا تزال تمتلك أدوات تأثير مهمة في السوق من خلال قدرتها على إدارة جزء كبير من المعروض النفطي العالمي، وإن كانت لم تعد تتحكم بالأسعار بشكل منفرد.
تراجع الحصة السوقية ودور الأعضاء الرئيسيين
إلى جانب التحديات الجيوسياسية، تواجه أوبك تراجعاً في حصتها السوقية الإجمالية نتيجة انسحاب الإمارات ودول أخرى. هذه الدول، التي أصبحت تعمل كمنتجين مستقلين خارج إطار الاتفاقات، تضعف من قدرة أوبك على التحكم في المعروض العالمي، وتوفر بدائل للدول المستهلكة الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين.
ويرى الخبير الاقتصادي الإماراتي حسين القمزي أن انسحاب الإمارات، التي تعد من أبرز الدول المستثمرة في زيادة الطاقة الإنتاجية والكفاءة التشغيلية، له أهمية خاصة. ومع ذلك، يؤكد القمزي لـ”الحرة” أن مركز الثقل داخل أوبك لا يزال يرتكز على الدول التي تمتلك طاقات إنتاجية احتياطية ضخمة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. ويضيف أن أوبك لم تعد تتحكم بالأسعار بشكل منفرد كما في السابق، لكنها تحتفظ بدور محوري في استقرار السوق بفضل الاحتياطيات الكبيرة للدول الخليجية، مما يمكنها من التدخل عند اضطرابات الإمدادات.
مستقبل أوبك في ظل المتغيرات العالمية
يجمع الخبراء على أن أوبك، وإن لم تعد قادرة على فرض إرادتها بقرار أحادي، إلا أنها تظل لاعباً أساسياً في إدارة أزمات الطاقة العالمية، مستفيدة من تاريخها الطويل واحتياطياتها الضخمة. يوضح الريامي أن التحديات مثل العقوبات والاضطرابات الأمنية قلصت من تماسك أوبك، لكن وجود دول رئيسية كالسعودية والعراق بقدرات إنتاجية هائلة يحافظ على هامش تأثيرها. وقد أثبت تحالف “أوبك+” فعاليته في تعويض تراجع نفوذ أوبك، بتوسيع دائرة التنسيق لتشمل منتجين كباراً مثل روسيا، مما يوفر إطاراً أكثر استقراراً للسوق. في الختام، بينما لم تعد أوبك اللاعب الوحيد في قطاع الطاقة، فإنها لا تزال تمتلك أدوات تأثير قوية، وقد أظهر تحالف “أوبك+” قدرته على توجيه مسار السوق عند توفر الإرادة السياسية بين أعضائه.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق