كشفت معلومات حصرية، حصلت عليها “الحرة” من أربعة قيادات بارزة في المعارضة الإيرانية، عن تفاصيل شبكة واسعة للحرب السيبرانية يديرها الحرس الثوري الإيراني. تتوزع هذه الشبكة داخل وخارج إيران، وتتلقى تدريبات متقدمة بإشراف خبراء دوليين، مما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه العمليات وتأثيراتها الإقليمية والدولية.
تكوين الشبكة وانتشارها
تشير المعلومات إلى أن قيادة الفضاء الإلكتروني التابعة للحرس الثوري الإيراني تدير حوالي 3 آلاف كتيبة سيبرانية، تخوض حرباً إلكترونية تمتد من داخل إيران إلى دول حول العالم. وتؤكد المصادر أن المهام الأكثر دقة وحساسية تُنفذها الكتائب المتمركزة في أوروبا.
تتألف هذه الكتائب الأوروبية من مرتزقة متعددي الجنسيات، تم تجنيدهم بواسطة فيلق القدس، الذراع الخارجي للحرس الثوري، بهدف تنفيذ عمليات استخباراتية لصالح طهران. ويشرف على كل كتيبة ضابط من الحرس الثوري، ويتلقى الضباط والعناصر تدريبات مكثفة ومستمرة على أيدي خبراء روس وصينيين متخصصين في الهجمات السيبرانية. تُعقد هذه الدورات غالباً في إيران، بالإضافة إلى روسيا والصين.
الدعم الدولي والتعاون التقني
تُفيد المصادر ذاتها بأن عدداً من الضباط الروس والصينيين يعملون كمستشارين دائمين ضمن الكتائب السيبرانية الإيرانية. يعتمد الحرس الثوري بشكل مباشر على موسكو وبكين في بناء ترسانته السيبرانية، مستفيداً من خبرة الدولتين في مواجهة التهديدات السيبرانية وشن الهجمات الإلكترونية ومراقبة المعارضين. وفي سياق متصل، ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” أن إيران وقعت في ديسمبر الماضي 20 عقداً مع شركات روسية في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
شهادات حية وأهداف الهجمات
عارف باوجاني، رئيس حزب سربستي كردستان الإيراني المعارض، صرح لـ”الحرة” بأنه يتعرض “وبشكل مستمر لهجمات سيبرانية تقودها مجموعات الحرس الثوري الإيراني، وصفحاتي وأجهزتي الإلكترونية تتعرّض للقرصنة” منذ يونيو 2025. وأضاف باوجاني أنه تمكن من “النجاة إلى حد ما من هذه الهجمات بمساعدة الشرطة الخاصة بمكافحة الهجمات السيبرانية في إحدى الدول الأوروبية”.
يُعرف “الجيش السيبراني الإيراني” بأنه مجموعة من قوات القرصنة ووحدات العمليات السيبرانية والشبكات التابعة للمؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية. وقد نشط هذا الكيان على مر السنين في التجسس السيبراني، واختراق شبكات الحاسوب، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وشن الهجمات السيبرانية، والحرب النفسية ضد أهداف داخلية وخارجية، وفقاً لتقارير صحفية.
تأكيدات رسمية وعقوبات دولية
في عام 2022، أكد اللواء حسين سلامي، القائد الأسبق للحرس الثوري الإيراني (الذي قُتل في غارة إسرائيلية خلال حرب الاثني عشر يوماً في يونيو الماضي)، أن إيران تمتلك “2000 كتيبة إلكترونية منظمة ونشطة، وقد تحسن الوضع من حيث المحتوى والعمليات والبنية التحتية”، حسب تقرير لوكالة “تابناك” المقربة من مجلس خبراء القيادة.
وفي خطوة دولية لمواجهة هذه الأنشطة، أعلن برنامج “مكافآت من أجل العدالة” التابع لوزارة الخارجية الأميركية في عام 2024 عن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن ستة مسؤولين إيرانيين مرتبطين بأنشطة إلكترونية خبيثة تنفذها مجموعات القرصنة التابعة للحرس الثوري الإيراني. من بين هؤلاء المسؤولين حميد رضا لشكاريان، رئيس قيادة العمليات الإلكترونية والسيبرانية التابعة للحرس الثوري وقائد فيلق القدس، والذي شارك في العديد من العمليات السيبرانية والاستخباراتية. كما أشرف مهدي لشكاريان والمسؤولون الآخرون على مجموعة “سايبر أفنجرز” التي استخدمت برمجيات خبيثة لاستهداف أنظمة تحكم وجمع بيانات عالمياً. وقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على هؤلاء المسؤولين الستة في فبراير 2024.
أبعاد الحرب السيبرانية الإيرانية
لا تقتصر مهام هذه الشبكة على الاختراق التقني والقرصنة فحسب، بل تمتد لتشمل الحرب النفسية والمعلوماتية. يوضح آسو قادري، المحلل الكردي في مجال الأمن القومي المقيم في أوروبا، أن من بين أهدافها “بث الفرقة وعدم الثقة بين معارضي النظام الحاكم في إيران… ونشر المعلومات المضللة، وتوجيه الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي، والتأثير على الفضاء الإعلامي”.
ويؤكد قادري لـ”الحرة” أن “الكتائب السيبرانية التابعة للحرس الثوري تستعد وتباشر باختراق الشبكات الحساسة قبل أشهر أو حتى سنوات من وقوع أزمة أو نزاع، بهدف جمع المعلومات وتحديد نقاط الضعف وخلق إمكانية تنفيذ عمليات تخريبية في الوقت المناسب أولاً، ومن ثم البدء بالهجوم عليها”. وتشمل الأهداف الرئيسية لهذه العمليات البنوك، والبنية التحتية للطاقة، وأنظمة النقل، وشبكات الاتصالات، والمراكز الحكومية، وشركات المقاولات الدفاعية، وأنظمة الدفاع الجوي، والاتصالات العسكرية.
ويرى قادري أن “الحرب السيبرانية تمنح إيران مزايا تفتقر إليها العديد من الوسائل العسكرية التقليدية، فهي أقل تكلفة، وأكثر سرية، وأقل خطورة، مما يسمح للنظام بالضغط على خصومه دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة”.
تكتيكات متطورة ومخاطر متزايدة
تقرير لموقع “سايبر مغازين” العالمي المتخصص بأبحاث الأمن السيبراني، أشار إلى أن مجموعات قرصنة إيرانية مثل “المقاومة الإسلامية الإلكترونية” و”فريق العاصفة المظلمة” و”فريق فاطميون الإلكتروني” نسقت هجمات لمسح البيانات وتشويه مواقع إلكترونية استهدفت جهات حكومية ومؤسسات مالية وبنية تحتية في الشرق الأوسط. ويبرز التقرير أن العمليات السيبرانية الإيرانية غالباً ما تجمع بين التجسس والتكتيكات التخريبية للضغط على الخصوم.
من جانبه، يرى المحلل السياسي المعارض لإيران، محمد حنيف، في حديث لـ”الحرة” أن “اعتماد إيران على الحرب السيبرانية هو جزء من عقيدة أوسع تستخدم فيها طهران أدوات منخفضة التكلفة وقابلة للإنكار للضغط على خصوم أقوى منها قدرة وإمكانية”. ويشدد حنيف على أن المهاجمين الإلكترونيين الإيرانيين يركزون على الهندسة الاجتماعية، حيث يتلاعبون بالأفراد مباشرة من خلال انتحال شخصيات صحفيين أو باحثين أكاديميين أو منظمي مؤتمرات أو سياسيين أو أفراد موثوق بهم، بهدف “سرقة بيانات تسجيل الدخول والوصول إلى حساباتهم الخاصة، واستهداف الأشخاص المرتبطين والمختصين بالشأن الإيراني والشرق أوسطي”.
وفي تطور حديث، كشف تقرير لشركة “CloudSek” الدولية للأمن الرقمي (مارس الماضي) عن شن مجموعات مدعومة من الحرس الثوري الإيراني هجمات سيبرانية استهدفت البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة. وأوضح التقرير أن إيران حشدت أكثر من 60 مجموعة إلكترونية موالية لها في غضون ساعات من الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، مستفيدة بشكل كبير من أدوات الذكاء الاصطناعي لاستهداف البنية التحتية الأميركية المعرضة للإنترنت.
خاتمة
تُعد الحرب السيبرانية اليوم إحدى أبرز الأدوات الاستراتيجية لإيران في مواجهة خصومها داخلياً وخارجياً. ومع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي والاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية، تتصاعد المخاوف من تزايد قدرة طهران على استهداف الأفراد والمؤسسات والبنى التحتية الحيوية على مستوى عالمي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق