تشهد العاصمة العراقية بغداد حالة من التأهب الأمني المتزايد، حيث دفعت السلطات بقوات إضافية لتعزيز محيط السفارة السعودية. يأتي هذا الإجراء في ظل مخاوف متصاعدة من تحول البعثات الدبلوماسية إلى أهداف محتملة، عقب الضربات الجوية السعودية-الأميركية المشتركة التي استهدفت فصائل مسلحة داخل الأراضي العراقية. وفي موازاة ذلك، قامت عدة بعثات دبلوماسية غربية بتقييد حركة موظفيها ومراجعة خطط الإجلاء الخاصة بها، مما يعكس قلقاً واسعاً من امتداد المواجهة الإقليمية إلى قلب المنطقة الخضراء المحصنة.
مخاوف من ردود انتقامية واستهداف محتمل
تُشير الإجراءات الأمنية المشددة إلى حجم القلق الذي يساور السلطات العراقية من احتمال قيام جماعات موالية لإيران برد فعل على الرياض أو واشنطن، من خلال استهداف بعثاتهما الدبلوماسية في بغداد. ووفقاً لمصادر أمنية عراقية تحدثت لـ”الحرة”، فإن تعزيزات الحماية حول السفارة السعودية تستند إلى تقديرات تحذيرية تُفيد بأنها قد تكون “الهدف الأقرب” إذا ما قررت الفصائل المسلحة الرد على الرياض داخل العراق، بدلاً من استهداف مواقع خارج البلاد.
تتخذ السفارة السعودية حالياً من فندق الرشيد، الواقع ضمن المنطقة الخضراء، مقراً مؤقتاً لها. وتوضح المصادر أن السفير ومعظم أفراد الطاقم الأساسي لا يزالون خارج العراق، بعد مغادرتهم خلال الحرب التي اندلعت في 28 فبراير ولم يعودوا منذ ذلك الحين.
موقف خليجي موحد وتأهب غربي
على صعيد البعثات الخليجية، أفاد دبلوماسيون على تواصل معها بأن دول مجلس التعاون الخليجي تبنت موقفاً مشتركاً يقضي بعودة بعثاتها إلى بغداد بشكل جماعي، أو بقائها خارج العراق إلى حين الحصول على ضمانات أمنية كافية. يمثل هذا تحولاً ملحوظاً عن النهج السابق الذي كان يعتمد على التفاوض الفردي لكل دولة مع الحكومة العراقية بشأن أمن بعثتها.
وجاء هذا الموقف الموحد بعد حادثة استهداف فندق الرشيد بطائرة مسيّرة في 16 مارس الماضي، والتي لم تسفر عن إصابات أو أضرار جسيمة، لكنها دفعت فريق السفارة السعودية لمغادرة بغداد براً خلال أقل من 24 ساعة آنذاك.
بالتوازي، كشفت مصادر غربية أن عدداً من السفارات رفع مستوى حماية موظفيه، وطلب بعضها من العاملين عدم مغادرة المنطقة الخضراء، بينما قامت بعثات أخرى بتحديث خطط الإجلاء السريع وتقليص الاجتماعات والزيارات داخل العاصمة وخارجها. وأكدت المصادر أن السفارة الأميركية أوقفت اجتماعاتها خارج مجمعها، باستثناء ما تعتبره ضرورياً للغاية.
وفي سياق متصل، جددت السفارة الأميركية، يوم الأربعاء، تحذيراتها لمواطنيها في العراق، مشيرة إلى أن جماعات موالية لإيران نفذت هجمات من الأراضي العراقية استهدفت مواقع داخل البلاد وفي المنطقة. وحذرت من احتمال فرض قيود مفاجئة على السفر أو إغلاق المجال الجوي، وأبقت العراق عند المستوى الرابع من التحذير، الذي ينصح المواطنين الأميركيين بعدم السفر إليه.
تصاعد التوترات والضربات الانتقامية
تصاعدت هذه المخاوف بشكل كبير بعد إعلان وزارة الدفاع السعودية اعتراض مسيّرات استهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والرياض يومي 27 و28 يوليو، مؤكدة أن الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية. وفي اليوم التالي، نفذت القوات السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، ضربات جوية على مواقع لجماعات موالية لإيران في العراق، مشيرة إلى أنها كانت تستخدم في التخطيط لهجمات على القوات الأميركية ومنشآت الطاقة السعودية. وتعد هذه المرة الأولى التي تعلن فيها المملكة مشاركتها المباشرة في ضربات داخل العراق.
من جانبها، أعلنت هيئة الحشد الشعبي عن مقتل ما لا يقل عن عشرين من عناصرها وإصابة 32 آخرين في مواقع متفرقة شملت بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك وكربلاء وديالى. وقد أدانت الحكومة العراقية هذه الضربات، وأقر مجلس الأمن الوطني خطة تهدف إلى منع استخدام الأراضي العراقية لتهديد دول الجوار.
تاريخ العلاقات الدبلوماسية وتحديات المقر الدائم
يُذكر أن بغداد والرياض قطعتا علاقاتهما الدبلوماسية بعد غزو الكويت عام 1990، وأعيدت العلاقات في عام 2004. إلا أن السفارة السعودية لم تستأنف عملها في بغداد إلا في ديسمبر 2015، بعد انقطاع دام لأكثر من 25 عاماً. ومنذ ذلك الحين، لم تحصل السفارة على مقر دائم. وعلى الرغم من شراء أرض بالقرب من السفارة الأميركية لبناء مقر جديد، إلا أن المشروع لم يبدأ حتى الآن، وفقاً لمصادر مطلعة.
وكانت البعثات الخليجية قد غادرت العراق في مارس الماضي، فيما خفضت بعثات عربية أخرى مستوى تمثيلها، وذلك في أعقاب سلسلة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت بعثات دبلوماسية ومقار شركات أجنبية في بغداد وأربيل والبصرة ومدن عراقية أخرى.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق