لطالما شكلت الهجرة محوراً لتباين الرؤى بين الأجيال، حيث تتجلى هذه الفجوة بوضوح في التناقض بين وصايا الأجداد المتشبثين بالأرض وأحلام الشباب الطامحين لمستقبل أفضل في الضفة الأخرى. تستكشف هذه المقالة هذا الصراع العميق من خلال سرد شخصي يضيء على أبعاد هذه الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية.
وصايا الجدة: جذور متأصلة في تراب الوطن
كانت جدتي، رحمها الله، تجسد الارتباط العميق بالأرض والوطن. فمجرد تفكير أحد أبنائها في الرحيل كان يثير فيها حزناً عميقاً، فتتألم كأن جذورها تُنتزع من ترابها. كانت دموعها تنهمر وصرخاتها تعبر عن ألم فقدان الفراخ، مرددة بصوتها المبحوح: “أريدكم أمامي، أفرح بفرحكم، أطبب مريضكم، وأطبخ لجائعكم. لن أشارككم أرضاً أخرى، فأنا بنت هذه الأرض، وأنتم جذوري الممتدة فيها.”
لم تكن الجدة لتقتنع بالصور الوردية للحياة في الخارج، بل كانت تتشبث برأيها كالنخلة العتيقة بجذورها في صخر الوطن، لا تهزّها رياح الإغراءات ولا يخدعها بريق السراب. كانت تدافع عن موقفها بحزم، حتى مع عمي الأصغر الذي طالما حلم بالهجرة. وبحكمتها المعهودة، كانت تلجأ إلى “رشوة عاطفية” بتقديم مجوهراتها، مستجدية إياه البقاء بجانبها، ومذكرة إياه بعمق العلاقة التي جمعتهما منذ ولادته: “لقد أسكنتك بطني، وحملتك في كل لحظة، ضحكت معي وبكيت معي، تنفست معي عبق هذه الأرض وأكلت معي من خيراتها، وشربنا سوياً من ينابيعها، فكيف أفارقك وأنا لا أدري أين تنام؟ من يهيئ لك قهوة الصباح، ومن يطبخ لك كل ما تشتهيه وتبغيه؟ ومن ينتظرك مساء حينما يحل الظلام؟”
كانت جدتي امرأة متدينة وصوفية، مخلصة لخدمة المسجد وزيارة الأولياء الصالحين، لا تتوقف عن الذكر والدعاء. كانت تردد دائماً أمثالاً وحكايات، ومنها: “الثور الأبيض لا يُعرف إلا في بلده”، معبرة عن رفضها للهجرة حتى داخل الوطن. وقد ظل أبناؤها بجوارها، ورزقهم الله من فضله، فكونوا أسراً وعاشوا حياة مستقرة. كان أكبر همها هو الصلاة، خشية أن يفرطوا فيها إذا هاجروا، لإدراكها أن الهجرة قد تعني انسلاخاً عن الجذور، وأن الوطن، مهما قست ظروفه، يبقى رحيماً بأبنائه.
تحديات الأبناء: بين الطموح وواقع الغربة
تتجسد هذه المعضلة في تجربة الكاتبة الشخصية، حين غادر ابنها البكر للدراسة خارج الوطن. حينها، عاتبتها الجدة قائلة: “كم أنت قاسية، كيف تتركين شاباً قاصراً يهاجر ليعيش وحده في بلاد بعيدة؟” أجابت الكاتبة بقلب أم مكلومة: “أفعل ذلك من أجل مستقبله، فالدراسة في الخارج أفضل بكثير مما هو متوفر عندنا، والبحث العلمي هناك أكثر تطوراً.”
استمعت الجدة بابتسامة لم تخفِ عدم اقتناعها، وباغتت الكاتبة بنبوءتها التي تحققت لاحقاً، مرددة: “خبزي في داري ولا دجاج في ديور الناس.” وبالفعل، استقر الابن في بلاد الغربة، مؤكداً مقولة الجدة: “من ذاق خبز الجُولة عمره ما يرجع للدار.”
الهجرة المعاصرة: بين البحث عن الرفاهية ومخاطر السراب
إن تشبث الأم بأولادها يعكس علاقة سرمدية تبدأ في الرحم وتستقر في الوطن. وما نشهده اليوم من هجرة علنية لشباب في عمر الزهور، أمام مرأى العالم، قد ينبئ بخلل في التربية، وغياب الحوار الفعال، وضعف أواصر المودة التي كانت تمكن الأم من توجيه أبنائها نحو مصلحتهم في البقاء لا الهجرة.
المؤلم أن بعض الأمهات اليوم يشجعن أبناءهن على خوض غمار الخطر، دافعات بهم نحو أمواج البحر بحثاً عن رفاهية قد تكون مجرد سراب. فبينما يُعد الحق في البحث عن حياة أفضل حقاً مشروعاً، يطرح التساؤل حول مدى تحقق أحلام السيارة الفارهة والدخل المغري والتطبيب المتطور في أوروبا، وهل أن القارة العجوز لا تعاني هي الأخرى من مظاهر العجز التي لا تخطئها العين؟
الواقع الوطني: تحديات وآمال
لا يمكن إنكار وجود مفسدين في الوطن اغتنوا بغير وجه حق على حساب الفئات الضعيفة، مما أدى إلى تباين صارخ بين غنى فاحش وفقر مدقع، وعدالة اجتماعية ما زالت تخطو خطواتها الأولى. ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بالإصلاحات الجذرية والمشاريع الكبرى الجارية التي ستظهر مردوديتها قريباً، مما يستدعي قدراً من الصبر.
مطالب الشباب المتعلقة بالتعليم والصحة والعمل هي مطالب مشروعة. ولكن ينبغي عليهم إدراك أن الهروب لن يغير الواقع، وأن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح. لذا، عليهم ممارسة حقهم الكامل في الانتخابات، والتصويت لمن يخدم مصالحهم لا مصالحه، فقد ولى عصر التسيب وحان وقت المحاسبة.
حكمة الجدة الخالدة: الوطن هو الرحم الثاني
لقد صدقت جدتي حين قالت: “قطران بلادي ولا عسل البلدان.” إنها حكمة تُسكب في القلب كالماء البارد، وتذكرنا أن الوطن، مهما ضاقت ظروفه، يبقى أوسع من الغربة، وأن جذورنا، مهما حاولنا اقتلاعها، تظل تنزف حنيناً إلى تراب الأرض الأولى.
الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل هو رحمٌ ثانٍ. إذا خرجنا منه عشنا غرباء، وإذا عدنا إليه عدنا أطفالاً في حضن لا يشيخ. كانت جدتي ترى الوطن كالأرض التي تُنبت القمح ولو جفّت السماء، وكالأم التي تُرضع أبناءها ولو جفّ الحليب. كانت تؤمن أن الغربة ليست سفراً، بل موتاً بطيئاً، وأن الهجرة ليست باباً للرزق، بل نافذة للتيه. خبز الوطن، وإن كان يابساً، أطيب من موائد الآخرين، وظلّ الوطن، وإن كان قصيراً، أرحم من شمس الغربة الحارقة.
وهكذا، تظل كلماتها ترنّ في الأذن كجرس قديم، تُذكّرنا أن الوطن، مهما علا فيه صوت الفساد، يبقى بيتاً، وأن الغربة، مهما تلألأت بوعودها، تبقى صحراء بلا ماء.
بقلم: د. كريمة نور عيساوي، أستاذة تاريخ الأديان وحوار الحضارات، كلية أصول الدين، جامعة عبد المالك السعدي /تطوان
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق