في قلب السودان، تتكشف مأساة إنسانية متصاعدة في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، حيث يواجه السكان والنازحون ظروفاً معيشية قاسية جراء النزاع الدائر. ومع تصاعد وتيرة القتال بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، تتعاظم المخاوف من أن تشهد “عروس الرمال” مصيراً مشابهاً لما آلت إليه مدينة الفاشر في دارفور.
تظهر الصورة المرفقة امرأة نازحة تقف أمام صندوق كرتوني فارغ في مخيم بمدينة الأبيض بتاريخ 12 يناير 2026، في مشهد يلخص جانباً من المعاناة الإنسانية. فالمدينة، التي شهدت مؤخراً تعطلاً في خدمات الكهرباء والمياه نتيجة هجمات المسيرات، تجبر قاطنيها على قطع مسافات طويلة بحثاً عن قطرات الماء، في ظل تدهور متسارع للأوضاع داخل مخيمات النزوح.
الأهمية الاستراتيجية لمدينة الأبيض
تعد الأبيض مركزاً حيوياً يضم أكثر من نصف مليون نسمة من سكانها الأصليين، بالإضافة إلى ما يزيد عن 100 ألف نازح لجأوا إليها طلباً للأمان. وتتجاوز أهميتها البعد السكاني لتشمل موقعها الاستراتيجي كمركز إداري وعسكري محوري في إقليم كردفان، ومقراً لرئاسة الفرقة الخامسة مشاة (الهجانة). كما تمثل المدينة نقطة ارتكاز أساسية للتجارة ومرور المساعدات الإنسانية والإمدادات المعيشية والإدارية لولايات كردفان الثلاث: الشمالية، الجنوبية، والغربية.
لقد أسفرت الاشتباكات المستمرة بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني عن موجات نزوح واسعة وتفاقم حاد في الأزمة الإنسانية بالمدينة، وسط تبادل الاتهامات بين الطرفين حول استهداف المدنيين وعرقلة وصول المساعدات الضرورية.
تصاعد هجمات المسيرات و”إنذار أحمر” أممي
هذه المكانة الحيوية جعلت الأبيض وريفها هدفاً متزايداً لهجمات الطائرات المسيرة. وفقاً لتقارير “منظمة السلامة الدولية للمنظمات غير الحكومية”، سجلت ولاية شمال كردفان حوالي 141 هجوماً بطائرات مسيرة، تركزت معظمها على الأبيض. استهدفت هذه الهجمات مرافق صحية وتعليمية وبنى تحتية، فضلاً عن الأحياء السكنية ومخيمات النازحين، مما أدى إلى شل الخدمات الأساسية، وانقطاع التيار الكهربائي، وارتفاع جنوني في تكاليف المعيشة.
هذا التدهور دفع المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى إطلاق تحذير من “كارثة إنسانية كبيرة”، واصفاً الوضع بأنه “إنذار أحمر” يستدعي تدخلاً عاجلاً من رؤساء الدول والحكومات لتفادي ارتكاب “جرائم فظيعة”. وأشار تورك إلى أن المدنيين في الأبيض يعيشون ظروفاً “شبه حصار” منذ 18 شهراً، مع نقص حاد في مياه الشرب النظيفة وتعرضهم المستمر لهجمات المسيرات، محذراً من تكرار الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها الفاشر العام الماضي.
من جانبه، وصف عمار حمودة، القيادي في “الحرية والتغيير”، الوضع لـ”الحرة” بأنه “كارثي” حتى قبل اشتداد الحصار، نظراً لتجاوز قدرة المدينة على التحمل بسبب الكثافة السكانية ونقص الإمدادات الحيوية كالأدوية والوقود. وأكد حمودة أن القاسم المشترك بين الفاشر والأبيض هو غياب الحماية للمدنيين واستخدامهم كرهائن في الصراع، حيث أصبحت الأبيض مركزاً للنازحين يعاني من الحصار والمسيرات ونقص الإمدادات الحيوية.
كما حذر ريتشارد داتا، مدير بعثة لجنة الإنقاذ الدولية في السودان، من انهيار شامل وشيك، مشيراً إلى أن ما يحدث في الأبيض قد يحاكي “الفظائع التي شهدتها الفاشر، حيث تحول المدنيون إلى أهداف”. وتفيد تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة بأن النساء والفتيات في الأبيض يواجهن كابوساً مشابهاً للفاشر، حيث يضطررن للاختيار بين مخاطر ضربات المسيرات التي تستهدف شاحنات المياه نهاراً، أو مواجهة العنف الجنسي وكمائن الليل إذا ما انتظرن حلول الظلام. وعلق حمودة بأن الأطراف المتحاربة اختارت القتال فوق رؤوس المدنيين الذين يدفعون الثمن.
هل الأبيض “ليست فاشر أخرى”؟
في المقابل، يقدم الخبير الأمني والعسكري السوداني، عامر حسن عباس، رؤية مختلفة، معتبراً أن الربط بين سيناريو سقوط الفاشر وما يجري في الأبيض هو “حديث إعلامي وسياسي يفتقر للواقعية الميدانية”.
ويوضح عباس أن الفاشر عانت من حصار بري خانق وسياسة تجويع ممنهجة، بينما تحتفظ الأبيض بشريانين بريين مفتوحين يربطانها بأكثر من 13 ولاية سودانية، مما يضمن استمرار حركة المواطنين والبضائع عبر طرق حيوية مثل كوستي وتندلتي. ويضيف أن المدارس والجامعات والمستشفيات لا تزال تعمل، وأن أزمة المياه في المدينة موسمية بطبيعتها، حيث يوفر موسم الأمطار الذي يبدأ عادة في أواخر مايو الموارد الجوفية الكافية، نافياً بذلك الحديث عن عطش أو جفاف حاد.
من الناحية العسكرية، يؤكد عباس أن “التهديد الميداني العسكري الوشيك لسقوط المدينة غير موجود”، مشيراً إلى خلو ضواحيها المباشرة من الحشود والمدفعية الثقيلة. وتدور العمليات البرية على بعد يتجاوز 50 كيلومتراً، مع وجود قوي للجيش والقوات المشتركة في محاور ممتدة حتى تخوم دارفور. ولفت عباس إلى أن تواجد القوات المسلحة والقوات المشتركة في ثلاث محليات على تخوم مدينة الجنينة بالغرب يؤكد أن الأبيض ليست المركز الأخير للجيش بالاتجاه الغربي، بل ينفتح الميدان على حضور عسكري ممتد حتى ولايتي غرب وشمال دارفور.
الضربات الجوية: تكتيك للضغط السياسي
في تحليله لتركز الضربات الجوية، يرى عباس أن سلاح المسيرات أصبح الأداة الرئيسية لإحداث الإرباك وشل الخدمات ونشر الخوف، بهدف الضغط على الجيش والحكومة السودانية لفرض هدنة سياسية. ويعتبر أن الاستهداف الجوي المستمر عبر المسيرات يُستغل في الساحة الدولية لفرض محادثات جديدة على الحكومة السودانية. ويشير إلى أن هذا التكتيك الجوي يمثل حلاً تعتمد عليه القوى المتصارعة كبديل للتقدم البري الصعب، سعياً لخلق ضغط إعلامي وسياسي ودولي متواصل.
مستقبل “عروس الرمال” على المحك
تبقى الأوضاع الإنسانية في الأبيض محفوفة بالحذر الشديد، فمزيج من الخوف من الضربات الجوية المتواصلة، والتضخم الاقتصادي، وصعوبة وصول الإغاثة الدولية، يضع المدينة في حالة حرجة إنسانياً. ويبقى مستقبل “عروس الرمال” مرهوناً بما ستسفر عنه الأيام القادمة، بين صمود المدنيين أمام تردي الأوضاع الإنسانية وهجمات المسيرات المستمرة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق