منظر عام لشمال قطاع غزة من الحدود الإسرائيلية، يظهر الدمار والوضع الراهن في المنطقة.
السياسة

مستقبل غزة الإداري: لجنة في القاهرة وواقع معقد على الأرض

حصة
حصة
Pinterest Hidden

بعد مرور ستة أشهر على إعلان تشكيلها، لا تزال اللجنة الوطنية لإدارة غزة ترابط في العاصمة المصرية القاهرة، دون أن تتمكن من دخول القطاع أو إرساء أي وجود فعلي على الأرض، سواء من حيث المقر أو الجهاز الإداري أو قوة الشرطة الخاضعة لسلطتها. هذا الوضع يثير تساؤلات جوهرية حول فعاليتها ومصدر شرعيتها، في ظل غياب أي مؤشرات على التزام حركة حماس بنزع سلاحها أو نقل أجهزتها الأمنية والمالية والإدارية إلى الهيئة الجديدة.

خطة الانتقال الأمريكية: رؤية معقدة

كان الإطار الانتقالي لحكم غزة، الذي رعته الإدارة الأمريكية بعد وقف إطلاق النار، يستند إلى تسلسل واضح: انسحاب حماس من الإدارة المدنية، وتولي لجنة فلسطينية من التكنوقراط مسؤولية المؤسسات والخدمات، وإشراف “مجلس السلام” على الانتقال السياسي والأمني وتأمين التمويل اللازم. إلا أن مقابلات أجرتها “الحرة” مع محللين كشفت عن إشكالية أساسية في هذه الخطة، تتمثل في اعتمادها على تنازلات متزامنة من أطراف متناقضة، دون تحديد آليات تنفيذ واضحة أو آليات ضغط تضمن التزام الأطراف.

تحديات الشرعية والوجود

هدفت اللجنة إلى تجاوز ثلاث معضلات رئيسية: منع عودة حماس إلى الحكم، تجنب الإدارة الإسرائيلية المباشرة لسكان غزة، وعدم تسليم القطاع لسلطة فلسطينية تعاني بدورها من أزمة شرعية وانقسام سياسي. لكن هذا الحل واجه سؤالاً بديهياً: كيف يمكن لهيئة أن تحكم أرضاً لا تستطيع دخولها؟

يجيب ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، بالنفي القاطع، مشيراً إلى أن التحدي يتجاوز العوائق اللوجستية. فالخطة أسست لهيئة مدعومة دولياً دون تحديد واضح لمصدر سلطتها. فإذا كانت المرجعية هي القانون الأساسي الفلسطيني، فإن اللجنة تحتاج إلى تفويض من الرئاسة الفلسطينية والارتباط بمسار يعيد المؤسسات المنتخبة. أما الدعم الأمريكي والعربي والدولي، فلا يكفي وحده لمنحها الشرعية السياسية أمام الفلسطينيين، وإن كان قد يمنحها قبولاً إدارياً إذا نجحت في تقديم الخدمات، وهو ما لم يتحقق بعد لعدم وجودها في غزة.

من جانبه، يرى أحمد فؤاد الخطيب، الزميل في المجلس الأطلسي ومدير مشروع Realign for Palestine، أن اللجنة لا تزال كياناً أولياً يمتلك أسماء وخططاً، لكنه يفتقر إلى المؤسسات التنفيذية. وقد اصطدمت خططها بجدار الواقع لعدم قدرتها على العودة إلى غزة أو إنشاء مقر وأذرع إدارية فيها.

إعلان حماس: تقييم بالأفعال

في مطلع يوليو، أعلنت حركة حماس حل لجنة الطوارئ الحكومية ونقل المسؤوليات المدنية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة. ورغم أن هذا الإعلان بدا خطوة إيجابية نحو تطبيق الخطة الأمريكية، إلا أنه لم يتضمن التزاماً بنزع السلاح، ولم تتبعه مؤشرات ملموسة على انتقال الأجهزة الأمنية أو الإيرادات أو القيادة الإدارية. وقتها، أكد “مجلس السلام” أن التقييم سيكون بالأفعال لا بالوعود، مجدداً التأكيد على مبدأ “سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد”.

يوضح براون أن جدية حماس يمكن قياسها بمدى تعاونها مع السلطات المدنية والأمنية الجديدة، وإبلاغ موظفيها وأنصارها داخل الجهاز البيروقراطي بتلقي الأوامر من السلطة الجديدة. ويشير إلى أن الانتقال قد يبدأ قبل حسم ملف السلاح بالكامل، لكنه لن يحرز تقدماً كبيراً في هذه الحالة، لأن وجود حكومة رسمية إلى جانب قوة مسلحة مستقلة يجعل احتكار السلطة شكلياً. وإذا أصبح نزع السلاح الكامل شرطاً مسبقاً، فقد يتجمد الانتقال إلى أجل غير مسمى، بينما قد يؤدي دخول اللجنة قبل توحيد القيادة الأمنية إلى نشوء إدارتين متوازيتين.

يعتبر براون هذا التناقض دليلاً على أن الإطار لم يكن قابلاً للتطبيق منذ البداية. في المقابل، يرى الخطيب أن الخطة ليست ميتة بالضرورة، لكن الإدارة الأمريكية لم تعد توليها الاهتمام والموارد السياسية الكافية، مشيراً إلى أن تعدد الأزمات الأخرى دفع ملف غزة إلى مرتبة أدنى في سلم الأولويات. ومع ذلك، يؤكد الخطيب أن واشنطن ما زالت تملك نفوذاً كبيراً، خاصة في علاقتها بإسرائيل وإمكانية الضغط عليها.

تأثير التعثر على المساعدات وإعادة الإعمار

يؤكد الاقتصادي الفلسطيني رجا الخالدي، الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية (ماس)، أن إسرائيل ربطت دخول اللجنة بإتمام نزع السلاح، بينما ظلت حركة المساعدات ومواد البناء خاضعة لقيود صارمة. هذا يثير تساؤلاً حول مدى استعداد الإدارة الأمريكية لاستخدام نفوذها لضمان تنفيذ الإطار الذي رعته.

حتى الآن، لم يسفر الدعم الأمريكي للخطة عن دخول اللجنة إلى غزة، أو وضع جدول زمني واضح لنقل المسؤوليات، أو ترتيب يحسم العلاقة بين الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح وانتشار السلطة الجديدة. وتظهر كلفة هذا التعطل بوضوح في ملفي المساعدات وإعادة الإعمار.

تعمل الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية في غزة، وستستمر في ذلك، لأن أي حكومة فلسطينية جديدة لن تستطيع تلبية احتياجات أكثر من مليوني شخص بسرعة. لكن استمرار عمل هذه المنظمات لا يضمن وصول الإغاثة بفعالية، حيث يعتمد حجم المساعدات وانتظامها على فتح المعابر، وتأمين دخول الغذاء والدواء والوقود، وحرية حركة الموظفين.

ويشير الخالدي إلى أن الصناديق الدولية يمكنها استقبال التعهدات ومراقبة الإنفاق، لكنها لا يمكن أن تحل محل حكومة تحدد الأولويات وتوقع العقود وتنفذها. ووفقاً لتقديراته، تتجاوز احتياجات التعافي وإعادة الإعمار 71 مليار دولار خلال عشر سنوات، وهي أموال يجب أن تتحول إلى مساكن وطرق ومستشفيات. ويدعو الخالدي إلى اعتماد مبدأ “التعافي قبل الإعمار”، أي استعادة الخدمات الأساسية كالمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والنشاط الاقتصادي قبل الشروع في المشروعات طويلة الأجل.

خلاصات وتوصيات

تتباين آراء المحللين الثلاثة حول مستقبل إطار السلام: يرى براون أنه معيب منذ البداية لعدم حسمه لمصدر الشرعية والعلاقة بين الإدارة والقوة. بينما يعتقد الخطيب أنه قابل للتحريك إذا استعادت الإدارة الأمريكية اهتمامها واستخدمت نفوذها. أما الخالدي، فيركز على أن التمويل لن يتحول إلى تعافٍ حقيقي ما دامت قضايا السلطة والوصول غير محسومة.

لكنهم يتفقون على نتيجة واحدة: لا يمكن للجنة أن تتحول إلى حكومة فاعلة من القاهرة، ولا تستطيع الصناديق الدولية أن تعوض غياب سلطة تعمل من داخل غزة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *