في استعراض لأبرز ما تناولته الصحف البريطانية يوم الأربعاء، تبرز تحليلات معمقة تتناول قضايا دولية محورية، بدءًا من السياسة الأمريكية تجاه إيران، مروراً بتصاعد نفوذ الحوثيين في اليمن وتداعياته الإقليمية والدولية، وصولاً إلى تقييمات حادة لمستقبل بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
رؤية الغارديان: رهان واشنطن على انتفاضة الشعب الإيراني سياسة فاشلة
تستهل صحيفة الغارديان جولتها بمقال للدكتور حسين حمدية، الباحث الاجتماعي المقيم في طهران، الذي يسلط الضوء على التباين الكبير بين التوقعات الأمريكية والواقع الإيراني فيما يخص المعارضة الداخلية للنظام. يشير حمدية إلى تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الأخيرة على منصة تروث سوشال، حيث تساءل: “متى سينتفض الشعب الإيراني ويقاتل؟”، واصفاً هذه التصريحات بأنها “تتسم بقدر كبير من الاضطراب والتشتت لدرجة تجعل من الصعب التمييز بين ما يمثل سياسات فعلية وبين ما هو مجرد ضجيج إعلامي”.
موقف الشعب الإيراني من التدخل الخارجي
يؤكد المقال أن الرهان على انتفاضة الشعب الإيراني، إذا كان يمثل سياسة أمريكية فعلية، فهو “غير مجدٍ ومحكوم عليه بالفشل الذريع، على الأقل في الوقت الراهن”. ويستشهد حمدية بالعاملين في الشركات الإيرانية الناشئة، الذين ورغم تضررهم من انقطاع الإنترنت المتكرر الذي يعطل البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، إلا أنهم لا يبدون تأييداً للسياسة الإيرانية التي سبقت الحرب، وفي الوقت ذاته، يلمس الكاتب “شعوراً متزايداً بالكراهية تجاه الولايات المتحدة وحربها في إيران”.
هذا الشعور، بحسب المقال، لا يعني بالضرورة تأييداً للدولة، بل يعكس “نشوء كراهية شديدة للولايات المتحدة، بالتزامن مع رغبة متنامية في إعادة بناء إيران وجعلها أفضل حالاً”. وتتغذى هذه المشاعر من الأحداث المأساوية التي شهدتها البلاد، مثل المأساة “المروعة” التي لحقت بمدرسة “ميناب”، والمجمع الرياضي في “لامرد”، والمنازل المدمرة في طهران، ومؤخراً، استهداف حفل زفاف في قرية إيرانية صغيرة أسفر عن مقتل وإصابة العديد من الحضور.
ويوضح المقال أن هذه الحوادث تؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث يدرك الشعب الإيراني “كيف يمكن لمن يشنون حرباً من بعيد ألّا يرَوا في ضحاياهم سوى مجرد أكوام من الأجساد البشرية، بلا وجوه ولا أسماء ولا قصص إنسانية”. هذه القصص والصور للمواطنين العاديين الذين “يُقتلون بوحشية”، تميل إلى توحيد صفوف البلد في مواجهة الغزو الأجنبي، وتستحضر “ذكريات ما جرى في العراق وليبيا وأفغانستان”. وقد تحولت الصورة السابقة لإيران كشعب مختطف إلى “أمة تخوض حرباً ضد خصم إقليمي مُعادٍ وداعمٍ له ذي نزعة إمبريالية”. ويختتم المقال بأن واشنطن “تغفل بسذاجة” عن الفارق الجوهري بين معارضة الدولة والرغبة في تغيير داخلي، لا عبر القصف الخارجي.
التلغراف تحذر من “حرب استنزاف” يشنها الحوثيون على الغرب
تنتقل صحيفة التلغراف في مقال لجيك واليس سايمنز، الذي يعبر عن قلقه العميق إزاء تصاعد الأوضاع المتعلقة بجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن. يأتي هذا التحذير بعد موافقة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام على دعم السعودية جواً في قتال الحوثيين، وهي خطوة يراها سايمنز “بادرة قوية تهدف إلى حث العالم على الكف عن الوقوف مكتوف الأيدي” أمام التقدم الحوثي على طول مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
التهديد الاقتصادي والاستراتيجي
يحذر المقال من أن التصعيد الحوثي قد يؤدي إلى “شلل في الاقتصاد العالمي، وجرّ المنطقة إلى ساحة حرب أخرى، وإشعال فتيل عدم استقرار لسنوات قادمة”. ويبرز سايمنز الخطورة الاستراتيجية لمضيق باب المندب، الذي يمر عبره ما يقرب من عُشر حركة التجارة البحرية العالمية وخُمس حركة الحاويات، مشيراً إلى انخفاض التدفقات التجارية بنسبة 60 في المئة مقارنة بعام 2023.
وعلى الرغم من أن المحرك الأساسي للحوثيين يكمن في طهران، يرى المقال أن الحوثيين يمثلون “القوة الأكبر من حيث الانتشار الجغرافي ضمن هذا المحور”، بقدرة قتالية تبلغ نحو 350 ألف مقاتل، مدعومين بأسلحة إيرانية تشمل بنادق كلاشينكوف، شاحنات تويوتا الصغيرة (البيك أب)، صواريخ باليستية وكروز، طائرات مسيّرة بعيدة المدى، أسلحة مضادة للسفن، وألغام بحرية، و”كلها إمدادات إيرانية”.
كما يشير المقال إلى خطورة “ميليشيات” العراق التي “تتلقى أوامرها من طهران”، والتي يُعتقد أنها وراء تدمير خط “شرق – غرب” النفطي السعودي. ومع استمرار الحوثيين في قصف البنية التحتية المدنية السعودية ونقص مخزون الرياض من الصواريخ الاعتراضية، يعتبر المقال أن طلب السعودية من الصين وعُمان التوسط لوقف إطلاق النار “خطوة لا تفصلها سوى شعرة واحدة عن إعلان استسلام أغنى دولة في العالم العربي وأكثرها نفوذاً”.
ويصف سايمنز المشهد بأنه “قاتم”، حيث تمكنت “عصابات من المتشددين اليمنيين المغمورين من إحداث حرج عسكري، وبث الرعب بين المدنيين، وتعطيل إمدادات الطاقة، وجذب أنظار العالم”. ويخلص المقال إلى أن هذا التصعيد يندرج ضمن “الصورة الأوسع للصراع مع إيران، التي تهدف إلى ضرب الغرب في مقتل اقتصادياً، وجرّه إلى مستنقع ستكون تكلفته باهظة من حيث الأرواح والموارد والاستقرار السياسي، ما قد يفضي في نهاية المطاف إلى الهزيمة [هزيمة الغرب] عبر حرب استنزاف”.
الإندبندنت: البريكست “إعلان أحادي الجانب عن العجز السياسي”
نختتم جولتنا بصحيفة الإندبندنت، التي تنشر تقريراً لـ”سايمن وولترز” يلخص مقابلة حصرية أجراها رئيس تحرير الصحيفة جودي غريغ مع وزير الخارجية البريطاني السابق عن حزب العمال، ديفيد ميليباند. في هذا اللقاء، ينضم ميليباند إلى الأصوات المتزايدة المطالبة بالتراجع عن قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، واصفاً البريكست بأنه “إعلان أحادي الجانب عن العجز السياسي”، ما حول المملكة المتحدة “التي تفتقر إلى بوصلة توجيه” إلى مجرد “قطعة فِلّين تتقاذفها الأمواج”.
البريكست: معاناة يومية وتراجع النفوذ
يشير ميليباند، الذي شغل منصب وزير الخارجية بين عامي 2007 و2010، إلى “المعاناة اليومية” التي تسبب بها البريكست، مستشهداً بمُصنّعي الأجبان الذين يواجهون صعوبات في التصدير، والمسافرين العالقين في مطار برلين في الطابور الخطأ، والصيادين الذين مُنُّوا بوعود لم تتحقق قط. ويؤكد أن “بريطانيا أصبحت أضعف لأننا عزلنا أنفسنا اقتصادياً وأصدرنا هذا الإعلان الأحادي عن العجز السياسي”.
ويضيف ميليباند أن هذا الضعف لم يقتصر على بريطانيا وحدها، بل امتد ليطال “أوروبا أضعف، والغرب أضعف”، حيث “اختل توازن الاتحاد الأوروبي، كما أننا تركنا أوروبا مفتقدةً لركيزة ومساهمٍ في غاية الحيوية”. ويدعو إلى إقامة علاقة جديدة “مؤسسية” مع الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن هذه المهمة “لن تكون سهلة” لكنها ليست مستحيلة من خلال “صياغة اتفاق جديد” قائم على “نموذج مشترك جديد”.
ويرى أن هذا النموذج يجب أن يعالج الأضرار التي لحقت بالمملكة المتحدة جراء الانسحاب من الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. ويختتم ميليباند بأن هذا هو “الطريق الأقل تكلفة لتعزيز الاقتصاد، والأسرع لتوحيد أوروبا في مواجهة التهديدات الأمنية، والأفضل لاكتساب نفوذ وتأثير في نظام عالمي لم يعد يرتكز على ثقل أمريكي ثابت”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق