في عالم يتسارع فيه التطور الرقمي، تجد الأسر نفسها أمام تحديات متزايدة في إدارة تفاعل أبنائها مع وسائل التواصل الاجتماعي. سارة، وهي طبيبة مصرية في السادسة والعشرين وأم لطفلين، تجسد هذا التحدي. فمع كل مرة ترى فيها ابنها آسر، ذو السبع سنوات، منغمسًا في هاتفه، يتنقل بين المقاطع المصورة ومنصات التواصل، يراودها سؤال مؤرق: “هل أنا أم سيئة؟”.
تعترف سارة، التي لديها طفلان يبلغان سبع وتسع سنوات، بأنها كانت تضع قواعد صارمة في بداية رحلة الأمومة، منها عدم استخدام الهاتف قبل سن العاشرة وإنشاء حسابات على مواقع التواصل قبل الثانية عشرة. لكن ضغوط الحياة اليومية ومتطلبات العمل المتزايدة دفعتها نحو الحل الأسهل: استخدام الهاتف لإشغال أبنائها. وتفاقم الوضع مع دخول آسر رياض الأطفال، حيث أصبح الهاتف الذكي وسيلة تواصل أساسية بين الأطفال، مما زاد من صعوبة التحكم في استخدامه.
قرار حكومي جديد لتقنين استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي
في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بحماية النشء في الفضاء الرقمي، أصدرت الحكومة المصرية، ممثلة في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، قرارًا جديدًا يلزم منصات التواصل الاجتماعي باتخاذ إجراءات صارمة لحماية الأطفال دون سن الخامسة عشرة. ويأتي هذا القرار، الذي صدر يوم الخميس، في إطار سعي الدولة لتوفير بيئة رقمية آمنة تحمي الأطفال من المحتوى والممارسات التي قد تشكل مخاطر على سلامتهم النفسية والاجتماعية والرقمية، مع التأكيد على حقهم في الاستفادة المسؤولة من التكنولوجيا.
وبموجب هذا القرار، يُحظر على الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 13 عامًا إنشاء أو تفعيل حسابات شخصية مستقلة على هذه المنصات. أما الفئة العمرية بين 13 عامًا وأقل من 15 عامًا، فيُسمح لها بإنشاء حسابات شريطة تفعيل “نمط الاستخدام الآمن” تلقائيًا وبشكل إلزامي. كما يلزم القرار المنصات بتطوير آليات فعالة للتحقق من أعمار المستخدمين ومنع أي محاولات للتحايل على هذه الحدود العمرية، مع مراعاة حماية البيانات الشخصية وتقليل حجم المعلومات التي تُجمع لهذا الغرض.
وقد مُنحت المنصات مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لتوفيق أوضاعها بما يتوافق مع القرار، مع ضرورة تقديم خطة تنفيذية وجدول زمني مفصل خلال 30 يومًا من تاريخ نشر القرار وإخطارها به. ويأتي هذا التحرك الحكومي بعد ساعات قليلة من توجيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للجهات المعنية بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأطفال دون سن 15 عامًا من إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
آراء متباينة حول فعالية القيود
تباينت الآراء حول مدى فعالية هذه الإجراءات. يرى هاني هلال، أمين الائتلاف المصري لحقوق الطفل، أن حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت أمر حيوي، لكنه يحذر من الاعتماد على المنع وحده كحل شامل. ويؤكد هلال أن الأطفال الذين نشأوا في عصر التكنولوجيا بحاجة إلى توعية مكثفة حول الاستخدام الآمن، إلى جانب تطوير التشريعات وأدوات الحماية، وتعزيز التعاون مع شركات التكنولوجيا. كما نبه إلى أن القيود الصارمة قد تدفع بعض الأطفال إلى البحث عن طرق بديلة للالتفاف عليها.
في المقابل، يرى أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مجلس النواب المصري، أن الإجراءات المتخذة من قبل الدولة تهدف إلى حماية الأطفال دون حرمانهم من مزايا التكنولوجيا ومواكبة التقدم في عصر الذكاء الاصطناعي. وأشار بدوي، في تصريحات إعلامية، إلى أن مبادرة “شريحة الطفل” التي توفر للآباء أدوات للتحكم والمتابعة، تعد أحد هذه الإجراءات، بالإضافة إلى وضع ضوابط تتناسب مع الفئات العمرية المختلفة. ويشدد بدوي على أن حماية الأطفال هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق الدولة والأسرة والمجتمع ومنصات التواصل الاجتماعي، وأن الهدف الأسمى هو تحقيق استخدام آمن ومسؤول للتكنولوجيا.
تحديات التطبيق اليومي ودور الأسرة
بالنسبة لأسر مثل أسرة سارة، لا تقتصر المسألة على قواعد إنشاء الحسابات فحسب، بل تمتد إلى التحدي اليومي المتمثل في إدارة استخدام الهاتف. فالهاتف، في نظر سارة، ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح حلاً عمليًا تلجأ إليه لتخفيف أعباء مسؤوليات العمل والمنزل، أو للحصول على بعض الوقت الخاص بها. وهنا، يؤكد هلال أن القضية أعمق من مجرد تحديد سن لإنشاء الحسابات، مشددًا على ضرورة توعية الأسر وتزويدها بالأدوات اللازمة لإدارة تفاعل أبنائها مع التكنولوجيا بفعالية.
مساعٍ تشريعية سابقة وجهود تكنولوجية داعمة
تأتي هذه الخطوات ضمن سياق أوسع من الجهود المصرية. ففي وقت سابق من العام، بدأت مصر في إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي. وعقدت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب جلسات استماع وحوار مجتمعي مكثفة بشأنه. وفي أبريل الماضي، صرح رئيس اللجنة، أحمد بدوي، بأن مشروع القانون كان في مراحله النهائية تمهيدًا لإرساله إلى البرلمان. ومع ذلك، لم يتحول المشروع بعد إلى قانون، ومن المقرر أن تستأنف اللجنة مناقشات الحوار المجتمعي حوله مع بدء دور الانعقاد الثاني لمجلس النواب في أكتوبر.
ولم يكن القرار الأخير هو التحرك المصري الأول في هذا الصدد. ففي يوليو الماضي، أطلقت وزارة الاتصالات المصرية خدمتي “اطمن” و”اطمن على الآخر”، ضمن مبادرة عُرفت إعلاميًا باسم “شريحة الطفل”. وتهدف هذه الخدمات إلى تزويد الأسر بأدوات تساعدهم على تقييد وصول الأطفال إلى المحتويات والتطبيقات غير المناسبة لأعمارهم. فإحدى الخدمتين تتيح منع المحتوى الضار وتفعيل البحث الآمن، بينما توفر الأخرى مستوى أعلى من الحماية يشمل منع الوصول إلى مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي بشكل كامل. وقد أكد وزير الاتصالات وقت إطلاق الخدمتين أن الهدف هو تحقيق توازن بين استفادة الأطفال من الإنترنت في التعليم واكتساب المعرفة والمهارات، وبين حمايتهم من المخاطر الرقمية.
رؤى خبراء: نحو تنظيم تكيفي وحملات توعية مبتكرة
من جانبه، يرى وائل الطوخي، الصحفي والباحث المتخصص في شؤون الاتصالات والإعلام الرقمي، أن التعامل مع استخدام الأطفال للتكنولوجيا يتطلب قدرًا كبيرًا من المرونة، نظرًا للتغير السريع في طبيعة التكنولوجيا وأنماط استخدام الأطفال لها. ويشير الطوخي إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست سوى جزء من منظومة تكنولوجية أوسع، مما يستدعي تطوير سياسات تتسم بـ”التنظيم التكيفي”، أي تحديث القواعد والأدوات باستمرار لمواكبة التغيرات. ويتفق الطوخي مع هلال في أن المنع وحده لا يكفي، مؤكدًا أن حماية الأطفال تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني وشركات التكنولوجيا، بالإضافة إلى تطوير أساليب توعية جديدة تستهدف الأطفال أنفسهم. ويشدد على أهمية تصميم هذه الحملات بما يتناسب مع أعمار الأطفال وطريقة تفاعلهم مع المحتوى الرقمي، والاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي ذاتها للوصول إليهم، بدلًا من الاكتفاء بالأساليب التقليدية. كما يرى أن فهم سلوك الأطفال وتفاعلهم مع هذه الحملات يمكن أن يسهم في تطويرها، مما يجعل الرسائل التوعوية أكثر قدرة على الوصول إليهم وتشجيعهم على استخدام التكنولوجيا بصورة أكثر أمانًا ومسؤولية.
تحديات التنفيذ والدروس المستفادة دوليًا
يبقى التحدي الأبرز أمام القرار المصري هو كيفية التحقق الفعال من أعمار المستخدمين، خاصة وأن الأطفال قد يلجأون إلى استخدام بيانات عمرية غير صحيحة أو إنشاء حسابات جديدة للتحايل على القيود، وفقًا لهلال والطوخي. وحتى الآن، لم يتضح بعد كيف ستستجيب منصات التواصل الاجتماعي العالمية للقرار المصري. ومع ذلك، يشير الطوخي إلى أن تجارب دول أخرى أثبتت إمكانية تطبيق مثل هذه القيود، رغم التحديات المصاحبة.
ففي أستراليا، على سبيل المثال، دخلت قيود استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا حيز التنفيذ في ديسمبر 2025، وألزمت المنصات باتخاذ خطوات معقولة لمنع الأطفال دون هذا العمر من إنشاء الحسابات أو الاحتفاظ بها. ونتيجة لذلك، أعلنت هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية في يناير أن المنصات الرئيسية أزالت الوصول إلى نحو 4.7 مليون حساب يُعتقد أنها تخص مستخدمين دون 16 عامًا خلال النصف الأول من ديسمبر، بعد بدء تطبيق القيود. تجدر الإشارة إلى أن القيود الأسترالية تركز على امتلاك الحسابات ولا تعني بالضرورة حجب كل المحتوى المتاح عبر مواقع التواصل أمام هذه الفئة العمرية. كما يتعين على المنصات التعامل مع محاولات التحايل وتطوير وسائل مستمرة للتحقق من العمر.
وفي سياق مشابه، اتخذت السلطات في الإمارات العربية المتحدة في يونيو الماضي خطوة تشبه النموذج المصري في بعض جوانبها، حيث حددت سن 15 عامًا كحد أدنى لإنشاء أو تفعيل حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، مما يؤكد التوجه الإقليمي نحو تعزيز حماية الأطفال في الفضاء الرقمي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق