في زحمة الحياة اليومية بمدينة مغربية، تتجلى قصص إنسانية عميقة تحمل في طياتها مرارة التجارب وصراع القيم. قصة سعيد، سائق الأجرة الذي تجاوز الأربعين من عمره، هي إحدى هذه القصص التي تعكس تعقيدات العلاقات الأسرية وتحديات الحياة.
لقاء عابر يكشف جراحاً عميقة
بينما كان العرق يتصبب على جبينه تحت أشعة الشمس، أوقف سعيد سيارته الأجرة الصغيرة بمحاذاة الرصيف. لوحت له امرأة مسنة بيدها الواهنة، فمد يده ليفتح لها الباب من الداخل، متباطئًا رغم منبهات السيارات خلفه، حتى استقرت السيدة في مقعدها. كانت تحمل أوراقًا طبية كثيرة في كيس بلاستيكي، وبصوت خافت طلبت: “مختبر التحليلات الطبية يا ولدي!”.
انطلقت السيارة، وسعيد يدرك من ملامح السيدة ووجهتها وحركتها المتثاقلة أنها تعاني من مرض مزمن لا يقتصر سببه على عامل السن وحده. حمد ربه على نعمة الصحة، لكنه في قرارة نفسه كان يرى نفسه من أشقى الناس حالاً، فذكريات مريرة بدأت تتسلل إلى ذهنه.
سنوات الغربة: تضحية من أجل الأهل
قبل أكثر من عقدين، بدأ سعيد حياته كسائق أجرة. بعد ثلاث سنوات في هذه المهنة، شد الرحال إلى الديار الإيطالية، حيث قضى زهرة شبابه. هناك، عمل بجد لسنوات طويلة، متحملاً قسوة الغربة ومرارتها، وكان جلّ همه إعالة إخوته بعد وفاة والدهم وهم صغار. لقد أوقف حياته عليهم، وحرم نفسه من الكثير، حتى أنه رفض إلحاح أخيه الأصغر سمير بالالتحاق به في إيطاليا، لأنه لم يشأ أن يذيقه مرارة الغربة، ووعده بمشروع مشترك يعوضه عن ذلك.
حلم يتحول إلى كابوس: مشروع العمر والطعنة الغادرة
كان سعيد يرسل لسمير مبلغًا ماليًا مهمًا كل شهر لإقامة مجمع سكني مكون من أربعة طوابق، مع محل تجاري في الأسفل يصلح كمقهى أو مطعم كبير في قلب مدينة الجديدة الساحلية. لتفادي التعقيدات الإدارية والبيروقراطية المغربية، جعل سعيد أخاه سمير بمثابة صاحب المشروع والمسؤول عنه بشكل كامل، متجنبًا عناء الحضور المستمر للتوقيعات والإجراءات.
مرت السنون، وعاد سعيد من بلاد الغربة، متطلعًا للراحة والعيش الكريم مع إخوته بعد كفاح عقدين من الزمن. لكن الصدمة كانت قاسية؛ أخوه سمير لم يكتفِ بطابق واحد أو مبلغ مالي، بل اعتبر المشروع بأكمله من إنجازه وإشرافه، وأنه هو رب المقهى ومديرها والمشرف على تأجير الطوابق العلوية. الأسوأ من ذلك، أن اسمه كان مسجلاً في السجل العقاري كمالك لكل شيء.
حاول سعيد اقتراح قسمة المشروع مناصفة لتجنب الخلاف، مدركًا أن خطيئته كانت في تسجيل كل شيء باسم أخيه. لكن سمير تمسك بموقفه، مصرًا على أنه تعب في كل شيء، وأن المبالغ التي أرسلها سعيد كانت مجرد “أقساط” سيعيدها إليه من عائدات المشروع.
دعوة صادقة في زمن الجفاء
استفاق سعيد من غفوته على ضوضاء السيارات وازدحام منتصف النهار. ظهرت له لوحة “مختبر التحليلات الطبية” في آخر الطريق. أوقف السيارة ليسمح للمرأة المسنة بالنزول. بدأت السيدة بفتح محفظتها الصغيرة لدفع الأجرة، لكن سعيد، الذي اشتعل رأسه شيبًا ولم يعرف لحياته بداية من نهاية، أوقفها، قائلاً إنه لا يريد منها سوى دعوة صالحة. كادت عينا المسنة تدمعان من طيبة هذا السائق في زمن بات فيه اللؤم والخسة عملة رائجة.
انهمرت دعوات الخير الصادقة من المرأة، أحس سعيد بحرارتها وتمنى من أعماقه أن يشفيها الله من أسقامها، متمنيًا لو كان أحد أبنائها أو أقاربها إلى جانبها في محنتها.
مرارة العلقم وأمل الغد
انطلق سعيد بسيارته نحو وسط المدينة، يلتقط زبائن آخرين، لكن الذكرى الأليمة عادت لتشتعل في أعماقه حسرة. منظر المرأة المسنة أعاده إلى ذكرى والدته التي توفيت وهو في الغربة، تاركًا في قلبها حرقة. كان يحلم بأن يحج بها إلى بيت الله الحرام بعد عودته، لكنه عاد ليجد أخاه قد استولى على جهد السنين، وتكبر مطامعه، ولا يريد أن يترك له سوى الفتات. حاول التوسط عبر الأقارب والمعارف، لكن دون جدوى. آخر ما يفكر فيه هو اللجوء إلى المحاكم، خشية أن يجر ذلك وصمة عار أبدية على العائلة.
عند إشارة ضوئية جديدة، سحب سعيد قنينة ماء، بلل بها جفاف حلقه، مستشعرًا مرارة داخلية بطعم العلقم لم يختبرها حتى في غربته. لعن الشيطان في سره، واستعاد صورة المرأة المسنة، مدركًا أن أمثالها من المرضى والمهمشين لا يحصيهم عدّ في مجتمعه. استغفر ربه، مرددًا: “الحمد لله على قضائه وقدره، وإن غدًا هو يوم جديد!”
للمزيد من الأخبار، زوروا
المصدر: اضغط هنا





اترك التعليق