في مشهد يتكرر بأسى في بلاد مزقتها الصراعات وأنهكتها الظروف الاقتصادية القاسية، طوى الموت صفحة الشاب اليمني المغامر، القعقاع بن عنتر العبسي، المعروف بلقب “سبايدر مان اليمن”. عن عمر يناهز العشرين عامًا، أسدل الستار على حياة شاب كان يمثل رمزًا للمواهب اليمنية الفذة التي تفتقر إلى الرعاية والاحتضان، ليجد نفسه في مواجهة شرسة مع الفقر والحاجة، حتى وافته المنية في فوهة بركان “حرضة دمت” التي اعتاد تسلقها بحثًا عن مصدر رزق.
سقوط مأساوي بحثًا عن لقمة العيش
لقي القعقاع حتفه إثر سقوطه من “حرضة دمت” أثناء قيامه بحركات استعراضية بهلوانية، مقابل مبالغ زهيدة تتراوح بين دولارين وستة دولارات، كان يتقاضاها لكتابة أسماء أو أداء عروض خطرة. هذه الحادثة المأساوية أثارت جدلاً واسعًا وتفاعلاً كبيرًا على المستويين المحلي والدولي، وكشفت عن واقع مرير تعيشه العديد من المواهب الشابة في اليمن، التي لا تجد الدعم والتبني إلا بعد فوات الأوان.
صرخة عائلة في وجه الإهمال
في شهادة مؤثرة لعم الفقيد، عبد الرحمن مقبل، لقناة الجزيرة، أكد أن القعقاع كان المعيل الوحيد لأسرته المكونة من سبعة إخوة وأربع أخوات، في ظل ظروف معيشية بالغة الصعوبة. وأضاف مقبل بأسى: “لا توجد دولة في اليمن كي تتم مناشدتها، والله لم يسأل أحد عنه أو يهتم به وبموهبته وهو على قيد الحياة، لم يبحثوا عنه أو يعرفوه إلا عندما مات”. مشيرًا إلى أن “الظروف المادية الصعبة كانت تضطره لصعود الحرضة يوميًا لكتابة بعض الأسماء أو القيام ببعض الحركات الاستعراضية ليحصل على بعض المال لأنه لم يكن لديه فرصة عمل.”
غياب إجراءات السلامة وتداعياتها
لم تكن محاولات إنقاذ القعقاع بعد سقوطه سهلة، حيث استمرت جهود المواطنين لأكثر من 24 ساعة قبل أن يتمكن الدفاع المدني من انتشال جثمانه ومواراته الثرى في المقبرة المخصصة بمدينة دمت. وقد سلطت هذه النهاية المأساوية الضوء على الغياب الصارخ لوسائل السلامة والدعم اللازمين لمثل هذه الأنشطة الخطرة. وأوضح عبد الرحمن مقبل أن الحادث كان يمكن أن تكون تبعاته أقل كارثية لو توفرت أدوات الحماية، قائلاً: “عندما سقط انشق رأسه لأنه لم يكن يرتدي وسائل حماية، ولو كان يمتلك هذه الوسائل لما تكسر رأسه وجسده بهذه الصورة”.
أحلام أجهضها الفقر
رغم محاولات لإنقاذ موهبته وفتح آفاق جديدة أمامه، لم تسمح الظروف المعيشية بذلك. وكشف عمه أن بعض المغتربين سعوا لتبني موهبته وإرساله إلى الخارج، مشيرًا إلى أنه تم التواصل مع بطل قطر السابق في الرماية، عبد الناصر الشيبة، الذي أبدى استعداده لإدخال القعقاع إلى دولة قطر. إلا أن هذا المسعى تعثر بسبب طلب الشيبة استخراج جواز سفر وبطاقة هوية وشهادات دراسية للقعقاع، وهو ما حال قصر ذات اليد دون التمكن من توفيره. هذه العقبات المادية أجهضت أحلام شاب كان يمتلك طموحًا وموهبة نادرة، وصفها عمه بقوله: “كان عنده طموح وعنده هذه الموهبة الخارقة التي قلما نجدها، فهو يقوم بتسلق فوهة البركان بسرعة فائقة، وبقوة وتمكن قل نظيرهما”.
“حرضة دمت”: جمال طبيعي ومسرح للمأساة
تقع “حرضة دمت”، وهي فوهة بركانية خامدة، في مدينة دمت السياحية بمحافظة الضالع وسط اليمن. تتميز هذه الفوهة بقطر يصل إلى حوالي 50 مترًا وعمق يقدر بنحو 120 مترًا، ويوجد في قاعها تكلّس طبيعي بألوان الكبريت. وتشتهر مدينة دمت بكونها من أهم منتجعات المياه الحارة في اليمن، وتعتبر وجهة سياحية علاجية بامتياز، مما يجعلها نقطة جذب للزوار. هذه المعالم الطبيعية الخلابة تحولت في قصة القعقاع إلى مسرح لمأساة إنسانية تعكس تحديات الحياة القاسية في اليمن، وتطرح تساؤلات ملحة حول مسؤولية المجتمع والدولة تجاه رعاية المواهب الشابة قبل أن تتحول إلى مجرد قصص تروى بعد فوات الأوان.
المصدر: الجزيرة
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا



























اترك التعليق