الزيدي في مرمى الأزمات: هل كان العراق على علم بالضربات الأمريكية السعودية؟
بعد أيام قليلة من عودته من زيارة إلى واشنطن التقى خلالها بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، يجد رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، نفسه أمام تحدٍ سياسي وأمني جديد في بلاده. هذا التحدي يأتي في أعقاب هجوم جوي مشترك شنته الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية على مواقع مزعومة للميليشيات المدعومة من إيران في العراق.
تفاصيل الهجوم وتداعياته الفورية
في الثامن والعشرين من يوليو (تموز)، نفذت القوات الأمريكية والسعودية ضربات جوية استهدفت ما وصفته بمواقع تابعة لميليشيات مدعومة من إيران داخل الأراضي العراقية. وقد بررت الرياض هذه العملية بالادعاء بأن هذه الميليشيات كانت وراء هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية سعودية في المنطقة الشرقية من المملكة. أسفرت هذه الضربات عن استهداف قواعد تابعة للميليشيات والحشد الشعبي في سبع محافظات عراقية، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 20 مقاتلاً، وفقاً لتصريحات الحشد الشعبي.
لم تتأخر ردود الفعل الرسمية العراقية، حيث سارعت رئاسة الجمهورية إلى إدانة الهجمات، واصفة إياها بـ “انتهاك صارخ لسيادة العراق، يستهدف مؤسساته الرسمية”. وعلى إثر ذلك، اتخذ رئيس الوزراء علي الزيدي قراراً بتأجيل زيارة كانت مقررة إلى المملكة العربية السعودية للقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ويُعتقد أن هذا القرار يعكس حرص الزيدي على تأكيد موقفه كقائد قوي يرفض أي مساس بالسيادة العراقية، خاصة بعد عودته من لقاء رفيع المستوى في البيت الأبيض.
جدل حول التنسيق العراقي الأمريكي السعودي
أثارت هذه الهجمات تساؤلات عديدة، أبرزها ما نقله مراسل شبكة “فوكس نيوز” عن الرئيس الأمريكي السابق ترامب، الذي زعم أن الهجمات تمت “بالتنسيق مع الحكومة العراقية”. لو صح هذا التصريح، فإنه سيغير من طبيعة الهجوم، حيث لن يُعتبر انتهاكاً للسيادة العراقية أو عدواناً عليها، بل سيعني ضمناً موافقة حكومية على استهداف المواقع المقصفة.
إلا أن معظم المراقبين والمحللين استبعدوا صحة تصريحات ترامب، نظراً لسجله في التصريحات التي قد تتغير بسرعة أو تهدف إلى إحراج أطراف أخرى. ومع ذلك، كشف مصدر مطلع في واشنطن وبغداد أن العراق “أُبلغ” بالهجوم، وليس “تم التنسيق معه”. هذا السيناريو يبدو منطقياً، حيث تحرص الولايات المتحدة على الحفاظ على علاقاتها برئيس الوزراء الزيدي، رغم التدهور السريع الذي طرأ عليها بعد زيارته الأخيرة لواشنطن. ويُرجح أن الإبلاغ تم قبل وقت قصير من الهجوم لتجنب تسرب المعلومات. وأفاد المصدر ذاته أن الزيدي قام بإبلاغ إحدى القيادات السياسية العراقية بالخبر فوراً قبل وقوع الهجوم، مما يؤكد أنه تم إعلامه فقط، ولم يوافق على العملية كما حاول ترامب الإيحاء.
موقف الزيدي والإطار التنسيقي: توازن دقيق
تأتي هذه التطورات في ظل ضغوط داخلية يواجهها الزيدي من “الإطار التنسيقي”، الذي أبلغه بوضوح، حتى قبل هذا الهجوم، بأنه لن يحظى بالدعم السياسي إذا قرر حل الفصائل المسلحة بالقوة العسكرية بعد سبتمبر القادم. ويعتبر الإطار التنسيقي هذا الأمر “خطاً أحمر”، كونه قد يؤدي إلى حرب شاملة مع “محور المقاومة” وأفراده.
ورغم تهديد الزيدي سابقاً بالاستقالة في حال عدم حصوله على دعم الإطار، فقد أظهر مرونة أكبر في اجتماعين أخيرين مع الإطار التنسيقي، حيث أشار إلى أن قرار عدم المواجهة سيكون قرارهم وليس قراره. ومن الملاحظ أن البيانين الحكوميين الصادرين بعد الهجوم الأمريكي السعودي صدرا عن اجتماع المجلس الوزاري للأمن الوطني واجتماع الإطار التنسيقي، دون صدور أي بيان باسم رئيس الوزراء شخصياً أو عنه.
العراق في قلب الصراع الإقليمي: خيارات صعبة
منذ الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003، يجد القادة العراقيون أنفسهم في موقف يتطلب الحفاظ على توازن دقيق بين مطالب واشنطن، التي تُعد حاسمة لأمن العراق واقتصاده ومكانته الدبلوماسية، وطهران، التي عززت نفوذها داخل البلاد على مدى أكثر من عقدين. ويستضيف العراق حالياً قوات أمريكية محدودة، إلى جانب مجموعة واسعة من الجماعات والأفراد المسلحين الموالين لإيران.
لقد وضعت الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير (شباط) الماضي رئيس الوزراء الزيدي في موقف حرج، بين مطرقة أمريكا وسندان إيران وأذرعها الإقليمية. وقد غير الهجوم الأخير من طبيعة هذه الحرب، بإدخال العراق رسمياً ضمن ساحة الصراع، وهو ما سعى جميع رؤساء الوزراء العراقيين لتجنبه. والأكثر خطورة هو دخول جيران العراق رسمياً في هذا الصراع، مما يغير قواعد الاشتباك المعتمدة، ويجعل الرد العسكري على هجمات الفصائل المسلحة هو القاعدة الجديدة.
تجدر الإشارة إلى أن دول جوار العراق (السعودية، الكويت، الإمارات، الأردن) سبق أن تعرضت لهجمات من قبل فصائل مسلحة عراقية، بما في ذلك الهجوم على منشآت أرامكو السعودية في عام 2024، لكنها لم ترد عسكرياً إلا مؤخراً. ومع تحول الصراع بين أمريكا وحلفائها من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، إلى حرب مصيرية لا تقبل الحلول الوسط، سيواجه السيد الزيدي قريباً الخيار الحاسم الذي طرحه أكثر من رئيس أمريكي منذ بوش، بمن فيهم ترامب: “إما معنا أو ضدنا”. ومما يزيد الأمر تعقيداً أن هذا السؤال نفسه سيُطرح على الزيدي من قبل الإطار التنسيقي، الجهة المسؤولة دستورياً عن اختيار رئيس الوزراء.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق