أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الخميس، عن تحقيق تقدم “كبير” في التوصل إلى اتفاق إطاري يهدف إلى نزع السلاح “الكامل” لحركة حماس والفصائل المسلحة الأخرى في قطاع غزة على مراحل. وصف ترامب هذا التطور، الذي أعلنه عبر منصة “تروث سوشيال”، بأنه “إنجاز عظيم” ضمن خطته الشاملة ذات النقاط العشرين. وقدّم الرئيس الأميركي شكره لمصر وقطر وتركيا على جهود الوساطة التي بذلوها، مشيداً بفريقه الذي “نجح في تحقيق ما أكد الجميع أنه لن يكون ممكناً”. ومع ذلك، وحتى صباح يوم الجمعة، ظل الموقف الإسرائيلي يلفه الصمت، مما يثير تساؤلات حول مدى قبول تل أبيب لهذا الاتفاق.
تفاصيل الاتفاق الإطاري وآلية التنفيذ
اعتمد كل من مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية، بشكل منفصل، خارطة طريق تتألف من 15 بنداً، وُصفت بأنها نتاج “أشهر من المفاوضات المكثفة وحسنة النية” التي جرت في القاهرة بين مفاوضين من الدول الثلاث الوسيطة. إلا أن آلية تنفيذ هذا الاتفاق تبدو مرتبطة بشروط أكثر مما أوحى به إعلان ترامب الأولي.
وبموجب الاتفاق، يُشترط خلال 14 يوماً من القبول الرسمي من جميع الأطراف إعداد جدول زمني مفصل لحصر أسلحة حماس، على أن تكون أي تمديدات لهذا الجدول الزمني خاضعة لموافقة حصرية من لجنة دولية للتحقق. ستبدأ عملية نزع السلاح بالتركيز على الأسلحة الثقيلة، ومواقع الإنتاج، ومستودعات الأسلحة، وشبكة الأنفاق التابعة للحركة. ويرتبط الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، خطوة بخطوة، بإحراز تقدم ملموس ومتحقق منه في عملية نزع السلاح، وليس بجدول زمني ثابت.
كما ينص الاتفاق على أن تكون اللجنة الوطنية لإدارة غزة هي الجهة الوحيدة المخولة بحيازة الأسلحة أو تخزينها أو السيطرة عليها داخل القطاع. وستُسلَّم الأسلحة إلى هذه اللجنة وإلى الوسطاء الدوليين، مع التأكيد على عدم تسليمها لإسرائيل.
وفي تعليق له، أكد مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية لـ”الحرة” أن “الاتفاق يمثل حجر الزاوية في الاستراتيجية الإقليمية لواشنطن”، مضيفاً أنه “خطوة تاريخية. فبعد أشهر من المفاوضات، أصبح لدينا الآن خارطة طريق حقيقية لنزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية. وهذا هو الركن الأساسي في خطة الرئيس ذات النقاط العشرين للشرق الأوسط، كما يبرهن الاتفاق على أن مجلس السلام قادر على تحقيق نتائج أمنية واجهت الأطراف الأخرى صعوبات في تحقيقها”.
من جانبه، تبنى الممثل الأعلى لمجلس السلام لشؤون غزة، نيكولاي ملادينوف، لهجة أكثر حذراً، مشدداً على أن “ما ينص عليه الاتفاق مهم، لكن ما سيحدث بعد ذلك أهم بكثير. يجب أن يكون التنفيذ والتحقق حقيقيين، وأن يسير الانسحاب بالتوازي مع تفكيك القدرات العسكرية”.
موقف الأطراف الرئيسية
حماس: موافقة مشروطة
ظل ملف نزع السلاح العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة منذ مايو، حين أشار ملادينوف إلى أن الهدنة أصبحت “مشلولة” بسبب هذه القضية. وقد أكد المسؤول الكبير في حماس، غازي حمد، وفقاً لما نقلت قناة “دويتشه فيله” الألمانية، موافقة الحركة على الاتفاق، لكنه ربط التنفيذ بشرط واضح، قائلاً: “لن تنفذ حماس أي خطوة من اتفاق السلام في غزة إذا لم تلتزم قوات الاحتلال الإسرائيلي بما يترتب عليها بموجب الاتفاق.”
بالنسبة للرئيس ترامب، يمثل توقيع اتفاق إطار لنزع السلاح حجر الأساس لاستراتيجيته الأوسع في الشرق الأوسط، وذلك قبيل انتخابات التجديد النصفي. وقد حذر مسؤول أميركي كبير من أن ترامب سيكون “محبطاً للغاية” إذا عرقلت إسرائيل المضي قدماً في الخطة.
الصمت الإسرائيلي والتحفظات
أشارت تقارير صحفية من “نيويورك تايمز” و”سي إن إن” إلى “عدم صدور أي رد فوري” من إسرائيل على إعلان ترامب، مما يترك حالة من الغموض بشأن ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية قد وافقت بالفعل على أي بنود. كما لم يدل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأي تعليق علني بشأن قبول حماس للاتفاق.
لكن وراء هذا الصمت، تبرز مؤشرات على رفض فعلي. فقد نقل موقع “JNS” عن مصدر دبلوماسي إسرائيلي قوله إن خارطة الطريق المؤلفة من 15 بنداً “لا تلبي بالكامل مطلب إسرائيل المتمثل في نزع السلاح الكامل لحماس قبل أي انسحاب للجيش الإسرائيلي”. وأكد المصدر أن إسرائيل لن تنسحب من “الخط الأصفر” الذي يقسم قطاع غزة قبل استكمال عملية نزع السلاح بالكامل. كما صرح مسؤول إسرائيلي كبير للصحفيين، يوم الجمعة، بأنه “لن يكون هناك أي انسحاب للجيش الإسرائيلي من الخط الأصفر الحالي من دون نزع حقيقي لسلاح حماس”.
ومن اللافت أن مصدراً إسرائيلياً آخر أبلغ موقع “JNS” بأن ملف غزة لم يُطرح أصلاً خلال لقاء نتنياهو مع ترامب في وقت سابق من هذا الأسبوع. وبدلاً من ذلك، نقلت إسرائيل اعتراضاتها إلى توني بلير، العضو في المجلس التنفيذي لمجلس السلام، في إشارة إلى وجود تباينات حتى داخل البنية القيادية للمجلس نفسه.
ورد المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية مباشرة على الموقف الإسرائيلي، قائلاً لـ”الحرة”: “أجريت هذه المحادثات بالتنسيق مع إسرائيل. ونحن ندرك أن بعض القادة الإسرائيليين يشككون في أن حماس ستنزع سلاحها فعلاً، ونحن أيضاً لدينا هذه الشكوك. لكن إطار الاتفاق واضح، وآليات التحقق موجودة، وحماس وقعت عليه. والآن عليها أن تفي بالتزاماتها”. وأضاف: “نحن لا نطلب من إسرائيل سوى الالتزام بخطة النقاط العشرين التي وافقت عليها في البداية. ونحن واثقون للغاية بأنها ستلتزم بها. وقد وضعت المخاوف الأمنية الإسرائيلية في الاعتبار ضمن هذا الإطار، كما أن الجدول الزمني للانسحاب مشروط بالامتثال الذي يتم التحقق منه. هذا هو الاتفاق، والآن علينا أن نرى تنفيذه.”
إلا أن المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل يعكس صورة مختلفة. فمع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في أكتوبر المقبل، يواجه نتنياهو ضغوطاً شديدة من شركائه في الائتلاف. وقد وصف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الاتفاق بأنه “غير مقبول بالنسبة لإسرائيل”، مؤكداً أن عمليات الاغتيال المستهدفة يجب أن تستمر بالتوازي مع تشجيع هجرة الفلسطينيين. ومنذ وقف إطلاق النار الأصلي، وسعت إسرائيل بصورة أحادية نطاق سيطرتها الميدانية في غزة من 53 بالمئة إلى أكثر من 60 بالمئة، من دون أي اعتراض من مجلس السلام.
معضلة الدور التركي في قوة الاستقرار
يرتبط تردد إسرائيل في تأييد الاتفاق أيضاً بدور تركيا في قوة الاستقرار الدولية المقترحة، التي يفترض أن تضم 20 ألف جندي. وقد أعلن مسؤولون أتراك أن لواءً قوامه نحو ألفي جندي، يضم وحدات قتالية وهندسية ولوجستية ومتخصصة في إزالة المتفجرات، أصبح “جاهزاً بالكامل وينتظر الأوامر”.
لكن إسرائيل وضعت خطاً أحمر واضحاً، حيث أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ومتحدثون باسم الحكومة أنه “لن تكون هناك قوات تركية على الأرض”. كما وصف نتنياهو الأمر بأنه “خط أحمر” بالنسبة إليه، مشيراً إلى علاقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحماس. وذهبت إسرائيل إلى أبعد من ذلك، إذ طلبت من إدارة ترامب استبعاد أردوغان بالكامل من الهيكل التنفيذي لمجلس السلام.
في المقابل، أشاد ترامب علناً بالدور التركي، واعتبره “أمراً جيداً”، كما وصف أردوغان بأنه “صديق جيد”، في تباين واضح بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، له تداعيات مباشرة على مسار الاتفاق. وقد أحجمت دول، بينها السعودية وأذربيجان وباكستان وإندونيسيا، عن الالتزام بإرسال قوات، جزئياً بسبب عدم حسم وضع تركيا في القوة المقترحة. كما بررت الإمارات رفضها المشاركة “في الوقت الحالي” بعدم وجود إطار واضح للمهمة.
وزادت السلطات القضائية التركية من حدة التوتر بإصدار مذكرات توقيف بحق 37 من القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، بينهم نتنياهو، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب. ومنذ ذلك الحين، قطعت إسرائيل وتركيا العلاقات التجارية وأغلقتا المجال الجوي بشكل متبادل.
انقسامات داخل مجلس السلام نفسه
لا يشكل مجلس السلام بنية متماسكة، إذ تكشف التقارير عن وجود احتكاكات على مستويات عدة. وبدا إصرار ملادينوف العلني على أن “التنفيذ والتحقق يجب أن يكونا حقيقيين” وكأنه رد غير مباشر على احتفاء ترامب بالاتفاق، بما يعكس شكوكاً داخلية بشأن سرعة التنفيذ. كما اعترضت إسرائيل على التشكيلة الأصلية للمجلس، التي تضم توني بلير وجاريد كوشنر ومسؤولين مرتبطين بتركيا، معتبرة أنهم اختيروا من دون تنسيق معها.
خاتمة: مستقبل غزة على المحك
أعلن ترامب عن اتفاق وصفه بالتاريخي. ووافقت عليه حماس بشروط. أما إسرائيل، فلم تقره ولم ترفضه رسمياً. وفي الوقت نفسه، تفتقر قوة الاستقرار التي يفترض أن تشرف على تنفيذه إلى أهم مساهم عسكري محتمل فيها، بينما لا تضم الجهة المشرفة على الاتفاق أي تمثيل سياسي فلسطيني، ولم تُحوَّل إليها أموال إعادة الإعمار، كما أن هيكلها الإداري يمنح جميع الصلاحيات النهائية لشخص واحد. ما ينص عليه الاتفاق شيء، وما سيحدث بعد ذلك شيء آخر. وبين الاثنين تتحدد ملامح مستقبل غزة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق