صورة للوزيرة فاطمة السعدي مع خلفية تعكس العدالة أو الإعلام، ترمز لأخلاقيات تداول المعلومات.
السياسة

أخلاقيات تداول المعلومات: قضية الوزيرة السعدي تكشف تحديات الحقيقة الكاملة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

ليست المشكلة دائمًا في نشر معلومة غير دقيقة، بل قد تكمن أحيانًا في عرض حقيقة جزئية بطريقة تجعلها تبدو حقيقة كاملة. وبين الأمرين مسافة واسعة، لا يحددها فقط ما يُقال، بل أيضًا ما يُحذف من السياق، وما يُغفل من الوقائع، وما يُترك في ذهن المتلقي من انطباعات قد يصعب تصحيحها لاحقًا.

في هذا الإطار، تثير القضية التي أُعيد تداولها مؤخرًا بشأن الوزيرة المنتدبة المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، السيدة فاطمة السعدي، أسئلة تتجاوز شخص المعنية بالأمر والملف القضائي الذي ارتبط باسمها. إنها تضعنا أمام تساؤلات تتصل بأخلاقيات تداول المعلومات، ومسؤولية الفاعلين في المجال العام الواقعي أو الافتراضي، وحدود الاختلاف السياسي حين يتحول من ممارسة مشروعة للنقد إلى إعادة إنتاج روايات لا تستحضر الوقائع في مجموعها.

فحين يعود ملف قضائي إلى واجهة النقاش العام بعد مرور سنوات على وقائعه، لا يكفي أن نسأل عما يتضمنه من أحكام سابقة، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: إلى ماذا انتهى المسار القضائي؟ ولماذا يُستحضر جزء من الوقائع دون غيره؟ وما الغاية من تقديم مرحلة من مراحل التقاضي كما لو كانت الكلمة الأخيرة في القضية؟

الحقيقة تبدأ من قراءة المسار القضائي كاملاً

يقتضي الإنصاف، قبل اتخاذ أي موقف من القضية التي أُعيد تداولها مؤخرًا، استحضار مسارها القضائي كاملًا، بدل الوقوف عند مرحلة منه وعزلها عن مآلها النهائي. تعود وقائع الملف إلى شكاية مباشرة تقدم بها أحد المواطنين بتاريخ 10 أبريل 2014 ضد السيدة فاطمة السعدي بصفتها رئيسة الجماعة الحضرية للحسيمة آنذاك، بالإضافة لأحد أعضاء المجلس الجماعي، على خلفية قرار إداري صدر في 25 غشت 2011، والذي قضى بهدم سياج محيط بحديقة المشتكي بغرض فتح ممر عمومي لفائدة المواطنين، في إطار تحرير الملك العمومي.

تطورات المسار القضائي

  • بتاريخ 9 أبريل 2015، أصدرت المحكمة الابتدائية بالحسيمة حكمها عدد 510 في الملف عدد 14/09، قضى ببراءة المعنيين بالأمر، مع التصريح بعدم الاختصاص في المطالب المدنية.
  • طعن المشتكي في الحكم بالاستئناف، دون أن تتقدم النيابة العامة بالطعن في الشق المتعلق بالدعوى العمومية.
  • على إثر ذلك، أصدرت محكمة الاستئناف بالحسيمة قرارها عدد 307 بتاريخ 31 دجنبر 2015، قضى بإلغاء الحكم الابتدائي فيما يتعلق بالبراءة من جنحة الشطط في استعمال السلطة، والتصدي للملف بالحكم بإدانة المعنيين بشهر واحد حبسًا موقوف التنفيذ.

نقض الحكم الاستئنافي وتأييد البراءة

لكن هذا القرار لم يكن نهاية المسار القضائي. فقد طعنت السيدة السعدي وعضو المجلس الجماعي بالنقض، فأصدرت محكمة النقض قرارها عدد 1/80 بتاريخ 25 يناير 2017، في الملف الجنحي عدد 2016/4118، قضى بنقض القرار الاستئنافي وإبطاله، مع إحالة القضية على المحكمة نفسها للبت فيها من جديد طبقًا للقانون. وقد اعتبرت محكمة النقض أن المحكمة الاستئنافية تجاوزت نطاق الطعن حين ألغت البراءة وقضت بالإدانة الجنائية، رغم اقتصار الاستئناف على الطرف المدني.

بعد إحالة القضية، أصدرت محكمة الاستئناف بالحسيمة قرارها عدد 06 بتاريخ 25 يناير 2018، في الملف الجنحي عدد 2017/2602/135، مؤيدًا الحكم الابتدائي القاضي بالبراءة. ووفق شهادة عدم النقض عدد 2019/640 المؤرخة في 3 دجنبر 2019، لم يقع الطعن في هذا القرار بالنقض، الأمر الذي أضفى عليه الصفة النهائية.

وبالتالي، فإن استحضار هذا التسلسل ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل هو شرط أساسي لفهم القضية على نحو سليم. فالإدانة الاستئنافية الصادرة سنة 2015 نُقضت وأُبطلت، ثم انتهى المسار القضائي إلى تأييد البراءة، وفق القرار الصادر بعد الإحالة. ومن ثم، فإن تقديم الحكم الاستئنافي الأول باعتباره الخلاصة النهائية للقضية، دون الإشارة إلى ما تلاه من نقض وإحالة وقرار نهائي، يؤسس لصورة مبتورة عن حقيقة المآل القضائي.

غياب التثبت: المعلومة الناقصة مصدر للتضليل

إن أول شروط النقاش المسؤول في الفضاء العام، سواء كان واقعيًا أو افتراضيًا، هو التثبت من المعلومة قبل نشرها أو إعادة تداولها، ولا سيما حين يتعلق الأمر بوقائع قضائية تمس سمعة أشخاص وتؤثر في صورتهم أمام الرأي العام. ولا يقتصر التثبت هنا على التأكد من أن وثيقة ما صحيحة أو أن حكمًا قضائيًا صدر فعلًا، بل يمتد إلى التحقق من مآل القضية، ومن الأحكام اللاحقة، ومن الأثر القانوني الذي ترتب على كل محطة من محطات التقاضي.

قد تكون الوثيقة أصلية، وقد يكون الحكم الوارد فيها صحيحًا في لحظة صدوره، لكن تقديمه بمعزل عن القرارات التي تلته يمكن أن ينتج صورة غير مكتملة، بل قد يقود المتلقي إلى استنتاج يناقض المآل النهائي للملف. ومن هنا، فإن المسؤولية لا تتعلق فقط بصحة الوثيقة، بل أيضًا بأمانة عرضها، بحيث يوجد فرق بين نقل واقعة قضائية في سياقها الكامل، وبين انتقاء مرحلة بعينها وإبرازها بطريقة تحجب عن المتلقي ما انتهت إليه القضية لاحقًا.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن السيدة السعدي فحسب، بقدر ما يتعلق بمبدأ عام ينبغي أن يسري على الجميع، إذ لا يجوز أن تتحول المعلومة القضائية إلى مادة للاستهلاك السياسي أو الاجتماعي دون مراعاة دقتها وسياقها ومآلها.

عندما يصبح التوقيت جزءًا من السؤال

لا يثير مضمون الخبر وحده التساؤل، بل يثيره أيضًا توقيت عودته إلى الواجهة وطريقة تناسله وتعدد المنابر والحسابات التي تناولته في فترة متقاربة. خاصة وأننا أمام ملف يعود إلى وقائع مضى عليها نحو خمسة عشر عامًا، ومسار قضائي انتهى إلى البراءة النهائية منذ سنوات. ومع ذلك، عاد الملف إلى التداول في سياق تعيين السيدة السعدي في منصب حكومي، وتناولت معطياته في يوم واحد عدة منابر إعلامية مباشرة بعد إعفاء وزيرة سابقة.

صحيح أن هذا التزامن لا يثبت في حد ذاته وجود تنسيق بين الجهات التي تناولت القضية، كما لا يكفي وحده للجزم بوجود حملة منظمة أو بتحديد الجهة التي تقف وراءها. غير أن ذلك لا يلغي مشروعية التساؤل عن أسباب إعادة إحياء الملف في هذا التوقيت تحديدًا وبشكل مغلوط، وعن الكيفية التي انتقلت بها القضية من سجل قضائي قديم إلى موضوع حاضر في النقاش العام.

وهنا يحق لنا التساؤل: هل يتعلق الأمر باهتمام إعلامي مستجد بملفات المسؤولين العموميين؟ أم أن توقيت النشر وطريقة عرض بعض المعطيات يعكسان انتقاء يستحق الفحص؟ وهل استحضرت التغطيات والمنشورات المتداولة المآل القضائي النهائي بالوضوح نفسه الذي استحضرت به مراحل سابقة من القضية؟

هذه أسئلة مشروعة، لكن الإجابة عنها تحتاج إلى مقارنة دقيقة بين المواد المنشورة، وتواريخ ظهورها، وصياغاتها، ومصادرها، وما إذا كانت قد استندت إلى وثائق مستقلة أم أعادت نقل رواية واحدة. فالفرق بين التساؤل المسؤول والاتهام غير المثبت هو أن الأول يفتح باب البحث، فيما يغلق الثاني باب النقاش قبل اكتمال الأدلة. ولذلك، فإن مساءلة توقيت الخبر وتعدد الجهات التي تداولته ينبغي أن تنطلق من الوقائع القابلة للتحقق، لا من افتراض النيات أو استباق النتائج.

مسؤولية النخب: حين لا يكون التثبت ترفًا

إذا كان من الممكن فهم سرعة تداول الأخبار في فضاء التواصل الاجتماعي، حيث تتقدم أحيانًا الرغبة في السبق والتفاعل على التحقق، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا حين يتعلق الأمر بأصوات لها حضور فكري أو سياسي، أو تتمتع بمصداقية لدى جمهورها، أو تقدم نفسها باعتبارها مرجعًا في التحليل والتقييم.

كما أن مكانة الفاعل في الفضاء العام لا تمنحه امتيازًا في إطلاق الأحكام، بل تضع على عاتقه مسؤولية أكبر في التثبت منها. فكلما اتسعت دائرة التأثير ازدادت أهمية التمييز بين المعلومة المكتملة والانطباع الأولي، وبين الوثيقة التي تتطلب قراءة قانونية وبين الرواية التي يجري تداولها خارج سياقها.

ومن المؤسف أن النقاش العام قد ينزلق أحيانًا إلى منطق الاصطفاف، حيث يصبح الانتماء السياسي أو الخصومة أو الاختلاف مع شخصية معينة عاملًا مؤثرًا في طريقة استقبال المعلومات وتداولها. عندئذ لا يعود السؤال: هل المعلومة دقيقة وكاملة؟ بل يصبح: هل تخدم الموقف الذي نتبناه؟ وهنا تكمن خطورة أن يتبنى بعض الفاعلين رواية متداولة دون العودة إلى مآل الملف، أو أن يعيدوا نشر معلومة دون استكمال عناصرها الأساسية. فالمصداقية لا تقاس فقط بحدة الموقف أو سرعة التفاعل، بل كذلك بالقدرة على مراجعة المعطيات وتصحيح الانطباعات حين تظهر معلومات أكثر اكتمالًا.

غير أن هذا لا يعني أن الشخصيات العامة أو النخب الفكرية مطالبة بالصمت، أو أن النقد السياسي ينبغي أن يتوقف عند حدود الأحكام القضائية. فمن حق الجميع مساءلة المسؤولين، ومناقشة قراراتهم، والتدقيق في مساراتهم العامة. لكن النقد المسؤول يقتضي أن تُعرض الوقائع كما استقرت، وأن يتم الفصل بين ما تثبته الوثائق وما يستنتجه الكاتب، وبين المساءلة المشروعة والتشهير القائم على عرض ناقص أو مضلل.

وهنا يمكن القول بأن التثبت ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرط من شروط المصداقية الفكرية، خصوصًا لدى من يُنتظر منهم الجمهور التحليل المستقل لا إعادة إنتاج ما يتداوله الآخرون.

الاختلاف السياسي لا يبرر انتقاء الحقيقة

من الطبيعي أن تختلف التقييمات السياسية بشأن المسؤولين العموميين، وأن تخضع التعيينات الحكومية للنقاش والنقد، وأن تُطرح الأسئلة حول الكفاءة والمسؤولية والمحاسبة. فذلك جزء أصيل من الحياة العامة، ولا ينبغي أن يُفهم أي دفاع عن الدقة القانونية بوصفه دعوة إلى تحصين المسؤولين من النقد.

لكن الاختلاف يفقد جزءًا من مشروعيته حين يستند إلى وقائع مجتزأة، أو حين يُقدم ملف قضائي على نحو يتجاهل النتيجة النهائية التي انتهى إليها. فالمساءلة لا تستقيم إلا بوجود أرضية مشتركة من الوقائع الصحيحة، وإلا تحول النقاش من تبادل للحجج إلى صراع حول الانطباعات.

في قضية السيدة السعدي، يظل من حق أي جهة أن تطرح تساؤلات حول الكفاءة أو الأداء، لكن ذلك يجب أن يبنى على أساس من المعلومات الكاملة والموثوقة، بعيدًا عن التشويه أو الانتقاء الذي يمس جوهر الحقيقة ويضلل الرأي العام. فالنزاهة في تداول المعلومات هي الركيزة الأساسية لأي نقاش عام بناء ومسؤول.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *