في خطوة تصعيدية غير مسبوقة منذ عقدين، أحال مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، المكون من 35 دولة، ملف إيران إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. جاء هذا القرار بسبب ما وصف بـ “إخلال” طهران بالتزاماتها المتعلقة بعدم الانتشار النووي، وذلك رغم المناشدات الإيرانية والروسية والصينية للمجلس بعدم اتخاذ هذه الخطوة التي دعت إليها الولايات المتحدة وثلاث دول أوروبية كبرى.
خلفية القرار وتداعياته الدبلوماسية
يعد هذا القرار استكمالاً لقرار سابق اعتُمد في 12 يونيو/حزيران من العام الماضي، أي قبل يوم واحد من بدء إسرائيل قصف منشآت إيران النووية، والتي سرعان ما انضمت إليها الولايات المتحدة في الهجمات، وفقاً لما ذكرته وكالة رويترز.
وعلى الرغم من أن فرص اتخاذ مجلس الأمن إجراءات ملموسة ضد إيران تبدو ضعيفة نظراً لتمتع روسيا والصين، حليفتي طهران، بحق النقض (الفيتو)، إلا أن هذه الإحالة تمثل تصعيداً كبيراً في المواجهة الدبلوماسية بين إيران والقوى الغربية. كانت إيران قد حذرت يوم الاثنين من أنها سترد بحزم في حال اعتماد القرار.
من جانبها، انتقدت إيران بشدة تحركات الدول الأوروبية الثلاث، معتبرة سعيها الجديد لإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن دليلاً على فشل “وهم آلية الزناد” (Snapback). وأكدت البعثة الإيرانية في فيينا عبر منصة “إكس” أن “هذا الإجراء اليائس الجديد لن يجدي نفعاً، ولن يحققوا مكسباً”، مشددة على أن الدول التي روجت لآلية الزناد لا تؤمن بها فعلياً.
قبل عملية التصويت، أصدرت إيران وروسيا والصين بياناً مشتركاً في اجتماع مجلس المحافظين، وصفتا فيه مشروع القرار الأمريكي الأوروبي بأنه يفتقر إلى الأساس القانوني ويتعارض مع مبادئ الدبلوماسية، داعين الدول الأعضاء إلى عدم دعمه.
وأفاد دبلوماسيون حضروا الاجتماع المغلق لوكالة رويترز أن النص، الذي قدمته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، أُقر بأغلبية 23 صوتاً مؤيداً، مقابل ثلاثة أصوات معارضة (روسيا والصين والنيجر)، وامتناع ثماني دول عن التصويت.
ينص القرار على “مطالبة المدير العام (للوكالة الدولية للطاقة الذرية) بتقديم تقرير عن هذا القرار والقرارات المعتمدة سابقاً… إلى جميع أعضاء الوكالة وإلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وفقاً للأحكام ذات الصلة من النظام الأساسي للوكالة”.
تصاعد المواجهات العسكرية في المنطقة
تتزامن التطورات الدبلوماسية مع تصعيد عسكري ملحوظ في المنطقة. فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني يوم الأربعاء عن هجوم على ما وصفها بقاعدة عسكرية أمريكية في الأردن، وذلك رداً على ضربات أمريكية استهدفت ناقلات نفط إيرانية. كما أعلن الحرس الثوري عن فرض منطقة حظر بحري خارج مضيق هرمز.
هجمات متبادلة وتحديد مناطق حظر
في بيان له، أشار الحرس الثوري الإيراني إلى أن منطقة بحرية خاضعة لقيود ستمتد من تشابهار في إيران إلى أجزاء من خليج عمان وبحر العرب، مع وعد بالإعلان عن إحداثياتها الدقيقة لاحقاً. يأتي هذا الإعلان بعد تصريحات سابقة لمحسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، يوم الأحد، حول نية إيران إنشاء منطقة محظورة خارج مضيق هرمز.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية “إرنا” عن بيان للحرس الثوري استهدافه “حظائر صيانة وتجهيز وتمركز المقاتلات من طراز إف 35 و إف 16 وإف 15، إضافة إلى ملاجئ الطائرات المقاتلة في قاعدة الأزرق بالأردن” التي تبعد 100 كيلومتر عن العاصمة عمّان.
من جانبه، أكد الجيش الأردني في بيان يوم الأربعاء أن دفاعاته الجوية تعاملت مع 20 صاروخاً باليستياً مصدرها إيران استهدفت المملكة، حيث تم اعتراض 18 منها، بينما سقط صاروخان في منطقة نائية دون وقوع خسائر بشرية.
وقبل هذه الأحداث، حذر الحرس الثوري من استهداف ناقلات نفط في الكويت والبحرين، داعياً الطواقم إلى “مغادرة سفنهم فوراً”، وفقاً لـ”إرنا”.
نفي أمريكي وضربات مضادة
في المقابل، نفت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إصابة أي مدمرات أمريكية في الشرق الأوسط، واصفة ادعاءات الحرس الثوري بضربها بأنها “كاذبة تماماً”.
وأفادت سنتكوم في بيان عبر منصة “إكس” يوم الأربعاء: “لم يتم ضرب أي سفينة حربية أمريكية؛ فشلت جميع الهجمات التي شنتها قوات الحرس الثوري الإيراني في الوقت نفسه”. وأضاف البيان أن “القوات الأمريكية نجحت في تدمير 10 ناقلات إيرانية في الأسبوع الماضي فقط. كانت هذه السفن جزءاً من شبكة أسطول الظل التي تمول الحرس الثوري بمليارات الدولارات، ولا تستطيع إيران الدفاع عنها”.
وكان الحرس الثوري قد أعلن في وقت لاحق الأربعاء، أنه هاجم سفينتين أمريكيتين وثماني ناقلات نفط و10 “سفناً مخالفة” كانت تحاول العبور عبر مضيق هرمز، بحسب “إرنا”.
سبق ذلك إعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) يوم الثلاثاء عن “تدمير خمس ناقلات نفط خام إيرانية في 8 سبتمبر/أيلول، وذلك بعد أن استهدف الحرس الثوري الإيراني سفينة حربية تابعة للبحرية الأمريكية بصواريخ باليستية مرتين خلال اليومين الماضيين”. وأشارت سنتكوم إلى أن السفينة الحربية الأمريكية “نجحت في تفادي محاولات الهجوم الإيرانية وواصلت دورياتها في المياه الإقليمية، دون وقوع أي إصابات في صفوف الأفراد الأمريكيين”.
بدوره، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة ستواصل استهداف الناقلات الإيرانية بضربات انتقامية، قائلاً للصحافيين خلال زيارة لكولومبيا: “تواصل إيران محاولاتها لضرب السفن الأمريكية، وفي كل مرة تُقدم على ذلك أو تحاول القيام به، ستخسر ناقلات، وأعتقد أنكم سترون ذلك مجدداً اليوم”.
وأفادت وكالة أنباء تسنيم الإيرانية ليل الثلاثاء بأن الجيش الأمريكي استهدف بضربة صاروخية ناقلة نفط صغيرة قرب جزيرة خارك من دون وقوع ضحايا.
حادثة الاستيلاء على غواصة مسيّرة
في سياق متصل، كان رئيس هيئة الأركان العامة علي عبد اللهي قد توعد باستهداف إيران القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة في حال واصلت واشنطن قصف ناقلاتها النفطية.
وأكد الحرس الثوري الثلاثاء أن “مقاتلي القوة البحرية التابعة للحرس الثوري تمكنوا من الإيقاع بإحدى أحدث الغواصات الذكية المسيّرة التابعة للجيش الأمريكي، وذلك عند مدخل مضيق هرمز”. وأضاف البيان أن “هذه الغواصة الذكية مُجهزة بأحدث التقنيات على صعيد الغواصات على مستوى العالم، والتي تم تسليمها إلى أسطول الجيش الأمريكي الإرهابي عام 2025”.
من جانبه، صرح المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، تيم هوكينز، بأن “مسيّرة بحرية تُشغّلها القوات الأمريكية أصابها خلل قبل أكثر من يوم، وكانت تقوم بمسح للمياه الإقليمية دعماً للعمليات الجارية”، دون أن يؤكد أو ينفي احتجاز إيران لها. ولفت هوكينز إلى أن “المسيّرة المعطلة من طراز قديم لا تجمع بيانات حساسة وهي غير مزوّدة بمعدات سونار أو رادار مصنفة سرّية”.
كذلك، أكد التلفزيون الرسمي الإيراني الأربعاء استهداف “مدمرتين أمريكيتين تحملان صواريخ كروز وإيجيس” بصواريخ باليستية.
مضيق هرمز: نقطة توتر استراتيجية
تتواصل المواجهات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة في مضيق هرمز ومحيطه، حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أبريل/نيسان الماضي. تعثرت المفاوضات بين طهران وواشنطن، في ظل تنافس الطرفين للسيطرة على هذا الممر المائي الحيوي الذي كان يمرّ عبره نحو خُمس صادرات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال قبل بدء الحرب.
منذ اندلاع الحرب، تعطلت حركة المرور عبر هذا الممر المائي بشكل شبه كامل، مما أثر سلباً على أسواق الطاقة العالمية. فرضت إيران على السفن الحصول على إذن مسبق لعبور المضيق، وهي خطوة تعارضها واشنطن والعديد من دول المنطقة. رداً على ذلك، فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية، كما فرضت الثلاثاء عقوبات على “كل شركات الطيران الإيرانية” التي كانت لا تزال خارج نطاق الإجراءات الأمريكية الهادفة إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية على طهران.
حرب الناقلات: حادثة مأساوية
في تطور منفصل، أعلنت شركة بينينسولا يوم الأربعاء عن مقتل بحار في واقعة شملت ناقلة المنتجات النفطية (هيركوليس ستار) التي ترفع علم جبل طارق، أثناء رسوها قبالة دبي. وأعربت بينينسولا، مستأجرة السفينة، في بيان عن “بالغ الحزن والأسى” لوقوع الحادث.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق