أعلنت إسرائيل، في الأسبوع الأخير من شهر أغسطس/آب 2026، عن توقيع اتفاقية دفاع جوي مع اليونان بقيمة تقارب 3 مليارات يورو، تهدف إلى إنشاء منظومة دفاع جوي يونانية متكاملة تحمل اسم “درع أخيل”. وقد أثارت هذه الاتفاقية اهتماماً واسعاً وتحليلات دولية مكثفة حول تداعياتها الإقليمية.
تفاصيل الاتفاقية وتصريحات المسؤولين
أوضحت وزارة الدفاع الإسرائيلية في بيان رسمي أن الاتفاقية تنص على بناء إسرائيل لمنظومة دفاع جوي شاملة لليونان، تعتمد كلياً على أنظمة إسرائيلية الصنع، وتستفيد من الخبرة العملياتية الواسعة التي اكتسبتها المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية خلال الصراعات الأخيرة.
من جانبه، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، هذه الاتفاقية بأنها “أحد أكبر الاتفاقات في تاريخ البلاد”، مؤكداً أنها “استمرار مباشر للتحالف في شرق المتوسط الذي أُقيم قبل عقد مع اليونان وقبرص”. كما اعتبرها دليلاً إضافياً على “القدرات الهائلة للصناعات الدفاعية والتكنولوجية الإسرائيلية”، ومؤشراً على “قوة إسرائيل والثقة في صادراتها الدفاعية وتعزيز تحالفاتها الإقليمية”.
بدوره، صرح وزير الدفاع اليوناني، نيكوس ديندياس، بأن اليونان تُعد “أول دولة في الاتحاد الأوروبي تتبنى” منظومة دفاعية مشابهة لتلك الإسرائيلية.
تصاعد التوترات الإقليمية والسياق الزمني
تأتي هذه الصفقة في ظل تصاعد الإنفاق العسكري لليونان، التي أصبحت واحدة من خمس دول أوروبية أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ترفع ميزانيتها العسكرية إلى ما لا يقل عن 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي، وذلك في سياق عقود من التوتر مع جارتها تركيا.
كما شهدت العلاقات بين إسرائيل وتركيا توتراً متزايداً، خاصة بعد قصف إسرائيل لقاعدة أبو الظهور الجوية شمال غرب سوريا في 18 أغسطس/آب 2026، بذريعة منع انتشار قوات تركية فيها، رغم أن القاعدة كانت خارج الخدمة منذ عام 2012 بسبب الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب السورية.
“درع أخيل”: إعادة صياغة موازين الردع بين اليونان وتركيا
يرى عارف العبيد، أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأن اليوناني، في تصريح خاص لبي بي سي، أن هذه الصفقة قد تؤثر على العلاقات اليونانية-التركية، لا سيما إذا تم نشر أجزاء من المنظومة بالقرب من الحدود التركية. ومع ذلك، لا يعتقد العبيد أن امتلاك اليونان لهذه المنظومة سيؤدي بالضرورة إلى تجدد التوتر، مشيراً إلى أن أثينا تمتلك بالفعل منظومات دفاع جوي متطورة مثل باتريوت الأمريكية وإس-300 الروسية، وبالتالي فإن تعزيز قدراتها الدفاعية “لا يشكل بحد ذاته سبباً لأزمة مع أنقرة”.
ويكمن القلق التركي، وفقاً للعبيد، في طبيعة التعاون العسكري الإسرائيلي-اليوناني المصاحب للصفقة، والذي يشمل مجالات التدريب والتشغيل ونقل الخبرات والتكنولوجيا. فمع إضافة “درع أخيل” إلى مقاتلات رافال الفرنسية وإف-35 الأمريكية، فإن اليونان لا تكتفي بشراء أسلحة منفردة، بل تنفذ عملية تحديث نوعي لقواتها المسلحة، مما قد يؤثر على الحسابات العسكرية التركية في بحر إيجه وشرق المتوسط.
ويعتبر العبيد أن المنظومة تحمل رسالة ردع لأنقرة، لكنها ليست موجهة لتركيا وحدها، بل تندرج ضمن استراتيجية يونانية أوسع لبناء دفاع جوي وصاروخي متعدد الطبقات. وفي هذا السياق، يمكن قراءة زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إلى أثينا في أغسطس/آب 2026 كدليل على القلق التركي من تسارع التسلح والتعاون العسكري اليوناني-الإسرائيلي، بالتزامن مع ملفات حساسة مثل قبرص وبحر إيجه.
أما الدوافع اليونانية، بحسب العبيد، فلا تقتصر على تهديد واحد، بل ترتبط بتغير البيئة الأمنية المحيطة بها. فإلى جانب تركيا، تنظر اليونان إلى التهديدات الإقليمية الأخرى، ومنها إيران. كما تمنح الصفقة حكومة كيرياكوس ميتسوتاكيس مكاسب سياسية داخلية، من خلال إظهار قدرتها على تعزيز الأمن القومي. ويضاف إلى ذلك تحسن الوضع الاقتصادي اليوناني الذي أتاح استئناف شراء الأسلحة المتطورة بعد سنوات طويلة من القيود التي فرضتها الأزمة الاقتصادية.
ويؤكد العبيد أن “درع أخيل” ستعزز العقيدة الدفاعية اليونانية دون أن تغيرها بالكامل، من خلال دمج منظومات الاعتراض والرادارات والقيادة والسيطرة ضمن شبكة دفاع متعددة قادرة على التعامل مع الطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويعود اختيار التكنولوجيا الإسرائيلية إلى الخبرة العملياتية الإسرائيلية المتقدمة وقدرتها على دمج عدة منظومات، بالإضافة إلى الشراكة الاستراتيجية بين اليونان وإسرائيل. ومع ذلك، يشدد العبيد على أن هذه الشراكة لا تعني وجود ضمان أمني إسرائيلي مباشر لليونان في حال اندلاع مواجهة مع تركيا.
وبناءً عليه، تمثل “درع أخيل” جزءاً من تحول أوسع في القدرات الدفاعية اليونانية، وستضيف عاملاً جديداً إلى حسابات الردع والتوازن في بحر إيجه وشرق المتوسط، لكنها لا تعني بالضرورة انتقال تركيا واليونان إلى مواجهة جديدة، بحسب العبيد.
دلالات سياسية وعسكرية حساسة
من جانبه، يرى الدكتور مئير مصري، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية بالقدس، أن “الاتفاقية تحمل دلالات سياسية وعسكرية شديدة الحساسية في منطقة شرق البحر المتوسط، تبدأ بتغيير موازين القوى مع تركيا”.
ويضيف مصري: “على الرغم من أن الاتفاقية تُصنف خطوة دفاعية، إلا أن نشر هذه المنظومات المتطورة في تراقيا وبحر إيجه من شأنه أن يُغير بشكل ملموس ميزان القوى الجوي في المناطق المتنازع عليها بين اليونان وتركيا”.
وأشار إلى أن القيادة الإسرائيلية وصفت الصفقة رسمياً بأنها “امتداد للتحالف الاستراتيجي الثلاثي (إسرائيل، اليونان، قبرص) الذي بدأ قبل نحو عقد، والذي يركز على ملفات أمن الطاقة والحدود البحرية”.
كما تتخوف أثينا، وفق مصري، من تمدد خطر الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية في المنطقة، خاصة بعد تعرض منشآت قريبة لضربات خلال التصعيد الأخير. لذا سعت للاستفادة من الخبرة العملياتية الميدانية التي اكتسبتها إسرائيل في اعتراض هذا النوع من الأسلحة. وهذا يمثل بُعداً جديداً للعلاقة بين إسرائيل واليونان ومدخلاً لتوثيق التعاون بين البلدين.
ويؤكد مصري أن الصفقة بالنسبة لإسرائيل لا تمثل مجرد عائد مالي كبير، بل هي بوابة لترسيخ نفوذها الصناعي والعسكري داخل البيئة الدفاعية الأوروبية وحلف الناتو، مما يمنحها حلفاء استراتيجيين يدافعون عن مصالحها السياسية والأمنية في القارة.
شرق المتوسط وسوريا: مرحلة جديدة من التنافس
يرى بكير أتاجان، مدير أكاديمية إسطنبول للفكر، أن تركيا “لا تنافس الآخرين بقدر ما تعمل على تثبيت موقعها، ولا تعطي ما يحدث عند جيرانها أهمية حاسمة ما لم يمس مصالحها المباشرة”.
ويشير أتاجان، في حديثه لبي بي سي، إلى أن “المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً في حرب الردع واستعراض القوة، أكثر من اتجاهها إلى مواجهة تركية-إسرائيلية شاملة، مع بقاء سوريا وشرق المتوسط ساحتين رئيسيتين لاختبار النفوذ”.
فالسؤال، بحسب أتاجان، لم يعد فقط: من يملك القوة الأكبر؟ بل: من يستطيع إدارة قوته وفرض مصالحه من دون تحويل التنافس إلى مواجهة مباشرة؟
ويعتقد أتاجان أن شرق المتوسط أصبح ساحة لاختبار النفوذ والردع، حيث لا تحتاج الدول بالضرورة إلى إطلاق النار لإرسال رسائل عسكرية. فالانتشار البحري، والمراقبة، والاقتراب، وإظهار القدرة على التحرك، كلها أدوات تستخدمها القوى الإقليمية لتثبيت خطوطها الحمراء.
وبحسب أتاجان، فإن حساسية المشهد تتضاعف مع الملف السوري. فإسرائيل تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومتها الأمنية، في حين ترى تركيا أن مستقبل سوريا يرتبط مباشرة بأمنها القومي وحدودها ومصالحها الاستراتيجية. ومن هنا، فإن توسع الحضور التركي في سوريا أو محيطها قد يدفع الطرفين إلى مزيد من اختبار الخطوط الحمراء، سواء في المجال الجوي أو البحري أو عبر النفوذ السياسي والأمني.
لكن أتاجان يحذر من قراءة السياسة التركية باعتبارها مجرد رد فعل على التحركات الإسرائيلية أو ما يجري في دول الجوار. فتركيا، وفق تحليله، تتحرك بدرجة كبيرة وفق تصورها الخاص لمصالحها وموقعها كقوة إقليمية. وهي لا تمنح كل تطور يحدث حولها الأهمية نفسها، ولا تتعامل مع أزمات الجيران باعتبارها التزاماً بالتدخل المباشر، “بل تختار توقيت تدخلها وأدواته وفق حساباتها الخاصة”.
مكونات منظومة “درع أخيل”
ذكرت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن الصفقة تشمل أنظمة اعتراض مثل “مقلاع داوود” و”باراك إم إكس” و”سبايدر”، بالإضافة إلى رادارات للمراقبة الجوية و”نظام قيادة وتحكم وطني جديد”. جميع هذه المعدات من صنع شركتي الدفاع الإسرائيليتين رافائيل والصناعات الجوية الإسرائيلية وفرعها إلتا سيستمز. كما تم توقيع اتفاق بقيمة 26 مليون يورو لإمداد اليونان بمنظومات مضادة للطائرات المسيّرة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق