لم تعد أكادير، في صيف 2026، المدينة ذات الإيقاع العمراني البطيء التي كانت تعتمد على جاذبيتها السياحية وموقعها الأطلسي فحسب. فقد شهدت المدينة تحولاً جذرياً بفضل سلسلة واسعة من المشاريع الطرقية، الرياضية، الثقافية، البيئية والاجتماعية التي غيرت جزءاً كبيراً من ملامحها، وامتدت آثار هذه الأوراش من الشوارع المركزية والمنطقة السياحية لتشمل الأحياء السكنية، مداخل المدينة، وسائل النقل، والفضاءات الخضراء.
إن فهم هذا التحول يتطلب التمييز بين ثلاث مراحل مترابطة: الرؤية الملكية التي أطلقت برنامج التنمية الحضرية في عام 2020، والمشاريع التي بدأت قبل الانتخابات الجماعية لعام 2021، ثم المرحلة التي قادها المجلس الجماعي الحالي برئاسة السيد عزيز أخنوش، والتي تميزت بتسريع وتيرة الإنجاز وإعداد برنامج عمل موازٍ يمتد حتى عام 2027. الأرقام المتاحة لا تدعم رواية تختزل كل الإنجازات في ولاية انتخابية واحدة، كما أنها لا تنكر تسارع وتيرة التنفيذ بعد عام 2021. فقد كشفت الحصائل المتتالية عن انتقال البرنامج من 13 مشروعاً بدأت أشغالها في السنة الأولى إلى 23 مشروعاً منتهياً بنهاية عام 2022، ثم إلى 42 مشروعاً منجزاً و44 مشروعاً آخر دخلت أشغاله طور التنفيذ، وذلك وفق آخر حصيلة رقمية تفصيلية صدرت في نونبر 2024.
رؤية ملكية وضعت الأساس
بدأت قصة التحول الكبرى في 4 فبراير 2020، عندما أشرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس على إطلاق برنامج التنمية الحضرية لأكادير للفترة 2020-2024. بلغت الكلفة الأصلية للبرنامج 5 مليارات و991 مليون درهم، وتم تقريبها في البلاغات الرسمية إلى نحو 6 مليارات درهم. استهدف البرنامج، بحسب المعطيات الرسمية لجهة سوس ماسة، الارتقاء بأكادير إلى قطب اقتصادي مندمج وقاطرة للجهة، وتقوية مكانتها السياحية، وتحسين مؤشرات التنمية البشرية وظروف عيش السكان، خاصة في الأحياء ناقصة التجهيز، بالإضافة إلى تقوية البنيات الأساسية وتحديث الشبكة الطرقية وتحسين التنقل.
تضمن البرنامج في صيغته الأولى 94 مشروعاً موزعة على ستة محاور كبرى، شملت البنيات الأساسية والتنقل الحضري، والتهيئة الحضرية، والمحافظة على البيئة وتهيئة المساحات الخضراء، وتعزيز العرض الثقافي، وتأهيل المنطقة السياحية، وتقوية التجهيزات الاجتماعية الأساسية. وبذلك، لم تبدأ الأوراش الكبرى للمدينة بعد الانتخابات الجماعية لسنة 2021، بل سبقتها رؤية وبرنامج تمويلي وشراكات مؤسساتية تجمع الدولة والجماعة والجهة ومؤسسات عمومية وشركات تنمية محلية وأصحاب مشاريع منتدبين.
كشفت حصيلة السنة الأولى من البرنامج أن وتيرة الإنجاز كانت لا تزال في طور الإقلاع. ففي يناير 2021، كانت الأشغال قد انطلقت في 13 مشروعاً بكلفة إجمالية بلغت ملياراً و651 مليون درهم، أي ما يعادل 28 في المائة من الكلفة الأصلية للبرنامج. وشملت هذه الحصيلة مشروعاً واحداً اكتملت أشغاله آنذاك ولم يكن قد سُلّم بعد، ويتعلق بإنجاز 20 ملعباً للقرب في أحياء المدينة. كما أطلقت طلبات عروض تخص 14 مشروعاً إضافياً بكلفة ملياري درهم و809 ملايين درهم، لترتفع محفظة المشاريع المنجزة أو المطروحة للتنفيذ إلى 27 مشروعاً بكلفة إجمالية بلغت 4.46 مليارات درهم. وكانت الدراسات الخاصة بـ40 مشروعاً آخر قد بلغت، وفق حصيلة السنة الأولى، مراحل متقدمة بكلفة تقارب 890 مليون درهم، بينما وصلت الالتزامات المصادق عليها من طرف أصحاب المشاريع المنتدبين إلى نحو مليار و176 مليون درهم. تكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها ترسم خط الانطلاق الحقيقي الذي يمكن الانطلاق منه عند تقييم حصيلة المرحلة اللاحقة، وتؤكد أن جزءاً من المشاريع كان قد انتقل بالفعل إلى التنفيذ أو طلبات العروض قبل وصول المجلس الجماعي الحالي.
ما الذي تغير بعد انتخابات 2021؟
بعد الانتخابات الجماعية لسنة 2021 وانتخاب السيد عزيز أخنوش رئيساً للمجلس الجماعي، دخل تدبير البرنامج مرحلة جديدة تزامنت مع انتقال عدد أكبر من المشاريع من الدراسات والصفقات إلى الأشغال والتسليم. وبحلول نهاية سنة 2022، كانت الأشغال قد استكملت في 23 مشروعاً بكلفة تقارب 400 مليون درهم، إضافة إلى 21 مشروعاً فرعياً بكلفة تتجاوز ملياراً و60 مليون درهم، ما رفع الكلفة الإجمالية للمشاريع والمكونات الفرعية التي انتهت أشغالها إلى نحو مليار و460 مليون درهم.
ضمت قائمة المشاريع المنتهية في تلك المرحلة تأهيل شارع محمد الخامس، وإنجاز 20 ملعباً للقرب، وإحداث المنتزه الحضري ابن زيدون، وتهيئة المساحات الخضراء في أنزا وبنسركاو وتيكيوين، وتأهيل ساحات عمومية بالحي المحمدي والهدى وتيليلا، وإعادة تأهيل السوق البلدي بتالبرجت، وإنجاز مرأب الانبعاث تحت الأرض، وبناء مدرسة عسو أوبسلام بحي الفرح، وفق حصيلة البرنامج إلى نهاية 2022. يظهر هذا التطور أن السنوات التي أعقبت 2021 لم تكن بداية البرنامج، لكنها مثلت انتقالاً أوضح من مرحلة إطلاق المشاريع وإعداد الدراسات إلى مرحلة تراكم المنجزات وفتح أوراش متزامنة في أجزاء متعددة من المدينة.
آخر المستجدات: حصيلة نونبر 2024
تعكس حصيلة الاجتماع الثاني عشر للجنة الإشراف والتتبع والتقييم، المنعقد في فاتح نونبر 2024، الحجم الذي بلغه البرنامج بعد مرور 55 شهراً على إطلاقه. فبعد المصادقة على ملاحق واتفاقيات خصوصية جديدة، ارتفع عدد مكونات البرنامج من 94 إلى 96 مشروعاً، كما انتقلت كلفته المحينة من 5.991 مليارات إلى 7 مليارات و376 مليوناً و700 ألف درهم، أي بزيادة تناهز ملياراً و386 مليون درهم، أو نحو 23 في المائة مقارنة بالكلفة الأصلية.
أظهرت الحصيلة انتهاء أشغال 42 مشروعاً بكلفة محينة تقارب ملياراً و267 مليون درهم، بينما أطلق أصحاب المشاريع المنتدبون أشغال 44 مشروعاً آخر بكلفة تناهز 5.65 مليارات درهم، أي ما يمثل 77 في المائة من الكلفة الإجمالية المحينة. وبلغت الالتزامات المصادق عليها نحو 6.715 مليارات درهم، أي 91 في المائة من الكلفة الإجمالية، بحسب البلاغ التفصيلي للجنة التتبع. ولا تعني هذه النسب أن جميع المشاريع كانت قد سُلّمت أو دخلت الخدمة؛ فالالتزام المالي يختلف عن الإنجاز المادي، وإطلاق الأشغال لا يعني اكتمال المشروع. كما أن ارتفاع الكلفة يطرح سؤال ضبط التكاليف والآجال، حتى وإن كان جزء من التحملات الجديدة مرتبطاً بتوسيع بعض المكونات والمصادقة على ملاحق واتفاقيات إضافية.
الطرق والبنيات التحتية: إعادة تشكيل النسيج الحضري
شكلت الطرق ومداخل المدينة والمنشآت الفنية أحد أكثر محاور البرنامج ظهوراً في الحياة اليومية للسكان. لم تقتصر الأشغال على إعادة تزويق الشوارع المركزية، بل امتدت إلى فتح محاور جديدة وإعادة بناء جزء من منظومة الحركة داخل المدينة. وشملت الأوراش فتح مقاطع من الطريق المداري الشمالي الشرقي، ومن بينها المقطع الرابط بين مطار أكادير المسيرة والطريق الوطنية رقم 11، مع إنجاز قنطرة على وادي سوس وممر تحت أرضي، ثم المقطع الرابط بين الطريق الوطنية ومدارة شارع الجيش الملكي. كما جرى فتح مقطع من الطريق السريع الحضري بين مدارة شارع الجيش الملكي ومدخل ميناء أكادير، وإنجاز ممرات تحت أرضية عند عدد من التقاطعات، وتأهيل مدخلي المدينة عبر بنسركاو وأنزا.
امتدت عمليات التوسيع والتأهيل إلى شوارع ولي العهد، والأمير مولاي عبد الله، والمقاومة، و29 فبراير، والرئيس كندي، والجنرال الكتاني، وعبد الرحيم بوعبيد، وأحمد أخنوش، والعيون، وأسا، ومحمد إقبال وعمر الخيام، إلى جانب تقوية الإنارة وتأهيل عدد من طرق القرب بوسط المدينة وتالبرجت. تكتسب هذه المشاريع أهميتها من كونها لا تغير الشكل العمراني فقط، بل تعيد توزيع تدفقات السير بين الميناء والمنطقة السياحية ووسط المدينة والأحياء الجنوبية والشرقية، وتربط الطريق المداري بالمحاور الوطنية والمطار.
“أملواي”: نقل حضري عصري
يمثل خط الحافلات ذات المستوى العالي من الخدمة “أملواي” أبرز تحول في مجال النقل الجماعي، إذ يمتد على مسافة 15.5 كيلومتراً ويربط ميناء الصيد بحي تيكيوين، مروراً بوسط المدينة وساحة الأمل وسوق الأحد والحي الجامعي ومناطق صناعية وسكنية. ويضم الخط 35 محطة و30 حافلة، مع ممرات مخصصة وأنظمة رقمية للتذاكر وتتبع حركة الأسطول، ومرافق تراعي ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة. وبعد تأجيل تشغيله أكثر من مرة، دخل “أملواي” الخدمة فعلياً في 7 ماي 2026، وفق المعطيات الرسمية التي نشرتها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، لينتقل من مشروع ظل مرئياً لسنوات في شكل مسارات ومحطات وأشغال طرقية إلى مرفق يستعمله السكان يومياً.
يكشف مسار “أملواي” في الآن نفسه وجهي التحول الذي تعرفه أكادير؛ فمن جهة، حصلت المدينة على أول خط نقل جماعي مهيكل بممرات خاصة وتجهيزات حديثة، ومن جهة ثانية، تأخر دخوله الخدمة عن المواعيد التي كانت معلنة في التصورات الأولى، وهو ما يبرز أهمية عدم تقييم المشاريع بالبنية المشيدة وحدها، بل أيضاً باحترام الآجال وجودة التشغيل وانتظام الرحلات وقدرة الخط على جذب مستعملي السيارات الخاصة.
المساحات الخضراء: تعزيز جودة الحياة
برزت البيئة والفضاءات الخضراء بدورها ضمن أكثر مكونات البرنامج حضوراً، من خلال إعادة تأهيل حديقتي لالة مريم وأولهاو، وإنجاز منتزه ابن زيدون، وتهيئة فضاءات خضراء بأنزا وبنسركاو وتيكيوين، وتأهيل حدائق ومكونات المنطقة السياحية. وفي يوليوز 2024، أطلقت الجماعة مشروع تهيئة أحياء أنزا العليا بغلاف 55 مليون درهم، يشمل الطرق والإنارة والأرصفة والتشوير والمساحات الخضراء وفضاءات القرب. كما أطلقت مشروع منتزه وادي الحوار على طول 1.1 كيلومتر ومساحة 12 هكتاراً، بكلفة 25 مليون درهم، وتضمن التصور ملاعب ومساحات خضراء وألعاباً للأطفال وممرات للمشي والركض والدراجات. وفي الفترة ذاتها، قُدم مشروع منتزه آخر لتعزيز الرقعة الخضراء بالمدينة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا


اترك التعليق