صورة توضيحية لطلاب مغاربة في فصل دراسي، تعكس تحديات جودة التعليم وتأثيرها على التنمية البشرية في المغرب.
الرأي

التعليم في المغرب: تحديات هيكلية وراء أرقام الازدهار

حصة
حصة
Pinterest Hidden

وجهة نظر: حين يتأخر التعليم تتعثر التنمية

قد تبدو المرتبة 76 عالمياً التي أحرزها المغرب في مؤشر «ليغاتوم» للازدهار لعام 2026 رقماً يستحق التقدير، إلا أن قراءة متعمقة للأرقام تكشف عن مفارقة صارخة: بينما يحتل المغرب المرتبة 76 في الازدهار العام، يتراجع إلى المرتبة 103 في التنمية، ثم يهبط إلى المرتبة 122 في التعليم من أصل 161 دولة. هذا التباين لا يمثل مجرد تصنيف دولي عابر، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإنسان الذي يُفترض أن يكون محور التنمية.

كيف يمكن لبلد يطمح إلى بناء اقتصاد صناعي، رقمي، وتنافسي، ويسعى لموقع متقدم في الاقتصاد العالمي، أن يظل في المرتبة 122 في قطاع التعليم؟ وكيف يمكن تحقيق اقتصاد المعرفة إذا كانت المنظومة المسؤولة عن إنتاج المعرفة والمهارات والكفاءات تعاني من هذا التأخر البنيوي؟

1. المرتبة 122: إنذار تنموي لا مجرد ترتيب

إن احتلال المغرب للمرتبة 76 في الازدهار، و103 في التنمية، و122 في التعليم، يعني أن التعليم يتأخر بـ 46 مرتبة عن الترتيب العام للازدهار، و19 مرتبة عن ترتيب التنمية. هذا الفارق ليس مجرد رقم إحصائي، بل يكشف عن خلل عميق في صميم النموذج التنموي. ففي حين قد تتقدم بعض مؤشرات البنية الاقتصادية، تظل القاعدة البشرية، التي هي أساس استدامة التنمية، متأخرة. التعليم ليس قطاعاً اجتماعياً ثانوياً في الحسابات الاقتصادية، ولا مجرد خدمة تقدمها الدولة، بل هو المصنع الذي ينتج الرأسمال البشري. والاقتصاد الذي يفتقر إلى تعليم جيد، يمتلك في نهاية المطاف قدرة محدودة على إنتاج المهارات، الابتكار، التكنولوجيا، والقيمة المضافة.

2. التحدي ليس في عدد الملتحقين، بل في جودة المخرجات

من السهل الرد على هذه الأرقام بالإشارة إلى زيادة عدد المدارس والجامعات، وبرامج الإصلاح، ومشاريع الرقمنة، وارتفاع معدلات التمدرس. لكن هذا يغفل السؤال الأهم: ما الذي يتعلمه الطفل داخل المدرسة؟ وما هي المهارات التي يكتسبها عند مغادرتها؟ منهجية «ليغاتوم» لا تختزل التعليم في البنية المدرسية أو نسب الولوج، بل تركز على الولوج والنتائج والجودة في جميع مراحل التعليم، بالإضافة إلى مهارات السكان البالغين. وهنا تبرز المعضلة المغربية بوضوح: هل يمتلك التلميذ القدرة على القراءة والفهم والتحليل؟ هل يمتلك المهارات الأساسية للتعلم المستمر؟ هل يتقن الأدوات الرقمية؟ هل يستطيع حل المشكلات والتفكير النقدي؟ هل تنتج الجامعة باحثين ومهندسين وأطباء ومبتكرين، أم تنتج في كثير من الأحيان حاملي شهادات يواجهون صعوبة في إيجاد مكان لهم في سوق الشغل؟ إذا كان النظام التعليمي يوسع نطاق الولوج دون ضمان جودة المخرجات، فإننا لا نكون أمام نجاح تعليمي حقيقي، بل أمام توسيع لمنظومة تفتقر إلى ضمان كافٍ لجودة مخرجاتها.

3. الهدر المدرسي: وجه آخر لفشل المنظومة

لا يمكن فهم المرتبة 122 في التعليم بمعزل عن ظاهرة الهدر المدرسي. فكل طفل يغادر المدرسة قبل إتمام مساره التعليمي لا يمثل مجرد رقم إحصائي، بل هو رأسمال بشري يتوقف بناؤه مبكراً، وفرصة تنموية ضائعة. ورغم التقدم الملموس في الحد من الانقطاع عن الدراسة، وإطلاق برامج مثل مدارس الريادة والفرصة الثانية، التي استفاد منها حوالي 18 ألف شاب في 2024/2025 وأعيد إدماج 72% منهم، فإن هذه الجهود لا تعالج جذر المشكلة. تشير اليونسكو إلى أن حوالي 270 ألف متعلم يغادرون المدرسة سنوياً، مما يطرح سؤالاً أعمق: هل نعالج أسباب الهدر أم ندير نتائجه؟ فـ«الفرصة الثانية» وإن كانت مهمة، إلا أنها تأتي بعد وقوع الانقطاع، بينما يكمن التحدي الحقيقي في منع الطفل من الوصول إلى لحظة المغادرة أصلاً. كما أن مدارس الريادة، رغم إمكانية تحقيقها تحسناً في التعلمات، لا يمكن أن تكون حلاً شاملاً لأزمة التعليم ما دامت اختلالات الإنصاف المجالي، وظروف التعلم، وجودة التكوين، والانتقال إلى سوق الشغل قائمة. النجاح الحقيقي يكمن في بناء مدرسة جيدة ومنصفة تحتفظ بالمتعلمين وتمنحهم تعلماً ذا معنى وفرصة حقيقية لبناء مستقبلهم.

4. إهدار الإنسان: خسارة للرأسمال البشري

تتضح المفارقة الأشد قسوة هنا: تستثمر الدولة سنوات طويلة في تعليم الطفل، ثم قد تفشل في الاحتفاظ به داخل المدرسة. وتستثمر سنوات أخرى في الطالب الجامعي، ثم قد تعجز عن توفير الظروف لتحويل علمه إلى إنتاج. وتنفق على تكوين الأطباء والمهندسين والباحثين والتقنيين، لتجد نفسها أمام موجة من الكفاءات التي تبحث عن مستقبلها خارج الحدود. وهكذا، يهدر المغرب جزءاً من أبنائه قبل التخرج، ثم يخسر جزءاً من خريجيه بعد التخرج، وهو ما يمثل نزيفاً حاداً في الرأسمال البشري.

5. احتجاجات الأسرة التعليمية: مؤشر على خلل في السياسة التعليمية

لا يمكن الحديث عن جودة التعليم دون التطرق إلى وضع الأسرة التعليمية، من المدرس الابتدائي إلى الأستاذ الباحث الجامعي. فكيف يمكن للمدرس أن يبني جيلاً واثقاً ومبدعاً وهو يعيش تحت ضغط مهني واجتماعي وإداري متزايد؟ وكيف نطالب الأستاذ الجامعي بإنتاج المعرفة والبحث والابتكار في بيئة جامعية مثقلة بالمشكلات، وضعف الموارد، وتعقيدات التدبير؟ الأخطر هو تحويل الاحتجاج المهني إلى مشكلة أمنية أو تأديبية بدل أن يكون فرصة للحوار والإصلاح. منظمة العفو الدولية وثقت اعتقال 33 مدرساً خلال احتجاجات في الرباط عام 2021. السؤال الجوهري هو: هل تُصلح الدولة منظومتها التعليمية بالحوار مع العاملين فيها، أم بإدارة الاحتجاج بمنطق العقوبة؟ فالمدرس الذي يشعر بأن صوته غير مسموع، وأن مطالبه لا تناقش إلا تحت الضغط، لن يكون في أفضل حالاته النفسية والمهنية لبناء مدرسة الإبداع والثقة. لا يمكن بناء مدرسة حديثة بعقلية تخشى صوت المدرس وتدير الحوار بمنطق الضبط والتحكم.

6. قمع السؤال التعليمي يضعف التعليم

يتطلب التعليم الجيد فضاءً من الحرية الأكاديمية والنقاش المهني والنقد والتجريب. والجامعة، على وجه الخصوص، يجب أن تكون فضاءً لإنتاج المعرفة ومساءلة الأفكار والسياسات والبحث عن البدائل. لذا، فإن التضييق على الأسرة التعليمية لا يضر بحقوق الموظفين والمهنيين فحسب، بل يضر بجودة المؤسسة التعليمية نفسها. فالمعلم الذي يخشى التعبير، والباحث الذي يتردد في نقد السياسات، والطالب الذي لا يتعلم كيف يسأل ويناقش، لا يمكن أن يكونوا جزءاً من منظومة تنتج مجتمعاً مبدعاً وقادراً على الابتكار. وهنا تتصل قضية التعليم بقضية أوسع: هل نسعى لمواطن يحفظ ويطيع، أم لمواطن يتعلم ويفكر ويناقش ويبدع؟

7. المفارقة الكبرى: 54 في الحرية الاقتصادية مقابل 122 في التعليم

تزداد المفارقة وضوحاً عند مقارنة المرتبة 54 في الحرية الاقتصادية بالمرتبة 122 في التعليم، بفارق 68 مرتبة. يمكن للمغرب أن يجذب المستثمرين، ويهيئ المناطق الصناعية، ويبني الطرق والموانئ، ويقدم الحوافز، ويفتح الأسواق. لكن ماذا سيفعل المستثمر عندما يبحث عن الكفاءات؟ يمكن جلب الآلة وشراء التكنولوجيا واستيراد البرمجيات، لكن لا يمكن استيراد الرأسمال البشري الوطني الجاهز عندما يفشل النظام التعليمي في إنتاجه. والأكثر عبثية هو أن الدولة قد تنفق من المال العام سنوات طويلة لتكوين طبيب أو مهندس أو باحث، ثم يجد هذا الخريج أن أفضل فرصة لاستخدام علمه وتطوير مساره توجد في الخارج.

8. هجرة الكفاءات: حين تتحول المدرسة والجامعة إلى مصنع لتصدير العقول

ليست هجرة الكفاءات مجرد ظاهرة مرتبطة برغبة بعض الشباب في تحسين دخلهم، بل هي في جوهرها سؤال عن قدرة الدولة على الاحتفاظ بما أنتجته منظومتها التعليمية. فالطبيب، المهندس، الباحث، والتقني الذين يهاجرون يمثلون خسارة مضاعفة: استثمار ضخم في تكوينهم يذهب لخدمة اقتصادات أخرى، ونزيف مستمر للعقول يهدد مستقبل التنمية الوطنية. إنها دعوة لإعادة التفكير الجذري في السياسات التعليمية والاقتصادية لضمان أن يكون المغرب بيئة جاذبة ومحفزة لكفاءاته الوطنية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *