صورة للمقر الرئيسي لبنك ملي الإيراني في حي ديرة بدبي، تظهر أهمية دبي كمركز مالي في سياق العقوبات الأميركية على إيران.
السياسة

الضغوط الأميركية على شبكات إيران المالية: الإمارات في صلب الاستراتيجية

حصة
حصة

تُكثف واشنطن جهودها لمواجهة القنوات المالية والتجارية التي تعتمد عليها إيران، حيث برزت الإمارات العربية المتحدة، ودبي على وجه الخصوص، كمركز حيوي في هذه المعركة الاقتصادية. وقد سلطت العقوبات الأميركية الأخيرة التي استهدفت فروع “بنك ملي” الإيراني في الإمارات الضوء مجدداً على الدور المحوري الذي تلعبه الإمارة في التعاملات المرتبطة بالسوق الإيرانية، مؤكدةً على تنسيق أميركي إماراتي مستمر لتشديد الخناق على مصادر تمويل طهران.

التنسيق الأمريكي الإماراتي: جهود مشتركة لمواجهة تمويل إيران

أكد متحدث باسم الخارجية الأميركية لوكالة “الحرة” يوم الجمعة، استمرار التنسيق الوثيق والمستمر مع دولة الإمارات العربية المتحدة لمواجهة الأنشطة الإيرانية التي تُعتبر مزعزعة للاستقرار في المنطقة. وتشمل هذه الأنشطة شبكات التهرب من العقوبات والتمويل غير المشروع. وأضاف المتحدث أن واشنطن ملتزمة بمواصلة العمل مع الإمارات وشركائها الإقليميين للحد من قدرة إيران على استغلال الأنظمة المالية لأغراض غير مشروعة. كما شدد على التزام البلدين بمحاسبة إيران ووكلائها وحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الحيوي للتجارة العالمية.

استهداف “بنك ملي” في الإمارات: تصعيد الضغوط الأمريكية

جاءت هذه التصريحات بعد ساعات من إعلان وزارة الخزانة الأميركية عن عقوبات استهدفت فروع “بنك ملي” الإيراني في الإمارات. وتُعد هذه الخطوة مؤشراً واضحاً على تركيز واشنطن المتزايد على المؤسسات المالية التي تعمل خارج الأراضي الإيرانية. وقد اعتبر بيان الخزانة أن فروع البنك في الإمارات تشكل محطة أساسية لحصول الحكومة الإيرانية على العملة الأميركية. وتستند هذه القرارات إلى المادة 311 من قانون باتريوت الأميركي، التي تمنح الوزارة صلاحيات واسعة لاتخاذ إجراءات ضد المؤسسات المالية الأجنبية التي تُصنف كمصدر قلق رئيسي في مجال غسل الأموال. وتهدف هذه الإجراءات إلى استهداف القنوات التي تستخدمها طهران خارج حدودها للوصول إلى العملات الأجنبية والنظام المالي العالمي، بدلاً من الاقتصار على الكيانات داخل إيران.

موقف إيران من العقوبات

في المقابل، أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً يوم الجمعة، أكدت فيه أن جميع دول العالم ملزمة بموجب القانون الدولي بعدم تنفيذ العقوبات الأميركية. واعتبرت الخارجية الإيرانية أن المشاركة في هذه العقوبات ستُعد تواطؤاً في فرض الإرادة غير المشروعة لدولة على دول مستقلة.

“عملية النبذ الاقتصادي”: حملة واشنطن الشاملة

تأتي هذه القرارات الجديدة في سياق حملة أوسع أطلقتها واشنطن تحت اسم “عملية النبذ الاقتصادي” (Operation Economic Outcast) في 24 أغسطس. وقد شملت هذه الحملة استهداف الأنشطة العسكرية والسيبرانية الإيرانية، وتجارة النفط غير المشروعة، بالإضافة إلى شركات الواجهة ومكاتب الصرافة والشبكات التجارية المرتبطة بوزارة الدفاع والحرس الثوري الإيراني، المصنف على قائمة الإرهاب الأميركية.

الإمارات في قلب التجارة الإيرانية: الأرقام تتحدث

يحتل موقع الإمارات العربية المتحدة أهمية استراتيجية في التجارة الإيرانية، حيث تُعد دبي مركزاً حيوياً لإعادة التصدير والخدمات المالية والتجارية المرتبطة بالسوق الإيرانية. وتُظهر أحدث بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2024 أن الإمارات قد وفرت أكثر من 30% من واردات إيران، بقيمة تجاوزت 21 مليار دولار. كما استحوذت على نحو 13% من الصادرات الإيرانية، بقيمة تقارب 7 مليارات دولار، مما يجعلها ثالث أكبر وجهة للصادرات الإيرانية بعد الصين والعراق. ووفقاً لبيانات وزارة الاقتصاد الإماراتية، بلغ إجمالي حجم التجارة الخارجية غير النفطية بين البلدين 6.6 مليار دولار في عام 2024، وشكلت عمليات إعادة التصدير الجزء الأكبر من هذه التجارة، والتي تشمل سلعاً إماراتية وأخرى يعاد تصديرها من دول ثالثة عبر الموانئ والأسواق الإماراتية.

دبي: مركز حيوي للقنوات المالية الإيرانية

بالإضافة إلى الأرقام التجارية، تُقدم بيانات وزارة الخزانة الأميركية مؤشرات أكثر تفصيلاً على أهمية دبي في القنوات المالية المرتبطة بطهران. فبحسب تحليل لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى استناداً إلى بيانات الخزانة الأميركية، سجلت الإمارات، ودبي تحديداً، خلال عام 2024 معاملات بأموال يُحتمل ارتباطها بالحسابات المصرفية الموازية الإيرانية بقيمة بلغت نحو 6.4 مليار دولار. وقد أفادت الخزانة أن 42% من هذه الأموال تحركت عبر مناطق التجارة الحرة، بينما مر 40% أخرى عبر مركز دبي للسلع المتعددة. وفي هذا السياق، يرى روبرت موغيلنيكي، الزميل غير المقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، أن العلاقة الاقتصادية بين الطرفين غير متوازنة، مشيراً إلى أن “دبي أهم بالنسبة لإيران مما هي إيران بالنسبة لدبي”، وأن طهران تستفيد بشكل كبير من الانفتاح الاقتصادي للإمارة. وتؤكد وزارة الخزانة الأميركية أن إيران تعتمد على شبكات مالية وتجارية خارج حدودها للحصول على العملات الأجنبية والوصول إلى النظام المالي العالمي، متهمةً طهران باستخدام شركات واجهة ووسطاء ومؤسسات مالية في دول ثالثة لإخفاء المعاملات وتحريك الأموال. ويضيف ماثيو ليفيت، الباحث الأول في معهد واشنطن، أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على 353 كياناً مرتبطاً بالإمارات بسبب أنشطة غير مشروعة تتعلق بإيران خلال السنوات الماضية، منها 154 كياناً في العام الماضي وحده، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من أنشطة إعادة التصدير والتهريب والمصرفية الموازية المرتبطة بإيران يتركز في دبي.

تداعيات القرار الإماراتي بوقف التعاملات

تأتي هذه التطورات في أعقاب إعلان الإمارات العربية المتحدة في 18 أغسطس عن وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، وذلك على خلفية اعتداءات إيرانية مزعومة على الإمارات بالتزامن مع الحرب في المنطقة. ويتوقع حسين القمزي، الخبير المشارك لدى مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أن يكون لهذا القرار أثر سلبي كبير على إيران، نظراً لاعتمادها على الإمارات كشريك تجاري رئيسي. وفي المقابل، يتمتع الاقتصاد الإماراتي بقدرة أكبر على تنويع أسواقه وشركائه، مما يمكنه من امتصاص تداعيات هذا القرار بشكل أفضل. وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد اعتبر القرار الإماراتي مؤشراً على تأثير الضغوط الأميركية، وتوقع أن تحذو دول أخرى حذوها.

تحديات المراقبة: استمرار النشاط الإيراني في دبي

لكن تقريراً لصحيفة “وول ستريت جورنال” نُشر يوم الجمعة أشار إلى استمرار النشاط التجاري والمصرفي الإيراني في دبي، حتى بعد مرور أيام على القرارات الإماراتية والأميركية الأخيرة. وذكر التقرير أن بنوكاً إيرانية، من بينها “بنك ملي”، واصلت العمل في دبي، وظل النشاط الاقتصادي المرتبط بإيران ظاهراً في الإمارة، مما يشير إلى استمرار تشابك العلاقات التجارية والمالية بين الجانبين. وبعد ساعات من نشر هذا التقرير، شملت القرارات التي أعلنتها الخزانة الأميركية عقوبات على مدير فرع “بنك ملي” في الإمارات، على خلفية مساعدته في غسل أموال دار صرافة إيرانية خاضعة للعقوبات.

الموانئ والمناطق الحرة: مخاوف أمريكية أوسع

لا يقتصر اهتمام واشنطن بالبنية التجارية واللوجستية في دبي على القنوات المرتبطة بإيران فحسب، بل ترى الإدارة الأميركية أن هذه البنية يمكن أن توفر أيضاً مسارات لإعادة توجيه التجارة والالتفاف على القيود التجارية بشكل عام. وفي تقرير صدر في أغسطس 2026، أشار مكتب سياسة التجارة والتصنيع في البيت الأبيض إلى أن بعض الدول معرضة لاستخدام بنيتها التجارية واللوجستية في إعادة توجيه السلع القادمة من الصين. وقد ذكر التقرير ميناء جبل علي في دبي والمناطق الحرة والمستودعات الخاضعة للرقابة الجمركية ومنصات إعادة إصدار الفواتير ضمن البنية التي يمكن استخدامها في إعادة تصدير السلع. ووصف التقرير الإمارات بأنها نموذج لما أسماه “المركز البحري المحوري” لإعادة توجيه التجارة. ومع ذلك، لم يتهم التقرير الحكومة الإماراتية مباشرة بالمشاركة في عمليات إعادة الشحن غير القانونية، كما أشار إلى أن تلك الموانئ والمناطق الحرة تُستخدم أيضاً في التجارة المشروعة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *