الرئيس الأسبق للشاباك يحذر من “مستقبل مجهول”
وجّه عامي أيالون، الرئيس الأسبق لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، انتقادات حادة للحكومة الإسرائيلية، معتبراً أن البلاد “لا تعاني أزمة عسكرية بقدر ما تعاني أزمة قيادة ورؤية سياسية”. وأشار أيالون، في مقابلة خاصة مع “الحرة”، إلى أن “استمرار الحرب دون هدف سياسي واضح يعني أن الدولة تسير نحو مستقبل مجهول”، مؤكداً أن حرب غزة “تحولت إلى غاية” وأن إسرائيل “تسير بلا بوصلة”.
وقد شملت انتقادات أيالون إدارة الحكومة الإسرائيلية لحرب السابع من أكتوبر، وامتدت لتطال طبيعة النظام السياسي، ومستقبل الديمقراطية الإسرائيلية، والتمثيل الفلسطيني، والعلاقة مع العالم العربي، بالإضافة إلى الانقسام الداخلي الذي حذر من أنه يذكّره بالأجواء التي سبقت اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين.
أهداف الحرب وغياب “اليوم التالي”
بدأ أيالون حديثه بالتساؤل حول ما إذا كانت إسرائيل قد حققت أهداف الحرب، بل ما هي هذه الأهداف أصلاً. واعتبر أن الحكومة “لم تحدد يوماً هدفاً سياسياً واضحاً للحرب”، واكتفت بالحديث عن مؤشرات عسكرية مثل السيطرة على مناطق أو قتل قادة أو تدمير بنى تحتية. وأضاف أنه “إذا لم يكن للحرب هدف سياسي، فلا يوجد انتصار”.
من وجهة نظره، تكمن المشكلة الحقيقية في غياب التفكير في “اليوم التالي”، وهو المفهوم الذي يراه معياراً للانتصار الحقيقي. فالدول، كما يوضح، لا تخوض الحروب لأنها تريد الحرب، وإنما لأنها تسعى إلى بناء واقع أفضل. أما عندما تغيب الرؤية السياسية، فإن النتيجة تصبح خطيرة، إذ “تتحول الحرب نفسها إلى غاية، وعندما تصبح الحرب هي الغاية، يصبح من المستحيل إنهاؤها”.
دوافع سياسية وشخصية
اتهم أيالون رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه لا يرغب في إنهاء الحرب، ليس لأسباب أمنية، وإنما لدوافع سياسية وشخصية. وقال: “رئيس الوزراء لا يريد إنهاء الحرب، لأنه يعتبر أن إنهاءها يعني فقدان السلطة”. وأضاف أن فقدان السلطة، بالنسبة لنتنياهو، لا يعني مجرد الانتقال إلى المعارضة، بل قد يقوده إلى مواجهة تبعات القضايا الجنائية التي يواجهها.
وكشف أيالون أن بيني غانتس وغادي آيزنكوت طالبا، بعد أيام قليلة من تشكيل حكومة الطوارئ، بفتح نقاش حول “اليوم التالي” وتحديد الهدف السياسي للحرب، إلا أن رئيس الوزراء رفض ذلك. ويرى أيالون أن مثل هذا النقاش كان سيقود إلى سؤال أكبر تجنبت إسرائيل الإجابة عنه منذ اغتيال رابين: أي دولة تريد إسرائيل أن تكون بعد أربعين عاماً؟
هوية الدولة والتمثيل الشعبي
طرح الرئيس الأسبق لجهاز الشاباك سؤالاً يعتبره الأكثر أهمية بالنسبة للإسرائيليين: ما معنى أن تكون إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية؟ وقال إن المجتمع الإسرائيلي لم يتوصل حتى اليوم إلى إجابة مشتركة، ولذلك تتحرك الدولة من أزمة إلى أخرى دون رؤية واضحة.
واعتبر أيالون أن الحكومة الإسرائيلية لا تمثل غالبية الإسرائيليين، كما أن النظام الإيراني لا يمثل غالبية الإيرانيين، وحزب الله لا يمثل اللبنانيين، وحماس لا تمثل الفلسطينيين، والحوثيين لا يمثلون اليمنيين. ومن هنا وصل إلى استنتاج وصفه بأنه “أخطر من مجرد أخطاء سياسية”، إذ قال: “أربع أو خمس أقليات تقود الشرق الأوسط نحو الفوضى”، بما في ذلك الحكومة الإسرائيلية الحالية.
واستدرك أيالون بأنه لا يقارن الحكومة الإسرائيلية بحماس أو حزب الله أو الحوثيين أو النظام الإيراني من حيث السلوك أو الأيديولوجيا، وإنما يقارن بينها من زاوية التمثيل الشعبي. وقال إن الفوضى الحالية لا تعود إلى تشابه بين الحكومة الإسرائيلية وحماس، فـ”حماس ليست شريكاً لأي شيء”، وإنما إلى حقيقة أن المنطقة تُقاد من قبل قوى أقليات تمتلك القدرة على فرض سياساتها على ملايين البشر، بينما تبقى الشعوب نفسها خارج دائرة اتخاذ القرار.
يتزعم نتنياهو حالياً حكومة ائتلافية، تشمل حزب الليكود، وأحزاباً يمينية ودينية وقومية هي “شاس”، و”يهودية التوراة المتحدة”، و”الصهيونية الدينية”، و”القوة اليهودية”، ما يجعلها من أكثر الحكومات الإسرائيلية يمينية في تاريخ البلاد.
القضية الفلسطينية وحل الدولتين
عند انتقاله إلى القضية الفلسطينية، كرر أيالون أن الهدف الصحيح للحرب كان يجب أن يكون نزع سلاح حماس، لكنه يعتقد أن الحرب، بصيغتها الحالية، قد تنجح في إضعاف الحركة عسكرياً، لكنها لن تقضي عليها كفكرة سياسية وأيديولوجية.
ويرى أن المشكلة الأكبر تكمن في أن الفلسطينيين اليوم “لا يملكون تمثيلاً حقيقياً”؛ فلا السلطة الفلسطينية بصيغتها الحالية تمثلهم، ولا المجتمع الدولي، ولا المبادرات المطروحة للمنطقة. ويحذر من أن هذا الفراغ السياسي هو ما يمنح حماس مزيداً من القوة، مضيفاً: “لا يمكن قتل كل من يفكر بطريقة مختلفة”. ولذلك، فإن المطلوب هو منع المتطرفين من السيطرة على القرار، لا القضاء على كل من يحمل أفكاراً مخالفة.
ووصف أيالون مبادرة السلام العربية لعام 2002 بأنها “وثيقة استسلام العالم العربي”، موضحاً أنه يستخدم هذا التعبير لأن المبادرة، من وجهة نظره، مثلت تحولاً تاريخياً من رفض الاعتراف بإسرائيل إلى القبول بها والدعوة إلى السلام معها على أساس قرارات الأمم المتحدة. وقال إن إسرائيل كانت تحلم منذ قيامها باعتراف عربي شامل، لكن المفارقة أنها، عندما تحقق ذلك، “رفضت الاعتراف بانتصارها”. ولذلك يؤكد أن حل الدولتين ليس تنازلاً لإسرائيل، بل مصلحة إسرائيلية قبل أن يكون مطلباً فلسطينياً، وأن غياب هذا الحل سيقود المنطقة إلى “الفوضى وحرب لا نهاية لها”.
مستقبل النظام السياسي
في معرض حديثه عن مستقبل النظام السياسي، وجه أيالون انتقاداً لاذعاً لمحاولات الحكومة تغيير “طبيعة النظام”، مؤكداً أن “الديمقراطية الليبرالية لا تعني أن الأغلبية تستطيع أن تفعل كل ما تشاء”. ورأى أن الحكومة تتصرف وكأن الفوز في الانتخابات يمنحها الحق في تغيير قواعد النظام السياسي بأكمله، وهو ما يعتبره خروجاً عن المفهوم الليبرالي للديمقراطية الذي قامت عليه إسرائيل.
تحذير من انقسام داخلي على غرار أجواء اغتيال رابين
تحدث أيالون عن تجربته الشخصية، وذكّر بأنه تولى رئاسة جهاز الشاباك مباشرة بعد اغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين، في مرحلة كانت فيها إسرائيل تعيش واحدة من أكثر الفترات توتراً وانقساماً في تاريخها الحديث. وقال إن تلك التجربة جعلته شديد الحساسية تجاه مظاهر الانقسام الداخلي، ولهذا فإنه يرى اليوم أن الأجواء الحالية “تشبه إلى حد كبير الأجواء التي سبقت اغتيال رابين”.
وأضاف أن المجتمع الإسرائيلي لم يعد مجتمعاً موحداً، بل أصبح “مجتمع قبائل”، وأن الاستقطاب بلغ مستوى خطيراً، بينما فقدت مؤسسات الدولة، من الحكومة إلى المحكمة العليا، جزءاً كبيراً من قدرتها على أن تكون مرجعية تحظى بثقة الجميع. ولم يُخفِ أيالون قلقه من احتمال انزلاق إسرائيل إلى صدام داخلي، مؤكداً أن الخطر لا يكمن في وجود خطة مسبقة لحرب أهلية، بل في أن مجتمعاً منقسماً ومسلحاً قد ينفجر بسبب حادث فردي أو لحظة فقدان للسيطرة.
قضية “قطر غيت”
في جانب آخر من المقابلة، تناول أيالون قضية ما يعرف إسرائيلياً بـ “قطر غيت”، والتي يتهم فيها عدد من موظفي مكتب رئيس الحكومة بالعمل لصالح قطر التي كانت تتوسط في مفاوضات إطلاق الرهائن. واعتبر أن ما جرى، إذا ثبتت الوقائع المتداولة بشأنه، يمكن وصفه بأنه “خيانة”، لأن أي مسؤول يعمل عن علم ضد مصلحة إسرائيل ويضر بأمنها ومستقبلها، لا يوجد توصيف آخر لسلوكه. ويحقق الادعاء الإسرائيلي فيما إذا كان هؤلاء قد روجوا لمواقف تخدم المصالح القطرية داخل إسرائيل، وهو ما ينفيه المتهمون والدوحة. ولم تُوجَّه اتهامات لنتنياهو شخصياً في هذه القضية.
آفاق التحول الكبرى
بعد التحذيرات التي ساقها أيالون، استدرك بالقول إن الأزمات الكبرى قد تفتح الباب أمام تحولات واسعة، مستشهداً بما جرى بعد حرب أكتوبر 1973، حين بدا السلام مع مصر مستحيلاً، قبل أن يتحول إلى واقع بعد سنوات قليلة. واختتم بالدعوة إلى التفكير بعيداً عن حسابات اليوم والغد، قائلاً إن على الإسرائيليين والفلسطينيين أن يسألوا أنفسهم أولاً: كيف نريد أن تبدو هذه المنطقة بعد أربعين عاماً؟ لأن معرفة الوجهة، في رأيه، هي الشرط الأول لرسم الطريق إليها.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق