في خطوة تحمل أبعادًا سياسية عميقة وتاريخية، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيهات باستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة وبيروت. هذا القرار يعيد فتح خط جوي أغلقته واشنطن قبل أكثر من أربعة عقود، إثر حادثة اختطاف مأساوية لطائرة تابعة لشركة “TWA” عام 1985، ويأتي في سياق تبدل موازين القوى في لبنان والمنطقة.
حادثة اختطاف TWA 847: تفاصيل مأساوية
في الرابع عشر من يونيو عام 1985، تحولت رحلة جوية عادية لشركة “TWA” من أثينا إلى روما إلى كابوس. بعد حوالي عشرين دقيقة من الإقلاع، اقتحم رجلان مسلحان، أحدهما يحمل قنبلة يدوية والآخر مسدسًا، قمرة القيادة، صارخين بالإنجليزية “اخفضوا رؤوسكم! لا أحد ينظر! ضعوا أيديكم خلف رقابكم فورًا!”. تعرض الركاب للضرب والإهانات، وأُجبر قبطان الطائرة على التوجه نحو مطار بيروت.
كان الخاطفان، محمد علي حمادي وحسن عز الدين، لبنانيين ينتميان إلى تنظيمات شيعية مسلحة مرتبطة بـ”حزب الله“، الذي كان قد أعلن عن نفسه قبل أشهر قليلة من الحادثة. كان الهدف من عملية الخطف المنظمة هذه هو الضغط على الولايات المتحدة ودفع إسرائيل إلى إطلاق سراح نحو 700 محتجز لبناني لديها. الطائرة، التي كانت تقل 153 راكبًا معظمهم أمريكيون، تنقلت بين الجزائر وبيروت في جولة مفاوضات استمرت 17 يومًا.
خلال هذه الفترة العصيبة، أقدم الخاطفان على قتل الراكب الأمريكي روبرت ستيثم بدم بارد، بإطلاق رصاصة في رأسه، وألقيا بجثته من الطائرة على مدرج المطار في محاولة لدفع السلطات للامتثال لمطالبهما. نجحت المفاوضات في مرحلتها الأولى بإطلاق سراح الركاب اليونانيين، ومن بينهم المغني الشهير ديميس روسوس. وقد ظهر آنذاك زعيم حركة “أمل”، نبيه بري، الذي يشغل منصب رئيس مجلس النواب اللبناني حتى اليوم، في مؤتمر صحفي خلال عملية الإفراج.
بعد أيام من الأخذ والرد، تم التوصل إلى اتفاق يضمن إطلاق سراح جميع الركاب الأمريكيين، الذين عاشوا سبعة عشر يومًا من الرعب والتهديد المستمر بالقتل والتعذيب النفسي.
تداعيات الحادثة والحظر الأمريكي
كانت هذه الأحداث الدامية والنقص الحاد في الإجراءات الأمنية بمطار بيروت آنذاك الدافع المباشر لإدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عام 1985 لفرض حظر كامل وفوري على جميع الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان. هذا الحظر استمر لأكثر من أربعة عقود، ليُرفع الآن بتوجيهات من الرئيس دونالد ترامب بعد لقائه بالرئيس اللبناني جوزيف عون.
دلالات القرار الجديد: تحولات في المشهد اللبناني
يحمل قرار الرئيس الأمريكي بعودة تسيير الرحلات إلى لبنان معنى سياسيًا عميقًا، بالنظر إلى الثقل التاريخي والدموي الذي أدى إلى حظر الرحلات. فقد حضر الرئيس اللبناني إلى البيت الأبيض حاملًا برنامجًا عمليًا لسحب سلاح “حزب الله”، في وقت يشهد فيه الحزب، المصنف إرهابيًا، استعادة لخطاب الثمانينات والعودة إلى تكتيكات تلك الفترة التي شهدت عمليات “استشهادية” وموجة خطف لمواطنين أجانب، لم تتراجع إلا مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990.
كانت عملية خطف طائرة الـTWA تجسيدًا للصراع في الشرق الأوسط ودينامياته الأيديولوجية والعسكرية. فمن خلال عمليات مماثلة، كان “حزب الله” يعلن برنامجه المتصل بالمشروع الإيراني، وينفذ بالفعل، لا بالقول فقط، شعار “الموت لأميركا” الذي كان يُسمع في طهران وفي ضاحية بيروت الجنوبية.
اليوم، وبعد أكثر من أربعين عامًا على تلك العملية الدموية، يلغي الرئيس الأمريكي الحظر. ويرى كثيرون أن هذا القرار لا يتعلق فقط بأسباب لوجستية أو تشغيلية تتعلق بالتكلفة وعدد الركاب، بل يمثل انعكاسًا لتبدل الظروف والموازين، مع تراجع نسبي لسطوة “حزب الله” على الدولة اللبنانية بعد ضربات قاسية من إسرائيل، وبعد تصنيف سلاحه من جانب الحكومة اللبنانية كخارج عن القانون.
مصير الخاطفين والعدالة الغائبة
وفقًا لأرشيف مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (FBI)، صدرت لائحة اتهام في 14 نوفمبر 1985، بحق الخاطفين الثلاثة: محمد علي حمادي وحسن عز الدين (اللذين كانا على متن الطائرة)، وخاطف ثالث يدعى علي عطوة (اعتقل في مطار أثينا قبل دخوله إلى الطائرة). كما جرى إصدار إشعار إنتربول أحمر بحق حمادي، وعُرضت مكافأة مالية مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله أو إدانته. واتهمت محكمة فدرالية أمريكية القيادي في “حزب الله” عماد مغنية بالوقوف وراء التخطيط لعملية الخطف.
في 13 يناير 1987، أُلقي القبض على حمادي في مطار فرانكفورت بألمانيا وبحوزته متفجرات. ورغم طلب الولايات المتحدة تسليمه، اختارت جمهورية ألمانيا الاتحادية محاكمته بنفسها. وفي 17 مايو 1989، أُدين حمادي بتهم القتل، واحتجاز الرهائن، والاعتداء، وجريمة القرصنة الجوية، وصدر بحقه حكم بالسجن مدى الحياة. ومع ذلك، في 15 ديسمبر 2005، أُفرجت السلطات الألمانية عن حمادي، وعاد إلى بيروت في اليوم التالي. وبحسب الـFBI، لا يزال حمادي، إلى جانب الخاطفين الآخرين حسن عز الدين وعلي عطوة، فارين من العدالة ومدرجين على قائمة مكتب التحقيقات الفيدرالي لأبرز الإرهابيين المطلوبين.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق