الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان في منتدى للأعمال بأبوظبي.
تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي في الخليج: بين طموحات النمو وتحديات الصراع الجيوسياسي

حصة
حصة
Pinterest Hidden

شهدت منطقة الخليج مؤخراً تصعيداً في التوترات الجيوسياسية، مما يلقي بظلاله على الطفرة المتنامية في قطاع الذكاء الاصطناعي بالمنطقة. فقد كشفت الضربات الإيرانية الأخيرة التي استهدفت مراكز البيانات عن نقاط ضعف محتملة في استراتيجية الحكومة الأمريكية الرامية إلى تعزيز استثمارات شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية وجذب دول الخليج بعيداً عن النفوذ الصيني المتزايد.

تداعيات أمنية على البنية التحتية الرقمية

في شهر مارس الماضي، تسببت طائرات مسيّرة إيرانية في إلحاق أضرار بمركزي بيانات تابعين لشركة “أمازون لخدمات الإنترنت” (Amazon Web Services) في دولة الإمارات العربية المتحدة، كما أدت إلى تعطيل مركز آخر في البحرين. وقد نجم عن هذه الهجمات اضطراب مؤقت في بعض الخدمات المصرفية والخدمات السحابية الأخرى في المنطقة. ورغم عدم وجود مؤشرات على تراجع واسع النطاق في الاستثمارات التكنولوجية بالخليج، إلا أن تنامي العلاقات في مجال الذكاء الاصطناعي بين المنطقة والشركات الأمريكية يواجه تحديات أمنية متزايدة مع احتدام الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. وفي تطور لاحق، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن شركات التكنولوجيا الأمريكية والمنشآت التي تمتلكها أو تستخدمها الولايات المتحدة في الخليج أصبحت “أهدافاً عسكرية مشروعة”، وذلك بعد أقل من عام على توقيع الرئيس دونالد ترامب في مايو 2025 اتفاقية تعاون في مجال الذكاء الاصطناعي مع الإمارات، إلى جانب استثمارات أمريكية إماراتية أخرى تجاوزت قيمتها الإجمالية 200 مليار دولار.

تعزيز الشراكات الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي

صرحت وزارة الخارجية الأمريكية بأن هذه المبادرة تهدف إلى “ترسيخ مكانة الولايات المتحدة بوصفها الشريك المفضل للإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي”. وبعد أشهر قليلة، أُعلن عن اتفاق شراكة استراتيجية مماثل مع المملكة العربية السعودية في ذات المجال، مستفيداً من صندوق “آلات” التقني التابع للمملكة، والذي تبلغ قيمته 100 مليار دولار. تحمل هذه الاتفاقيات قيمة سياسية وعسكرية حقيقية تتجاوز أثرها التجاري، حيث صُممت لتحويل دول الخليج، بما تملكه من موارد مالية ضخمة، بعيداً عن الصين، وترسيخ معايير للأمن السيبراني من خلال حظر استخدام منتجات منافسين صينيين في مجال الذكاء الاصطناعي مثل “هواوي”. ولهذا السبب، اتجهت شركة “جي 42” (G42)، وهي شركة الذكاء الاصطناعي السيادية في أبوظبي، نحو الابتعاد عن الشركات الصينية لتعزيز فرص الحصول على رقائق الذكاء الاصطناعي الأمريكية المتقدمة. وفي الوقت نفسه، أقرت الولايات المتحدة باستخدام نظامي “كلود” (Claude) المطور من شركة “أنثروبيك” (Anthropic) و”مافن” (Maven) التابع لشركة “بالانتير” (Palantir) في اتخاذ القرارات خلال الحرب مع إيران، مما جعل مراكز البيانات ضمن دائرة الاستهداف الإيرانية.

الوجود الأمريكي للذكاء الاصطناعي في الخليج: الفرص والتحديات

أشار مايك سيكستون، كبير مستشاري السياسات للذكاء الاصطناعي في مركز الأبحاث الأمريكي “ثيرد واي” (Third Way)، إلى أن الطلب العالمي على مراكز البيانات اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي يشهد ارتفاعاً حاداً، مما يمنح دول الخليج حافزاً واضحاً للانخراط في هذا القطاع. وأضاف سيكستون أن “منح هذه الشراكة الاقتصادية لهذه الدول يخلق لديها حافزاً لتقول: نحن نحصل على هذه الفوائد من الولايات المتحدة، وهي تفضل ألا نتعامل مع الشركات الصينية في هذه المجالات”.

يمثل تراجع الموارد الهيدروكربونية مصدر قلق حقيقياً لدول الخليج، في حين تنجذب الشركات العملاقة المشغلة لمراكز البيانات الضخمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى وفرة التمويل وانخفاض أسعار الطاقة في المنطقة. وقالت جون بارك، الباحثة البارزة المنتسبة إلى مركز القانون الرقمي في جامعة سنغافورة للإدارة: “أعتقد أنه في حالة الإمارات، ينبع التعاون مع الولايات المتحدة من شعور بالإلحاح. فهم يريدون التركيز على مسار بديل يتيح تحقيق إمكاناتهم الاقتصادية، وقد وقع اختيارهم على الذكاء الاصطناعي”.

غير أن وزارة التجارة الأمريكية تفرض قيوداً على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الشرق الأوسط، ما لم تقدم الحكومات ضمانات بأن هذه المكونات لن تُستخدم من قبل جهات صينية. وأكد سيكستون أن “المنافسة مع الصين هي على الأرجح الدافع الأول لسياسة الذكاء الاصطناعي هنا في الولايات المتحدة”. في إطار ربط استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي بمعايير سلاسل التوريد التي تقودها الولايات المتحدة، انضمت الإمارات رسمياً إلى مبادرة “باكس سيليكا” (Pax Silica) التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، وهي مبادرة رئيسية للأمن الاقتصادي والتكنولوجي. تتيح هذه المبادرة للجهات الحكومية الإماراتية والشركات المعتمدة، بما فيها “جي 42″، شراء منتجات حوسبة متقدمة مثل رقائق الذكاء الاصطناعي من شركتي “إنفيديا” (Nvidia) و”إيه إم دي” (AMD)، إضافة إلى خوادم الذكاء الاصطناعي، ومن دون الحاجة إلى تراخيص تصدير فردية. كما سمحت الولايات المتحدة بتصدير رقائق ذكاء اصطناعي متقدمة إلى مشروع الذكاء الاصطناعي السعودي المدعوم من الدولة “هيومين” (HUMAIN)، شريطة الالتزام بمتطلبات صارمة تتعلق بالأمن وإعداد التقارير.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن دول الخليج ستتوقف تماماً عن التعامل مع الصين في المجال التكنولوجي. فدول مثل كوريا الجنوبية تحافظ على علاقات تكنولوجية مع العديد من الدول في الوقت نفسه، بحسب بارك. إضافة إلى ذلك، تحظى شركة “جي 42” بدعم مالي كبير من شركة “مبادلة”، وهي شركة استثمار عالمية مملوكة للدولة وتُعد أحد صناديق الثروة السيادية التابعة لحكومة أبوظبي. وتمتلك “مبادلة” محفظة استثمارات في الصين تتجاوز قيمتها 200 مليار دولار، كما تشارك في صندوق الاستثمار المشترك بين الإمارات والصين، الذي يوجه رؤوس أموال بديلة إلى مشروعات البنية التحتية الجديدة والتقنيات الهندسية. وعلقت بارك قائلة: “في جوهر الأمر، هناك فرق بين ما تستطيع الولايات المتحدة أن تُجبر الدول على فعله، وما تستطيع هذه الدول عمله فعلياً. إنها استراتيجية تحوط، كما هو الحال في العديد من الدول الحليفة للولايات المتحدة”.

الذكاء الاصطناعي الصيني: بدائل وتحديات أخلاقية

أصبحت النماذج مفتوحة المصدر مثل “ديب سيك” (DeepSeek) الصينية تحظى باهتمام واسع، إذ تُعد في كثير من التطبيقات فعالة بالقدر نفسه الذي تتمتع به النماذج الأمريكية، مثل “o1” من “أوبن إيه آي” (OpenAI) و”كلود 3.5″ من “أنثروبيك”، لكنها أقل تكلفة بكثير. غير أن طريقة استجابتها قد تختلف بصورة ملحوظة، خصوصاً عند طرح أسئلة تتعلق بقضايا تعتبرها بكين حساسة، مثل احتجاجات ساحة تيانانمن، أو قضية الإيغور، أو التبت. ويرى سيكستون أن مدى إمكانية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط على فرض قيود مشابهة لا يزال غير واضح. وقال: “في حين أنه من المهم أن ندرك التداعيات التي سيتركها انتصار الصين فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وهو أمر نتفق جميعاً على أنه سيكون سيئاً، أعتقد أنه لا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب لضمان أن تكون العلاقات التكنولوجية الأقوى التي تطورها الولايات المتحدة قائمة على أساس أخلاقي متين، وألا تُستخدم لتعزيز الحكومات السلطوية”.

وتعمل الصين بنشاط على دمج الطاقة النووية لدعم بنيتها التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما تفعله الإمارات أيضاً من خلال محطة براكة للطاقة النووية. لكن بارك تشير إلى أنه إذا أرادت هذه الدول مواصلة التوسع، فمن المرجح أن تضطر إلى بناء المزيد من المحطات. وقالت: “أخشى أنه إذا وسعوا هذه القدرات، فلن يكون ذلك سليماً من الناحية الجيوسياسية”. ومع ذلك، لا تزال الصين والولايات المتحدة ترتبطان بعلاقات اقتصادية عميقة في مجالات المعادن الحيوية، والأدوية، والتصنيع. ووفقاً لاستطلاع مجلس الأعمال الأمريكي الصيني لعام 2026، يرى 80% من الشركات الأمريكية المشاركة في الاستطلاع أن السوق الصينية ضرورية لقدرتها التنافسية العالمية، ارتفاعاً من 66% في عام 2025.

تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصراعات العسكرية

في الوقت الذي يوسع فيه الجيش الأمريكي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحديد أهداف الضربات الجوية داخل إيران، يطالب أعضاء في الكونغرس بوضع ضوابط وآليات رقابة أكبر على استخدام هذه التكنولوجيا في الحروب. وفي 12 يونيو، أصدرت الحكومة الأمريكية توجيهاً بشأن ضوابط التصدير أجبر شركة “أنثروبيك” على تعطيل الوصول العالمي بشكل مفاجئ إلى نماذجها المتقدمة التي كانت قد أطلقتها حديثاً: “فابل 5″ (Fable 5) و”ميثوس 5” (Mythos 5). وبحلول الأول من يوليو، كانت الشركة قد أصلحت الثغرة الأمنية التي أثارت المخاوف، وأصبحت بعض الطلبات شديدة الحساسية تُحوَّل تلقائياً وبصورة غير معلنة إلى نماذج أقدم مثل “كلود أوبوس 4.8” (Claude Opus 4.8).

وشهدت الحرب بالفعل أمثلة على أخطاء في تحديد الأهداف بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ففي مارس 2026، أصابت غارة مدرسة “شجرة طيبة” في إيران، ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين. وكشف تحقيق أولي أجراه محققون عسكريون تابعون للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) أن المنشأة كانت قد تحولت منذ فترة طويلة من ثكنة عسكرية إلى منشأة مدنية. وقال سيكستون إن ولاء الصين لإيران ظل إلى حد كبير رهناً بالظروف على الأرض. وأضاف أنه بينما قد ترى بكين في هذه المرحلة فرصة مناسبة للدخول في شراكة مع إيران، فمن المرجح أيضاً أن تنظر إلى الوضع وتخلص إلى أن الحكومة الإيرانية تعرضت لضرر بالغ. وفي الوقت نفسه، ترى بارك أن الحرب أوجدت أيضاً منافذ جديدة للصين في المنطقة. وأوضحت أن الإمارات اشترت واستخدمت منظومة “تشيونغونغ” (Cheongung) الكورية الجنوبية المتقدمة للدفاع الصاروخي متوسط المدى، وهي أقل تكلفة بكثير من نظيراتها الأمريكية، مضيفة أن القوة الشرائية لدول الخليج تمنحها مرونة في اختيار شركائها التكنولوجيين.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *