مركبة تمر بجوار مبنى يرفع العلم الإسرائيلي في جنوب لبنان، تعكس التوتر الحدودي.
السياسة

جدل حول طلب قرى جنوب لبنان الانضمام لإسرائيل: حقيقة أم حرب نفسية؟

حصة
حصة
Pinterest Hidden

أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة، التي أشار فيها إلى أن “قرى مسيحية حدودية في جنوب لبنان طلبت الانضمام إلى إسرائيل”، جدلاً واسعاً وردود فعل سريعة في الأوساط اللبنانية. ففي ظل ظروف معيشية صعبة تشهدها تلك البلدات عقب الحرب الأخيرة، سارع وجهاء ومسؤولون محليون في القرى المعنية إلى نفي هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكدين تمسكهم بالسيادة اللبنانية.

تصريحات نتنياهو: مطالبات بالحماية والانضمام

كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد صرح بأن “بعض القرى المسيحية في لبنان طلبت بالفعل الانضمام إلى إسرائيل، بحجة حمايتها من متطرفي حزب الله الذين يسعون لقتلهم”. وأضاف نتنياهو أن طلبات الحماية هذه “لا تقتصر على المسيحيين فحسب، بل تمتد لتشمل أيضاً الدروز والمسلمين السنة، بالإضافة إلى عدد لا بأس به من المسلمين الشيعة”.

الرد اللبناني: نفي قاطع وتأكيد على السيادة

لم يتأخر الرد اللبناني على هذه التصريحات، حيث أصدر مسؤولون محليون من البلديات والمخاتير والفعاليات في القرى المسيحية الحدودية بجنوب لبنان بياناً نفوا فيه “بشكل قاطع” فحوى تصريحات نتنياهو. ووصف البيان هذه المعلومات بأنها “ملفقة ولا تمت إلى الواقع بأي صلة”، مؤكداً أن هذه القرى “حرصت، منذ اندلاع الحرب، على التنسيق المستمر مع السلطات اللبنانية والمرجعيات الروحية والجهات الدولية، بهدف إبقاء الممرات الإنسانية مفتوحة وضمان استمرار التواصل مع الداخل اللبناني ومؤسسات الدولة وأجهزتها الشرعية”.

تحليل التصريحات: أبعاد سياسية وإعلامية

في سياق تحليل هذه التصريحات، اعتبر عقل نداف، رئيس بلدية قرية دبل في جنوب لبنان، في تصريحات لـ “الحرة”، أن ما صدر عن نتنياهو يندرج ضمن “محاولة لإثارة الفتنة”. وأكد نداف أن أهالي القرى الحدودية “متمسكون بالدولة اللبنانية، وقد طالبوا ببقاء الجيش اللبناني في المنطقة، إلا أن الظروف الأمنية الحالية حالت دون ذلك”.

من جانبه، يرى الكاتب والمخرج يوسف الخوري أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في مدى صحة كلام نتنياهو أو نفيه، بل في طريقة التناول الإعلامي له. وأوضح الخوري لـ “الحرة” أن “عدداً من وسائل الإعلام اختزلت التصريح في عناوين تركز على القرى المسيحية، على الرغم من أن نتنياهو لم يقتصر في حديثه على المسيحيين وحدهم، بل أشار أيضاً إلى السنة والدروز وعدد لا بأس به من الشيعة”. وأضاف أن هذا التركيز على عبارة “قرى مسيحية طلبت الانضمام إلى إسرائيل” قد خلق “انطباعاً غير دقيق وفتح الباب أمام حملة استهدفت المسيحيين، في حين أن حديث نتنياهو تضمن أيضاً إشارة إلى الحماية من حزب الله، ولم يقتصر على مسألة الانضمام”.

بدورها، أشارت الكاتبة والمحللة السياسية سوسن مهنا إلى أن هذه التصريحات “تندرج في إطار الحرب النفسية والإعلامية المرافقة للصراع، أكثر مما تعكس واقعاً سياسياً قائماً”، مؤكدة عدم وجود أي معطيات معلنة حول طلب رسمي أو مسار فعلي لضم قرى لبنانية إلى إسرائيل. وفي حديثها لـ “الحرة”، رأت مهنا أن ما صرح به نتنياهو “أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى إعلان يستند إلى واقع قانوني أو سياسي قائم”. ومع ذلك، اعتبرت أن هذه التصريحات “تستثمر في حقيقة وجود تحولات داخل لبنان باتت ترى أن سلاح حزب الله هو مصدر التهديد الأساسي للاستقرار”. وأضافت أن “وصول جزء من اللبنانيين إلى مرحلة يشعرون فيها بأن الدولة لم تعد قادرة على تأمين الحماية والاستقرار، يدفعهم إلى البحث عن أي ضمانة بديلة”.

وشددت مهنا على ضرورة أن يكون الرد اللبناني رسمياً وعملياً، لا يقتصر على الأقوال فقط. واعتبرت أن الدولة اللبنانية يجب ألا تكتفي بـ “الرفض اللفظي أو بيانات الإدانة، لأن السيادة لا تُحمى بالشعارات”، مؤكدة أن الرد الفعلي يكون “بإعادة تثبيت حضور الدولة على كامل أراضيها، خصوصاً في المناطق الحدودية، عبر الجيش والمؤسسات الشرعية، وبالتأكيد أن أمن اللبنانيين لا يأتي من أي طرف خارجي ولا من أي قوة مسلحة خارج الدولة”.

تحديات إنسانية ومعيشية في القرى الحدودية

تُعاني القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان من أوضاع إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة، وذلك بسبب بقاء سكانها فيها خلال فترة الحرب ووقوعها ضمن منطقة عسكرية، على عكس العديد من المناطق الأخرى التي نزح غالبية سكانها. وقد حظيت هذه القرى بوضع خاص خلال الصراع بين إسرائيل وحزب الله، حيث حصلت الولايات المتحدة على تعهد إسرائيلي بعدم استهدافها، ما لم يدخلها مسلحو حزب الله.

وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، لا تزال حركة التنقل من وإلى هذه القرى، وكذلك إدخال المواد الأساسية كالغذاء والدواء والمحروقات، تخضع لموافقات مسبقة عبر الآلية الدولية المكلّفة بمراقبة تنفيذ الاتفاق. وأوضح رئيس بلدية دبل، عقل نداف، في حديث لـ “الحرة”، أن إجلاء المرضى لا يزال يتطلب موافقات، مما أدى في بعض الحالات إلى تأخر وصول سيارات الإسعاف، بل وتسبب في وفاة عدد من المرضى قبل تمكن الفرق الطبية من الوصول إليهم.

كما أشار نداف إلى أن شبكات الكهرباء لا تزال معطلة، وتعتمد البلدات على المولدات الخاصة، بينما يتم نقل المحروقات ضمن القوافل الإنسانية، على الرغم من التحسن النسبي في عمليات إدخال المساعدات. وفي هذا الصدد، شدد الكاتب يوسف الخوري على أن الأولوية القصوى يجب أن تُمنح لمعالجة أوضاع سكان هذه البلدات، مصرحاً: “كي لا يُتهم الناس بالعمالة مجدداً، على الدولة اللبنانية أن تجد حلاً لهؤلاء خلال مفاوضاتها مع إسرائيل، سواء عبر تأمين ممرات آمنة أو أي آلية أخرى تضمن استمرار حياتهم فيها”.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *