وزير النقل السعودي صالح الجاسر ونظيره التركي عبد القادر أورال أوغلو يوقعان مذكرة تفاهم في الرياض.
السياسة

مشروع “سكة الحجاز” الجديد: تحالفات إقليمية تثير قلق إسرائيل

حصة
حصة
Pinterest Hidden

أثار مشروع ضخم للسكك الحديدية يربط منطقة الخليج بأوروبا، والذي يمر عبر الأردن وسوريا وتركيا، قلقاً متزايداً في الأوساط الإسرائيلية. هذا الممر الجديد، الذي يجمع بين طموحات سعودية وتركية، يُنظر إليه في إسرائيل على أنه تهديد لموقعها الاستراتيجي في طرق التجارة الإقليمية ومنافس قوي للممر الذي كانت تعول عليه لربط الهند بأوروبا عبر الخليج والأراضي الإسرائيلية.

ممر تجاري إقليمي يثير الجدل

لا يقتصر القلق الإسرائيلي على الجانب اللوجستي فحسب، بل يتجاوزه إلى تشكل خريطة نفوذ إقليمية جديدة. يأتي هذا المشروع في ظل توسع الدور التركي في سوريا، وسعي دول الخليج لتأمين طرق تجارية بديلة عن المضائق البحرية المعرضة للتوترات، ورغبة إسرائيل في الحفاظ على مكانتها كبوابة محتملة بين قارتي آسيا وأوروبا.

المخاوف الإسرائيلية: تهديد للموقع الاستراتيجي

رسالة تحذير من وزيرة النقل

تجلت هذه المخاوف بوضوح في رسالة وجهتها وزيرة النقل الإسرائيلية، ميري ريغيف، إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. حذرت ريغيف من أن المنطقة تشهد “تشكل تعاونات إقليمية متسارعة في مجالات التجارة والطاقة تتجاوز إسرائيل عمدًا وتشكل خطراً استراتيجياً حقيقياً على الأمن القومي”. كما طالبت الوزيرة واشنطن بالتدخل لكبح المبادرات التجارية الكبرى التي تستثني إسرائيل.

أبعاد أمنية ودينية؟

يرى الجانب الإسرائيلي أن المشروع التركي السعودي يحمل أبعاداً أمنية تتجاوز الجانب التجاري، وقد ينبع من روابط دينية. وفي هذا السياق، صرح وزير الاتصالات والإعلام الإسرائيلي السابق، أيوب قرا، لـ”الحرة” بأن “كل تعاون قائم على علاقات أمنية وعسكرية هدفه التخريب على إسرائيل، وهذا أمر مقلق.” ومع ذلك، استدرك قرا مؤكداً أنه “لا توجد مشكلة لدى إسرائيل من المشروع لو توافرت رغبة واضحة لاستقرار المنطقة”، مشيراً إلى أن إسرائيل “تبارك أي تعاون مشترك لجميع دول الشرق الأوسط لتنمية الاقتصاد وتطويره”.

من جانبه، وصف رئيس مركز صفدي الإسرائيلي للدبلوماسية الدولية والأبحاث، مندي الصفدي، المشروع بأنه “يشكل خطراً أمنياً واقتصادياً على إسرائيل، وعلى دول أوروبا بشكل أوسع، لأن تركيا تستطيع أن تستعمل هذا الخط التجاري كورقة ضغط لتحقيق أهدافها ومتطلباتها”.

الرؤية السعودية: إحياء لتاريخ عريق

في المقابل، تعتبر الرياض هذا المشروع إحياءً لمشروع تاريخي كان قائماً في المنطقة مطلع القرن العشرين، ويحمل رمزية ثقافية ويعيد بناء علاقات تاريخية بين القوى الإقليمية، وفقاً لما صرح به المستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية، سالم اليامي، لـ”الحرة”. ويشير اليامي إلى خط السكة الحديدية الحجازي الذي أنشأه العثمانيون عام 1900، وامتد من دمشق إلى المدينة المنورة بطول يتجاوز 1300 كيلومتر. وفي تعليقه على الاعتراض الإسرائيلي، اعتبر اليامي أن “هذا السلوك – إذا تأكد – يعكس حالة التوجس والخوف المفرط الذي يفكر به العقل السياسي العسكري الإسرائيلي”.

المسار الاستراتيجي للمشروع

يُعد المشروع التركي السعودي ممراً استراتيجياً ولوجستياً يهدف إلى ربط دول الخليج العربية بالقارة الأوروبية عبر الأردن وسوريا. وقد سبق التوقيع على هذا المشروع اتفاق ثلاثي بين وزارات النقل التركية والسورية والأردنية، والذي وضع خريطة طريق فنية وزمنية تمتد لنحو 5 سنوات لإعادة تأهيل البنية التحتية المشتركة. ويمتد المسار المخطط له لمسافات تتجاوز 3000 كيلومتر، ليخدم حركة نقل البضائع والركاب والنفط والغاز. وسيربط الخط السعودية مباشرة بميناء العقبة في الأردن، ثم يتجه شمالاً عبر عمّان ودمشق وحلب قبل أن يصل إلى الحدود التركية، ومن هناك، ترتبط تركيا بشبكة سكك حديدية واسعة تصل مباشرة إلى الأسواق الأوروبية.

طموحات تركية ودور إقليمي

اعتبر الباحث والخبير بالسياسة الخارجية التركية، عمر أوزكيزيلجيك، المقرب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، في تصريح لـ”الحرة” أن “الاعتراض الإسرائيلي يؤكد أهمية المشروع بحد ذاته ويزيد من قيمته”، مشيراً إلى أن معارضة إسرائيل للمشروع هي نتيجة للتوترات الحاصلة بين البلدين. ويرى الوزير الإسرائيلي السابق أيوب قرا في هذا الامتداد الضخم للمشروع محاولة من تركيا “للتوسع ولعب دور إيران بالمنطقة بعد تراجع نفوذها”، داعياً إسرائيل إلى “الاستعداد لجميع السيناريوهات”. ووافقه الصفدي بأن أهداف تركيا تتجاوز جغرافية إسرائيل إلى “السيطرة على الشرق الأوسط وإعادة الإمبراطورية العثمانية”، وهو “ما يخشاه الإسرائيليون”.

تأثير اقتصادي وتحول في خارطة النقل

يعتبر محللون اقتصاديون المشروع التركي السعودي بداية تحول نحو بناء شبكة نقل برية عابرة للحدود، من شأنها أن تحسن آفاق التطور الاقتصادي في المنطقة. وأكد المسؤول السعودي السابق اليامي أن الدول الراعية للمشروع أعضاء في المنظومة الدولية، وأن ما تقوم به من مشاريع لا يهدد الأمن والسلم الدوليين. وأبدى اليامي تخوفه من أن تعرقل إسرائيل قيام هذا المشروع، بينما رأى الخبير التركي أوزكيزيلجيك أن “جهود تركيا المشتركة مع السعودية في واشنطن قادرة على التفوق على المساعي الإسرائيلية”.

منافسة شرسة لمشروع الهند-أوروبا

تنظر إسرائيل بقلق إلى توقيع مذكرات التفاهم والتقارب في الإقليم، وتعتبرها بديلاً ومنافساً قوياً للمشاريع التي كانت تراهن عليها لدمج نفسها في شبكة التجارة العالمية مع دول الخليج. وأشار الوزير السابق قرا إلى أنه “عندما يكون هدف التعاون عسكرياً مع وجود قابلية للتطرف والإرهاب في المنطقة، فيصبح كل مشروع أمراً مقلقاً”.

تباين في الأهداف والرؤى

مع بروز هذا المخطط، أصبح يُنظر إليه كمنافس لمشروع مسار الهند-أوروبا الذي طُرح رسمياً خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، وكان مقرراً أن يمر عبر الإمارات وإسرائيل، لتكون ميناء حيفا الإسرائيلي نقطة الانطلاق نحو الأسواق الأوروبية. ويقترح مشروع الهند نظاماً للشحن من السفن إلى السكك الحديدية، مما قد يؤدي إلى تقليل أوقات الشحن بنسبة 40 في المئة، حسب مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. وأكد الوزير الإسرائيلي السابق قرا أن ممر الهند-أوروبا هو “مشروع اقتصادي بحت، وهدفه حل مشاكل نقل اقتصادية”، ويختلف عن مشروع تركيا والسعودية “الذي ينبع من استراتيجية حربية عسكرية عنصرية دينية”. فيما اعتبر الصفدي أن “المشروع الجديد جاء ليكون بديلًا أو ليُفشل مخطط الهند أوروبا”، وكشف أن “القلق الإسرائيلي يتمثل في إفشال المساعي للتقارب مع الدول العربية والتطبيع معها سواء اقتصادياً أو سياسياً”.

عقبات وتحديات أمام التنفيذ

يدعم تقرير صادر عن “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” في واشنطن المخاوف الإسرائيلية، مؤكداً أن “دعم تركيا لمشروع إحياء سكة حديد الحجاز ينبع من رغبتها في تقليص الدور الذي تلعبه إسرائيل في حركة التجارة الإقليمية”. لكن التقرير يستبعد تنفيذاً وشيكاً للمشروع السعودي التركي، إذ لا تزال هناك عقبات مالية وأمنية قد تحول دون دخوله حيز التنفيذ. سيعتمد نجاحه بدرجة كبيرة على توفر التمويل وتحسن الأوضاع الأمنية، إذ لا توجد حتى الآن آلية واضحة لتمويل شبكة السكك الحديدية، ولا إطار حوكمة متفق عليه بين الدول التي سيمر عبرها. يضاف إلى ذلك أن إنشاء وتشغيل هذا الخط سيتطلب توحيد الأنظمة واللوائح التنظيمية بين عدة دول، إلى جانب وضع ترتيبات أمنية مشتركة.

صراع على النفوذ التجاري العالمي

تعكس المنافسة بين المشروعين صراعاً متزايداً على رسم خريطة طرق التجارة البديلة للمضائق البحرية المهددة بالتوترات الأمنية، وعلى الدور الذي ستلعبه دول المنطقة في حركة التجارة العالمية خلال السنوات المقبلة. كما أن تنفيذ هذا المشروع من شأنه أن يعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي في المنطقة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *