في زيارة غير مسبوقة إلى دمشق، جدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء دعم بلاده للسلطات السورية الجديدة، وذلك في خضم تحديات أمنية تمثلت في تفجيرين وقعا قرب الفندق الذي أقام فيه. الزيارة، التي وصفت بالتاريخية، شهدت توقيع اتفاقيات ثنائية في مجالات متعددة وإعلاناً عن قرب تبادل السفراء بين البلدين.
دعم فرنسي لرؤية سوريا الجديدة
من جانبه، وصف الرئيس السوري أحمد الشرع الزيارة بأنها “تاريخية” وتؤسس لـ”شراكة” حقيقية بين فرنسا وسوريا. وأشاد الشرع بـ”شجاعة” نظيره الفرنسي لمواصلة زيارته، التي تعد الأولى لزعيم دولة غربية كبرى منذ تولي الشرع مقاليد الحكم في ديسمبر/كانون الأول 2024، عقب الإطاحة بالرئيس بشار الأسد.
وفي مؤتمر صحافي مشترك بقصر الشعب بدمشق، أكد الرئيس ماكرون أن هذه الهجمات “لا ينبغي أن تزعزع” استقرار سوريا بعد سنوات من النزاع الدامي الذي بدأ عام 2011. وشدد على ضرورة أن “تعقب الديكتاتورية دولة قانون حقيقية”، معتبراً أن ذلك “سيسمح ببناء سوريا جديدة وتحقيق الازدهار فيها”. كما أكد وقوفه إلى جانب السلطات الجديدة “للتعبير عن ثقتنا بالشعب السوري، وبعملكم من أجل إحلال السلام والأمن والازدهار”.
سوريا: بوابة الشرق ومحور اقتصادي
رحب الرئيس الشرع بالوفد الفرنسي، قائلاً: “أهلاً بكم في سوريا الجديدة، يجتمع في هذه القاعة اليوم نخبة من رواد الصناعة والاقتصاد ومن يدير أساطيل الشحن في العالم، ويصنع الطائرات ويشغل المطارات ويمد شبكات الطاقة والمياه”. وأضاف أن قصر الشعب يحتضن اللقاء “لتروا بلداً قرر أن ينهض ويفسح المجال لمن يرغب أن يبني معه”.
وأبرز الشرع الأهمية الاستراتيجية لموقع سوريا الجغرافي، مشيراً إلى أنها “تمتلك موقعاً يصل المتوسط بالخليج والعراق”، وأن أزمة مضيق هرمز قد كشفت عن أهمية الممرات الآمنة والمستقرة، مما يعيد لسوريا دورها كـ”عقدة ربط لا غنى عنها في سوق الممرات العالمية”.
تعاون اقتصادي واسع النطاق
تطرق الرئيس السوري إلى الاستثمارات الفرنسية في قطاع النقل، لافتاً إلى أن مجموعة “سي إم إيه سي جي إم” وقعت قبل 14 شهراً عقداً لتطوير ميناء اللاذقية باستثمار بلغ 230 مليون يورو، مع قرار المجموعة بضخ 200 مليون يورو إضافية لرفع الطاقة الاستيعابية للميناء. وأكد الشرع أن سوريا تمتلك “خارطة طريق متكاملة لإعادة الإعمار والشراكة”، تشمل تجديد الأسطول الجوي، وتشغيل المطارات وتحديث أنظمة الملاحة الجوية، واستكشاف الطاقة في المياه الإقليمية، وتحديث شبكات الكهرباء والمياه، وتطوير قطاعات المشافي الجامعية والصناعات الغذائية والبنية الرقمية والسجل المدني.
وأضاف أن المدن الصناعية السورية “جاهزة لتكون منصة انطلاق لمصانعكم”، مؤكداً أن بلاده تعمل على بناء “بيئة استثمار حديثة تحكمها القوانين والمؤسسات”. وشدد الشرع على أن الشراكة مع فرنسا تمثل نموذجاً للعلاقة مع أوروبا والعالم، قائلاً إنها “شراكة تُبنى على المصالح التي تخدم شعبينا لا على الشعارات”.
من جانبها، أعلنت الرئاسة الفرنسية (الإليزيه) أن فرنسا ستقدم مساعدة فنية إلى مصرف سوريا المركزي، في إطار دعمها للمرحلة الانتقالية وتعزيز التعاون الاقتصادي مع دمشق. ويسعى البلد، بعد أكثر من 13 عاماً من النزاع، إلى “إعادة تموضعها كبوابة للشرق بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي”، وفقاً للباحث أرتور كينيه. ويرافق الرئيس الفرنسي وفد رفيع من كبار المسؤولين التنفيذيين لشركات فرنسية عملاقة، مثل رودولف سعادة من “سي إم آ-سي جي إم” وباتريك بويانيه من “توتال إنرجي”. ومن المتوقع توقيع اتفاقيات متعددة، رغم الحذر الذي يبديه المستثمرون الفرنسيون. وتوقع الشرع أن تشارك فرنسا في إعادة إعمار البنى التحتية في قطاعات مثل السياحة والزراعة والصناعة، مشيراً إلى أن سوريا “تُجري الآن عقداً كبيراً لثماني طائرات إيرباص” ستطلبها من الشركة الأوروبية.
تفجيرات دمشق: تفاصيل وتداعيات
قبيل اللقاءات الرسمية، هز انفجاران العاصمة دمشق، ما أسفر عن إصابة 18 شخصاً، بينهم أربعة من عناصر الشرطة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية الرسمية. وأفادت وزارة الداخلية السورية بوقوع الانفجارين قرب وزارة السياحة، وذكرت مصادر محلية إصابة معاون وزير السياحة السوري فرج القشقوش. وأوضحت الوزارة أن قوى الأمن الداخلي رصدت عبوتين ناسفتين بدائيتي الصنع، إحداهما داخل سيارة متوقفة والأخرى في حاوية مهملات، وانفجرتا أثناء محاولة تفكيكهما.
شهود عيان وصفوا صوت الانفجارين بأنه “قوي للغاية” ولم يفصل بينهما سوى دقائق، مما أثار “ذُعراً بين الناس”. وقد طوقت الأجهزة الأمنية مكان الحادث في قلب المدينة، قرب وزارة السياحة وفندق فورسيزون وجسر فكتوريا، وهي منطقة حيوية تضم مؤسسات حكومية بارزة والمتحف الوطني وجامعة دمشق.
أكدت وزارة الداخلية السورية أن التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الاعتداء وتحديد هوية المتورطين، مشيرة إلى أن الانفجارين وقعا خارج النطاق الأمني المخصص لمقر إقامة الرئيس ماكرون، ولم يشكلا تهديداً مباشراً لبرنامج الزيارة. كما أكدت الرئاسة الفرنسية سلامة ماكرون واستمرار زيارته.
إدانات دولية واسعة
أدانت كل من مصر والمملكة العربية السعودية والأردن التفجيرين “بأشد العبارات”. وشددت بيانات وزارات الخارجية لهذه الدول على رفضها الكامل “لأشكال العنف والإرهاب”، مؤكدة ضرورة التصدي لكل ما من شأنه زعزعة أمن واستقرار سوريا، ومجددة دعمها لأمن سوريا واستقرارها وسيادتها ووحدة أراضيها.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق