يواجه مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يشكل شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط العالمية، تحديًا معقدًا يتمثل في التباين بين رغبة إيران في فرض سيادتها وتنظيم الملاحة فيه، وبين التمسك بالمسارات الدولية المعترف بها وقوانين البحار. هذا التوتر يأتي في أعقاب فترة من الصراع العسكري، ويتحول الآن إلى ساحة مواجهة سياسية وقانونية.
تداعيات ما بعد الحرب ومذكرة التفاهم
بعد أكثر من ثلاثة أشهر من حرب أدت إلى توقف شبه كامل لحركة الملاحة في المضيق، الذي يمر عبره حوالي 20% من تدفقات النفط العالمية، وقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم في 17 يونيو. هذه المذكرة هدفت إلى إنهاء النزاع وضمان حرية الملاحة، مما أدى بالفعل إلى زيادة تدفقات النفط الخام وانخفاض نسبي في أسعاره العالمية.
يرى المحلل السياسي مسعود الفك، في تصريح لـ”الحرة”، أن نهاية الحرب لا تعني انتهاء الصراع على المضيق، بل تحول المنافسة من المجال العسكري إلى السياسي والقانوني. ويؤكد الفك أن القضية المحورية لم تعد تتعلق بإغلاق المضيق أو فتحه، بل بمن يمتلك النفوذ في إدارة أمنه وتنظيم الملاحة فيه، مما يجعل هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في تشكيل موازين القوى الجديدة في الخليج العربي بعد الحرب.
الموقف الإيراني: سيادة ومطالب
تخوض الوفود الأمريكية والإيرانية مفاوضات مكثفة في الدوحة، تتركز بشكل كبير على حركة الملاحة البحرية في المضيق. تؤكد طهران سيادتها الكاملة على الممر، بما في ذلك الحق في التحكم بالملاحة، فرض رسوم عبور، وإزالة الألغام. وبموجب الاتفاق المؤقت، وافقت إيران على السماح بمرور السفن لمدة 60 يومًا دون رسوم، لكنها تشير إلى أن صياغة الاتفاق تمنحها الحق في تحديد السفن المسموح لها بالمرور والمسارات التي تسلكها.
وفي خطوة تصعيدية، حذرت طهران من أن أي تدخل في مضيق هرمز سيواجه برد “سريع وحاسم”، وقد أطلقت الأسبوع الماضي النيران على سفن حاولت العبور من الجانب العماني دون تصريح إيراني مسبق.
يكشف المحلل السياسي محمد مجيد الأحوازي، لـ”الحرة”، عن انقسام داخلي في إيران؛ فالمحافظون يرون في السيطرة على المضيق أو فرض الرسوم مكسبًا سياسيًا يجب الحفاظ عليه، بينما يخشى الإصلاحيون مواجهة جديدة مع واشنطن.
بالنسبة للفك، تعتبر طهران مرحلة ما بعد الحرب “فرصة لترجمة صمودها العسكري إلى مكاسب سياسية واستراتيجية”. ويرى أن الحرب أثبتت، من وجهة النظر الإيرانية، أن أمن هرمز لا ينفصل عن أمن إيران، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تمنحها دورًا محوريًا في إدارة هذا الممر. لذا، تحولت الأولوية الإيرانية من إغلاق المضيق إلى تثبيت حضور دائم في منظومة الأمن البحري، مما يمنحها تأثيرًا مباشرًا على الملاحة والترتيبات الإقليمية، تحت مسمى تقديم الخدمات البحرية وإدارة المرور.
وكشفت مصادر إيرانية رفيعة لوكالة رويترز في الأول من يوليو أن إيران عازمة على الحصول على اعتراف دولي بسيطرتها على المضيق وقدرتها على فرض رسوم على السفن، حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة. وأكدت المصادر أن طهران لن تنتقل إلى ملفات أخرى في محادثات السلام مع واشنطن قبل الحصول على قبول رسمي ودائم لهذه السيطرة بعد انتهاء المرحلة المؤقتة.
الرفض الدولي وقانون البحار
في المقابل، ترفض الولايات المتحدة الأمريكية أي سيطرة إيرانية على المضيق. وقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي أنه لن يتم فرض أي رسوم إلا بقرار من واشنطن. كما صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن أي دولة لا يحق لها عرقلة الملاحة أو فرض رسوم على ممر مائي دولي.
ويشير الأحوازي إلى أن دول الخليج ترفض فرض الرسوم لما يعنيه ذلك من هيمنة إيرانية وفتح لملفات خلافية عديدة. وتتفق الصين والولايات المتحدة على أهمية حرية الملاحة في المضيق، مما يضع إيران أمام “تحديات كبيرة”.
يقر الفك بأن طهران تدرك صعوبة تحقيق سيطرة قانونية كاملة على المضيق في ظل الرفض الدولي، لكنها “تراهن على فرض واقع سياسي يجعل أي آلية لإدارة الملاحة أو ضمان أمن السفن تمر عبر التفاهم معها”، لتحويل المضيق من أداة ضغط مؤقتة إلى عنصر دائم في معادلة الردع الإقليمية.
الدور العماني المحوري
دخلت سلطنة عمان، الشريك الجغرافي لإيران على الساحل الجنوبي للمضيق، على خط الأزمة، وتنسق مع طهران بشأن إدارة المضيق. يرى الفك أن السلطنة برزت كأكبر مستفيد سياسيًا بعد الحرب، متحولة من وسيط إلى شريك أساسي في النقاش حول مستقبل المضيق، بفضل موقعها وثقة الأطراف بها.
إلا أن الرؤية العمانية تختلف جوهريًا عن الإيرانية؛ فمسقط تسعى لتثبيت مبدأ أن المضيق ممر دولي آمن يخضع لتفاهمات جماعية، وليس منطقة نفوذ لطرف واحد. وتعمل عمان على تحقيق توازن بين علاقاتها مع إيران وطمأنة الولايات المتحدة والدول الغربية والخليجية بأن أمن الملاحة سيظل قائمًا على حرية العبور وعدم استغلال المضيق كأداة ضغط سياسية.
وقد أصدرت إيران وعمان بيانًا مشتركًا أعلنتا فيه عن خططهما لإدارة حركة الشحن التجاري في المضيق بشكل مشترك، مع توفير “الخدمات والتكاليف المرتبطة بها وفقًا للمعايير الدولية”، مع التأكيد على “سيادتهما وحقوقهما السيادية على المياه الإقليمية”. ومع ذلك، أكد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي رفض بلاده فرض أي رسوم مالية على السفن العابرة، لكنه لم يستبعد فرض رسوم مقابل خدمات ملاحية أو بيئية.
قانون البحار الدولي: المرجع الحاسم
يؤكد الدكتور عبدالله باعبود، الأكاديمي المتخصص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج والشرق الأوسط، في تصريحات لـ”الحرة”، أن القانون الدولي وقانون البحار لا يمنحان إيران الحق في الانفراد بإدارة المضيق. ويوضح أن سيادة إيران وعمان على مياههما الإقليمية مقيدة بحق الملاحة الدولية والقانون الدولي، الذي لا يسمح بفرض رسوم عبور أو تحويل المضيق إلى أداة سيطرة أحادية.
تصطدم رغبة إيران في التحكم بالمضيق بـ”قانون البحار”، الذي تم تقنين أحكامه بشكل رئيسي في “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار” (UNCLOS). تنص الاتفاقية على حق جميع السفن والطائرات في “المرور العابر” دون عرقلة أو تعليق. ويستند هذا المبدأ إلى أن الممرات المائية الضيقة التي تعتمد عليها نسبة كبيرة من التجارة العالمية لا يجوز للدول المشاطئة استغلالها كورقة ضغط.
من الجدير بالذكر أن إيران والولايات المتحدة لم توقعا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما وقعت عليها سلطنة عمان. ورغم كونها طرفًا في الاتفاقية، أصدرت عمان إعلانات تشترط حصول السفن الحربية على “إذن مسبق” للمرور عبر مياهها الإقليمية.
يختلف وضع المضائق عن القنوات المائية مثل قناة السويس أو بنما، فالقنوات غالبًا ما تكون أضيق وتقع ضمن دولة واحدة (مثل قناة السويس بعرض 200 متر، مقابل مضيق هرمز الذي يبلغ عرضه 39 كيلومترًا عند أضيق نقطة). وقد حصلت مصر وبنما، بموجب معاهدات دولية، على حق تحصيل رسوم مقابل المرور، مع ضمان حرية الملاحة.
ويفرق باعبود بين رسوم العبور، التي يعتبرها غير جائزة لأنها تمس حق المرور العابر والأمن، ورسوم الخدمات التي قد تكون مقبولة إذا كانت مقابل خدمات فعلية، غير تمييزية وشفافة، ولا تتحول إلى شروط للمرور.
ويختتم باعبود تحليله بمسارين محتملين: مسار إيراني يميل إلى تسييس المضيق واستخدامه كورقة ضغط، ومسار عماني يركز على تدويل وتقنين الإدارة عبر قواعد قانونية وخدمات بحرية.
تأتي هذه التطورات وسط مخاوف عالمية من أن أي سيطرة إيرانية أو عمانية على المضيق قد تزيد من تكاليف الشحن، وبالتالي تفاقم الأعباء التضخمية على الاقتصاد العالمي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق