صورة تمثل صناديق اقتراع أو أيقونات تصويت تعكس المشاركة السياسية في المغرب
السياسة

الانتخابات التشريعية 2026: تحديات الهوية الحزبية والمشاركة السياسية في المغرب

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تُشكل الديمقراطية التمثيلية حجر الزاوية في البناء المؤسسي الدستوري، ساعيةً لتحقيق توازن دقيق بين حقوق وواجبات المواطن والوطن. هذه البنية، المتجذرة في فلسفة الإنسانية والانتماء الوطني، تمثل معادلة براغماتية تهدف إلى إحداث فارق إيجابي ينطلق من المواطن ويعود إليه، وذلك في سياق إدارة قضايا الشأن العام عبر منظومة دولة المؤسسات الدستورية والديمقراطية.

في الآونة الأخيرة، تزايد التفاعل بشكل ملحوظ حول الانتخابات التشريعية لعام 2026. يثير هذا الاهتمام تساؤلات جوهرية: هل يعكس هذا التنامي تأثير التكنولوجيا الحديثة المرتبطة بالفضاء الرقمي، أم أنه مؤشر على ارتفاع مستوى الوعي السياسي لدى المواطن المغربي؟ هذه الأسئلة، من بين أخرى، تستدعي تحليل العلاقة بين الهوية الحزبية السياسية والمشاركة السياسية، لتحديد العوامل المحفزة ونقطة الانطلاق نحو تحقيق النتائج المرجوة.

المشهد الحزبي المغربي: تنوع وتحديات

تضم الخريطة السياسية الحزبية في المغرب ما يقارب 33 حزبًا سياسيًا. تتميز هذه الأحزاب بتنوع إيديولوجياتها ومرجعياتها، لكنها تتحد تحت راية الدولة الأمة والوطن الواحد، وتخضع للإطار الدستوري والقوانين الانتخابية وقانون الأحزاب. قد يرى البعض هذه البنية معقدة نظرًا لتعدد توجهاتها السياسية، إلا أن هذا التنوع يُعد من المقومات الاستراتيجية للممارسة الديمقراطية المرتبطة بتدبير قضايا الشأن العام. فهو يسهم بلا شك في إثراء العرض السياسي للأحزاب والارتقاء بالمنظومة السياسية نحو تحقيق أهداف التنمية الشاملة، وذلك عبر بوابة المشاركة السياسية الفعالة.

معضلة العزوف السياسي: مسؤولية مشتركة

على الرغم من أهمية المشاركة السياسية، إلا أنها تواجه تحديات جمة، أبرزها معضلة العزوف السياسي، وهي ظاهرة تتفاقم عامًا بعد عام. يطرح هذا الواقع سؤالاً ملحًا: من يتحمل مسؤولية استفحال هذه الظاهرة؟ هل هي الأحزاب السياسية أم الناخب نفسه؟ إن الإجابة على هذه الإشكالية تقودنا إلى استعراض مجموعة من المرتكزات الاستراتيجية للعمل الحزبي السياسي من جهة، وتحديد المعنى الدستوري للمشاركة السياسية من جهة أخرى.

ركائز العمل الحزبي الفعال

يرتبط نجاح العمل الحزبي السياسي ارتباطًا وثيقًا بعدة مقومات أساسية:

  • التأطير الحزبي: يشمل التكوين المستمر لأعضاء الحزب وتأهيلهم ليكونوا فاعلين سياسيين.
  • التواصل السياسي: بناء جسور الثقة مع المواطنين، وشرح البرامج والرؤى بوضوح وشفافية.
  • البرامج الحزبية السياسية: تقديم حلول واقعية وملموسة لقضايا الشأن العام، تلبي تطلعات المواطنين.
  • التنخيب: اختيار النخب والكفاءات القادرة على قيادة العمل السياسي بكفاءة ونزاهة.

تُشكل هذه المؤشرات جوهر العمل الحزبي السياسي، الذي ينظمه الفصل السابع من دستور 2011 والقوانين الانتخابية. ومع ذلك، يكشف تقييم هذه العملية عن مجموعة من الإشكاليات الحقيقية التي تعيق تجويد الأداء السياسي الحزبي.

تحديات تعيق جودة العمل السياسي

في هذا السياق، تبرز عدة تحديات رئيسية تستدعي المعالجة:

  • ضعف برامج التأطير الحزبي: تعاني بعض الأحزاب السياسية من قصور في برامج التأطير، مما ينعكس سلبًا على مردودية العمل الحزبي ويؤدي إلى تفاقم الاختلالات في تدبير قضايا الشأن العام. هذا يدفعنا للتساؤل عن مدى أهمية التكوين الجيد كركيزة أساسية لممارسة سياسية فعالة.
  • تذبذب التواصل السياسي: يتسم التواصل السياسي بتقلبات واضحة، حيث يبلغ ذروته خلال الفترات الانتخابية ثم يتراجع بشكل ملحوظ بعدها. يجب على الأحزاب السياسية إدراك خطورة هذه الإشكالية، فجودة التواصل السياسي تمثل مركز ثقل العمل السياسي. لقد تجاوز الخطاب التقليدي ليحل محله لغة القرب السياسي، المدعومة بالوسائل التكنولوجية الحديثة، وخاصة الفضاء الرقمي الذي أصبح منصة أساسية يعبر من خلالها المواطن عن تطلعاته وانشغالاته على مدار الساعة.
  • التنخيب الفعال: يتعلق الأمر هنا بصناعة النخب السياسية الكفؤة، وهو أمر يرتبط بالتكوين الحزبي المتين من جهة، وبإشراك الكوادر السياسية في تدبير قضايا الشأن العام على أساس الاستحقاق والجدارة (الميريتوقراطية) من جهة أخرى. لقد أثبتت التجارب الديمقراطية الحزبية الدولية أن النخب السياسية المؤهلة والمؤطرة حزبيًا قادرة على إحداث فارق نوعي في المسار السياسي والتنموي.

نحو تشريعيات 2026: دعوة للتجديد

يتوجب على الأحزاب السياسية المغربية إعادة النظر في هذا الثالوث الحيوي (التأطير، التواصل، التنخيب) في أفق الاستعداد لتشريعيات 2026. يأتي ذلك في ظل متغيرات جذرية واستباقية مرتقبة في القانون التنظيمي لمجلس النواب، والقوانين الانتخابية، وقانون الأحزاب. هذه التعديلات، إذا ما تم تفعيلها بطريقة سليمة وبعيدًا عن المزايدات السياسية الفارغة، كفيلة بإحداث فارق إيجابي وهادف، يسهم في تحسين المناخ السياسي وتخليقه، ومن ثم تحقيق الأهداف التنموية المرجوة.

لا يقتصر الأمر على دور الأحزاب فحسب، بل يتطلب أيضًا ربط هذا الجهد بنقطة البداية للعمل الديمقراطي السياسي، وهي المشاركة الدستورية للمواطن في تدبير قضايا الشأن العام. إن التصويت ليس مجرد حق، بل هو واجب وطني يعكس المسؤولية المادية والمعنوية الملقاة على عاتق المواطن. فالمواطنة الحقة لا تكتمل دون ممارسة هذا الحق في التصويت واختيار النخب، وقبل ذلك، الانخراط في العمل السياسي عبر بوابة الأحزاب السياسية.

خاتمة: مغرب السرعة الواحدة بمشاركة واعية

بناءً على ما تقدم، من المتوقع أن تكون تشريعيات سبتمبر 2026 مختلفة عن سابقاتها، وذلك بفضل ارتفاع منسوب الوعي السياسي لدى المواطن. نعتبر هذه نقطة إيجابية تستدعي اقترانها بتحمل المسؤولية الوطنية والدستورية من قبل المواطن والأحزاب السياسية على حد سواء. الهدف الأسمى هو إحداث فارق ديمقراطي يقوم على أساس أخلاقي، قوامه التنافس البناء على البرامج الجادة والمشاركة السياسية الموسعة، وصولًا إلى تحقيق “مغرب السرعة الواحدة” الذي يطمح إليه الجميع.

بقلم: الدكتور العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط والمدير العام للمجلة الأفريقية للسياسات العامة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *