الرقمنة في المغرب: دعوة لتقييم الأثر الفعلي وتجاوز تحديات الأمية الرقمية وضعف الثقة
في خطوة تهدف إلى تعميق النقاش حول مسار التحول الرقمي في المغرب، دعت دراسة أكاديمية حديثة إلى إعادة النظر في المعايير المعتمدة لتقييم ورش الرقمنة على مستوى الخدمات العمومية. وأكدت الدراسة، التي أعدها الباحث سليمان العمراني، أن النجاح الحقيقي للخدمات الرقمية لا ينبغي أن يقتصر على عدد المنصات الإلكترونية أو الخدمات المرقمنة، بل يجب أن يمتد ليشمل مدى تأثيرها الملموس على جودة حياة المواطنين، وفعالية الخدمات العمومية، وتحسين العلاقة بين الإدارة والمرتفقين.
من قياس الإنجاز إلى قياس الأثر
تُبرز الدراسة، المعنونة بـ “الخدمة العمومية الرقمية بالمغرب في ميزان منهجية قياس الأثر”، أن المغرب قد أحرز تقدماً ملحوظاً في رقمنة الإدارة العمومية. فمع نهاية عام 2024، تمكنت الإدارات من رقمنة 766 خدمة عمومية، وإن كانت نسبة الخدمات المرقمنة بشكل كامل لا تتجاوز 23 في المائة. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن المرحلة الراهنة تقتضي تجاوز منطق قياس الإنجاز الكمي نحو تبني منهجية قياس الأثر، أي التركيز على التغيير الحقيقي الذي أحدثته هذه الخدمات في حياة الأفراد والمقاولات والإدارة.
يوضح الباحث أن التقييم التقليدي غالباً ما يرتكز على مؤشرات كمية، مثل عدد الخدمات الرقمية أو نسب الإنجاز، دون إيلاء اهتمام كافٍ للنتائج الفعلية وانعكاساتها على المستفيدين. وتعتمد الدراسة منهجية “قياس الأثر” التي تميز بين المدخلات والعمليات والمخرجات والنتائج، وصولاً إلى الأثر النهائي، ليصبح السؤال المحوري: “ما الذي تغير فعلاً لدى المواطن نتيجة هذا الإنجاز؟”، بدلاً من “ماذا أنجزت الإدارة؟”.
الإطار المرجعي: دعم وطني ودولي
توجيهات ملكية ومؤسساتية
تجد مقاربة قياس الأثر سندها في المرجعيات الدولية، حيث تعتمدها منظمات مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي كأداة أساسية لتقييم السياسات والبرامج العمومية. وعلى الصعيد الوطني، تؤكد الدراسة أن هذا التوجه يتماشى مع عدد من الخطب الملكية والوثائق المرجعية. ففي خطاب العرش لسنة 2014، شدد الملك محمد السادس على أن الأهم ليس الحصيلة الرقمية وحدها، بل “التأثير المباشر والنوعي” للمنجزات على ظروف عيش المواطنين. وقد أعيد التأكيد على هذا التوجه في خطاب العرش لسنة 2015، الذي دعا إلى أن ينعكس التحول الرقمي على التنمية الترابية ويرسخ ثقافة النتائج داخل الإدارة العمومية.
كما أشارت الدراسة إلى أن مؤسسات وطنية فاعلة، مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، قد دعت جميعها في السنوات الأخيرة إلى اعتماد تقييم يستند إلى الأثر الحقيقي للسياسات العمومية.
الترسانة القانونية تواكب التوجه
يواكب الإطار القانوني المغربي هذا التوجه، حيث ينص القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة على إمكانية إخضاع مشاريع القوانين لدراسات حول آثارها. كما ينيط النظامان الداخليان لمجلسي النواب والمستشارين بالمؤسستين مهمة تقييم السياسات العمومية وقياس آثارها على الفئات المستهدفة والمجتمع. وتضاف إلى ذلك المهام المسندة للمرصد الوطني للمرافق العمومية في تقييم أثر الاستراتيجيات والبرامج وقياس رضا المرتفقين عن جودة الخدمات المقدمة.
فجوة بين التوفر والاستعمال: تحديات قائمة
على الرغم من الإطار المرجعي القوي والتقدم المحرز في رقمنة الخدمات، تكشف الدراسة عن وجود فجوة بين توفر الخدمات العمومية الرقمية واستعمالها الفعلي من قبل المواطنين. فإقبال المواطنين على هذه الخدمات لا يزال محدوداً مقارنة بالتوقعات.
عوامل تحد من الاستفادة
تعزو الدراسة هذا الضعف إلى عدة عوامل رئيسية، منها محدودية معرفة المواطنين بالخدمات الرقمية المتاحة، وضعف الثقة في التعاملات الإلكترونية، والمخاوف المرتبطة بالأمن السيبراني. كما تشكل الأمية الرقمية وصعوبة الولوج إلى الإنترنت أو الأجهزة الذكية لدى بعض الفئات، بالإضافة إلى الفوارق المجالية والاجتماعية، عوائق حقيقية أمام الاستفادة الكاملة من التحول الرقمي. وقد أقرت تقارير رسمية سابقة بأن عدداً كبيراً من الخدمات الرقمية المتوفرة لا يعرفها المواطنون أو لا يستعملونها.
رؤية مستقبلية: نحو رقمنة ذات أثر ملموس
لتجاوز هذه الإشكالات، يقترح الباحث الانتقال إلى نموذج جديد في تدبير ورش الرقمنة، يقوم على إدماج منهجية قياس الأثر في جميع مراحل تصميم وتنفيذ وتقييم الخدمات العمومية الرقمية. ويدعو إلى اعتماد مؤشرات تقيس جودة تجربة المواطن، وسهولة الولوج إلى الخدمة، والوقت والتكلفة اللذين جرى توفيرهما، ومستوى الرضا والثقة، فضلاً عن الأثر الاقتصادي والاجتماعي الشامل الذي تحدثه الرقمنة على المجتمع.
تخلص الدراسة إلى أن مستقبل الإدارة الرقمية بالمغرب لن يتحدد فقط بزيادة عدد المنصات الإلكترونية أو الخدمات المرقمنة، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس وإيجابي في حياة المواطنين. فالهدف الأسمى هو تحقيق إدارة أكثر كفاءة وشفافية وقرباً من المرتفق، حيث يُقاس نجاح التحول الرقمي بما يحققه من أثر حقيقي على التنمية وجودة الحياة، وليس فقط بالمؤشرات التقنية أو الإدارية المجردة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق