البصرة، العراق – 5 يونيو 2026
كشفت تحقيقات استقصائية أجرتها قناة “الحرة” عن تفاصيل شبكة عراقية واسعة النطاق، تضم سياسيين ورجال أعمال من مختلف الأطياف، قامت بتقديم دعم مالي كبير لإيران خلال فترة الحرب الأخيرة. هذا الدعم لم يقتصر على تحويلات نقدية مباشرة، بل امتد ليشمل عقوداً حكومية ضخمة تم تمريرها عبر واجهات محلية، وفقاً لمصادر سياسية واقتصادية عراقية.
مساران للدعم: أموال نقدية وعقود حكومية
تُظهر المعلومات التي حصلت عليها “الحرة” من مصادر رسمية وغير رسمية، وجود مسارين متوازيين لتقديم الدعم المالي لطهران. الأول يتمثل في تحويلات نقدية بالدولار عبر الحدود، بينما يركز المسار الثاني على عقود حكومية بمليارات الدولارات، حصلت عليها واجهات عراقية يُزعم أنها تعمل لصالح شركات إيرانية أو شبكات مرتبطة بها.
لطالما اعتُبر العراق، في الأوساط السياسية والاقتصادية، منفذاً حيوياً لإيران لمواجهة العقوبات الدولية. لكن ما كشفته المصادر عن الأشهر الأخيرة يشير إلى مستوى أكثر مباشرة من الإسناد، حيث شمل تحويلات نقدية وعقوداً في قطاعات حيوية كالكهرباء والبناء والمصارف، استُخدمت فيها أسماء عراقية لتغطية المستفيدين الحقيقيين.
شبكة متنوعة من الداعمين
كشف مصدر عراقي غير رسمي، مقرب من دوائر الإطار التنسيقي الحاكم والموالي لإيران، أن رجل أعمال عراقياً تبرع بنحو 200 مليون دولار خلال حرب الاثني عشر يوماً الأخيرة. وأضاف المصدر أن هذا الرجل أصبح لاحقاً مسؤولاً رفيعاً في الدولة العراقية، ويمتلك عقوداً حكومية كبيرة، وقد حصل على مشاريع ضخمة في السنوات الماضية بدعم من قوى عراقية مقربة من إيران.
وأشارت المصادر إلى أن جزءاً من هذه الأموال نُقل نقداً عبر الحدود البرية، في مناطق تتمتع فيها فصائل مسلحة بنفوذ واسع، بينما نُقلت مبالغ أخرى عبر قيادات في الحرس الثوري الإيراني. وتتحفظ “الحرة” عن نشر أسماء بعض الشخصيات المذكورة، لأسباب قانونية وتحريرية، وفي غياب ردود مباشرة منها على هذه الاتهامات.
لم يقتصر دعم هذه الشبكة على شخصيات شيعية مقربة من إيران، فبحسب مسؤول عراقي مطلع على الملف، تضم القائمة أيضاً رجال أعمال وشخصيات سياسية سنية بارزة. من بين هؤلاء، شخصية تجارية تمتلك أحد أشهر الفنادق في بغداد، ورجل أعمال آخر يستحوذ على عقود حكومية بمئات الملايين من الدولارات.
وأوضح مصدر داخل الإطار التنسيقي أن هذه التبرعات لم تكن منظمة عبر قناة واحدة، بل جرت بصورة فردية، وفي بعض الأحيان دون علم المتبرعين ببعضهم البعض. كما أبلغت دولة غربية قيادياً شيعياً عراقياً بقائمة أسماء متبرعين، نقلها سفير أوروبي إلى القيادي المذكور. وشملت التبرعات أيضاً جهات وشخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة موالية لإيران، مثل “كتائب الإمام علي” بزعامة شبل الزيدي، و”حركة النجباء” بزعامة أكرم الكعبي.
ويرى مراقبون سياسيون عراقيون أن دخول شخصيات سنية على خط التمويل قد لا يكون بدافع أيديولوجي بالضرورة، بل قد يكون سعياً لبناء نفوذ داخل دوائر القرار الشيعي الحاكم في بغداد، وذلك عبر طهران أو القوى العراقية المتحالفة معها.
عقود الكهرباء: واجهات لشركات خاضعة للعقوبات
تؤكد مصادر سياسية واقتصادية أن الدعم لم يقتصر على التحويلات النقدية. فقبل الانتخابات التشريعية الأخيرة في نوفمبر 2025، والتي أسفرت عن فوز ائتلاف “الإعمار والتنمية” بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، مُنح عقدان كبيران في قطاع الكهرباء. ظاهرياً، ذهبت هذه العقود إلى قيادي بارز في الحشد الشعبي ورجل أعمال عراقي معروف بمشاريعه في قطاع الطاقة.
إلا أن المصادر كشفت لـ”الحرة” أن الشركات التي فازت بالعقدين كانت بمثابة “واجهات محلية” لشركات إيرانية تخضع لعقوبات دولية. ورداً على استفسار من “الحرة”، أفاد عضو في مكتب رئيس الحكومة السابق بأن “العقود تُمنح لشركات واضحة وصريحة ومسجلة بشكل قانوني، أما المستفيد الأخير، فالجهات الرقابية هي المسؤولة عن التحقق منه”. هذا الرد يسلط الضوء على إحدى الثغرات الأساسية في نظام التعاقد العراقي، حيث قد تكون الشركة الفائزة مسجلة قانونياً، لكن ملكيتها الفعلية أو ارتباطها بكيانات أجنبية خاضعة للعقوبات قد يبقى خارج نطاق التدقيق الشامل.
وتشير المصادر إلى أن النفوذ الإيراني في العراق تجاوز قطاعي الغاز والكهرباء، ليشمل قطاعات مصرفية ومشاريع بناء ومقاولات حكومية. وبحسب مسؤول عراقي مطلع، ساعدت بعض هذه الشبكات طهران على تحريك الأموال وتدوير الأرباح بعيداً عن الرقابة الأميركية. وتتحفظ “الحرة” على نشر تفاصيل إضافية حول هذه الشبكات، بانتظار ردود من الجهات المعنية.
نموذج “مبنا” والنفوذ المتزايد
يمثل ملف مجموعة “مبنا” الإيرانية، وفقاً لمصادر عراقية، نموذجاً لطريقة دخول الشركات الإيرانية إلى السوق العراقية عبر قطاعات تبدو تنموية في ظاهرها، لكنها تمنح طهران نفوذاً استراتيجياً طويل الأمد داخل البنية التحتية العراقية. تأسست “مبنا” عام 1993، وتُعد من أبرز شركات الطاقة الإيرانية، وقد أُدرجت على قائمة العقوبات الأميركية في مارس 2018 بسبب اتهامات تتعلق بأنشطة إلكترونية لصالح الحرس الثوري الإيراني.
وقال عضو سابق في البرلمان العراقي لـ”الحرة” إن الشركة وسعت حضورها في العراق بعد عام 2014، إبان اجتياح تنظيم “داعش” لمساحات واسعة من البلاد، حيث تردد العديد من المستثمرين الغربيين في دخول السوق العراقية. وأضاف البرلماني السابق أن “مبنا” قدمت نفسها آنذاك كبديل قادر على تنفيذ مشاريع سريعة في قطاع الطاقة، مستفيدة من حاجة العراق الماسة للكهرباء ومن المناخ السياسي الذي رافق بدء مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني.
كما أفادت المصادر أن شركة مسجلة في الأردن، تعود ملكيتها لشخصيات عراقية، عملت كواجهة لشركات إيرانية حصلت على مشاريع لبناء مبان حكومية في العراق. ولا تدعي المصادر أن جميع العقود المرتبطة بشركات إيرانية داخل العراق غير قانونية. لكن الخطر، وفق مسؤول عراقي مطلع على هذا الملف، يكمن في إمكانية استخدام بعض العقود لتمكين شركات خاضعة للعقوبات من العمل عبر أسماء محلية، أو لإعادة تدوير الأرباح ضمن النظام المالي العراقي.
وفي الختام، لا يظهر العراق في هذه الرواية مجرد سوق مجاور لإيران، بل يتجلى كمساحة مالية وسياسية حيوية تتحرك فيها شبكات معقدة من رجال الأعمال والفصائل والأحزاب بين بغداد وطهران. وفي ظل الضغوط العسكرية الخارجية على إيران، تشير المصادر إلى أن جزءاً كبيراً من الدعم جاء من داخل العراق، سواء عبر الأموال النقدية أو العقود أو الواجهات التي يصعب تتبعها.
عن الكاتب:
مصطفى سعدون صحافي عراقي عمل في مؤسسات إعلامية دولية وعربية عديدة. يُركز في كتاباته على السياسة وحقوق الإنسان.
اكتشف المزيد من الحرة
previous إلى أين يمكن أن يصل التوسع الإسرائيلي في لبنان؟
next خاص: تفاصيل خطة دمج الفصائل المسلحة في العراق
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق