خريطة تركيا تغطي منطقة الشرق الأوسط، تعكس الطموحات الإقليمية.
السياسة

تركيا وإسرائيل: تنافس استراتيجي جديد في الشرق الأوسط

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في تحول لافت في المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط، تتزايد المخاوف الإسرائيلية من الدور التركي المتنامي في المنطقة، لدرجة أن بعض الأصوات البارزة في تل أبيب بدأت تصف تركيا بـ “إيران الجديدة”. هذا التوصيف لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى مؤشرات متعددة تعكس طموحات أنقرة الإقليمية المتزايدة وتأثيرها المتصاعد في ظل المتغيرات الأخيرة.

تطلعات تركيا الإقليمية وقلق إسرائيل

لم تكن الصورة التي اختارها وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لحسابه على منصة “إكس” مجرد رمز عابر. فقد أظهرت خريطة تركيا وهي تتصدر خريطة العالم، وكأنها تمتد لتغطي دول الشرق الأوسط مجتمعة، في إشارة واضحة إلى طموحات أنقرة التوسعية وحنينها إلى إرث السلطنة العثمانية. هذا التوجه يثير قلقاً عميقاً في إسرائيل، حيث حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، نفتالي بينيت، في فبراير الماضي، من أن “تركيا هي إيران الجديدة”. وأوضح بينيت أن “تركيا اكتسبت مع قطر نفوذاً في سوريا، وتسعيان لامتلاك النفوذ في أماكن أخرى وفي كل مكان في المنطقة”، واصفاً الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه “داهية وخطير، ويسعى لتطويق إسرائيل”.

تنافس استراتيجي متعدد الأوجه

يرى سونر كاغابتاي، الباحث المتخصص في الشؤون التركية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن العلاقات التركية الإسرائيلية تتسم بتنافس استراتيجي حاد. فمن منظور أنقرة، تهدد إسرائيل مصالحها الجوهرية في سوريا عبر علاقاتها مع الدروز وقوات سوريا الديمقراطية، مما يعرقل جهود تركيا لتعزيز مركزية الدولة السورية. في المقابل، ترى إسرائيل أن دعم أنقرة لحركة حماس، التي تصنفها إسرائيل منظمة إرهابية، وموقف تركيا من الأحداث في غزة، يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

تحالفات إقليمية جديدة

تتجاوز تداعيات التنافس التركي الإسرائيلي في شرق المتوسط حدود البلدين، لتشكل اصطفافات إقليمية أوسع، قد تتأثر بشكل كبير بتداعيات أي مواجهة أميركية إيرانية محتملة. يشير كاغابتاي إلى تشكيل تحالفين رئيسيين يمتدان من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط، يضم كل منهما قوة نووية، ملكية خليجية ثرية، قوة من بلاد الشام، وقوة في شرق المتوسط. هذه التحالفات هي: باكستان، السعودية، مصر، وتركيا من جهة، وإسرائيل، الهند، الإمارات، واليونان من جهة أخرى. ويضيف كاغابتاي أن هذا التنافس يمتد ليشمل القرن الأفريقي، كما يتضح من دعم تركيا وإسرائيل لأطراف متصارعة في الصومال، مما يستدعي الاستعداد لظهور هذه التحالفات الرباعية وما تجلبه من قدرات متنوعة.

الردع التقني ودبلوماسية الطاقة: أوراق تركيا الرابحة

لا يقتصر التوسع التركي على الردع النووي التقليدي المحتمل عبر علاقاتها مع باكستان، بل يرى محمد سرميني، مؤسس معهد “جسور” للدراسات، أن تركيا تعمل على بناء “ردع تقني” في مواجهة إسرائيل، مدفوعاً بتطور صناعاتها الدفاعية. فبينما اعتمدت إيران على الإغراق الصاروخي لدفاعات إسرائيل الجوية، تدخل تركيا نادي الصواريخ الفرط صوتية عبر شركة “روكيتسان”، وهو سلاح يصفه سرميني بأنه “رادع جداً لإسرائيل” بعد أن أثبت فعاليته في حروب 2025.

ويستبعد سرميني استخدام السلاح النووي في أي مواجهة محتملة، نظراً للاعتبارات السياسية المعقدة. ويشير إلى التقدم الكبير في التصنيع الدفاعي التركي، خاصة في مجال الطائرات المسيرة، حيث حافظت شركة “بايكار” على صدارة الشركات المصدرة، كما أن تحالف تركيا مع أوكرانيا يتيح لها تطوير تقنياتها عبر كييف.

دبلوماسية الطاقة: تهديد اقتصادي لإسرائيل

القلق الإسرائيلي الحقيقي، بحسب سرميني، ينبع أيضاً من “دبلوماسية الطاقة” التركية. فقد نجحت أنقرة في تفكيك “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي كان يهدف لعزلها، واستطاعت تحييد مصر وجذبها نحو خيارات استراتيجية بعيدة عن “الابتزاز الإسرائيلي”. ويرى سرميني أن تحويل إسطنبول وسوريا إلى مراكز لتجميع وتصدير الغاز لأوروبا سيشكل ضربة قاصمة للاقتصاد الإسرائيلي، ويجعل من مشروع “طريق التوابل” المرتكز على ميناء حيفا حلماً متعثراً أمام نفوذ تركيا في البحر الأحمر وتحالفاتها في السودان والصومال.

استراتيجية تركيا: دعم الدول لا المنظمات

بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، أدت ردود الفعل الإسرائيلية إلى إضعاف العديد من أذرع إيران في المنطقة، مثل حماس وحزب الله. يطرح هذا الوضع تساؤلاً حول مدى استعداد أنقرة لتبني وكلاء إيران السابقين أو خلق أذرع خاصة بها. يفضل النهج التركي، وفقاً لسرميني، العمل مع “الدول” لا “المنظمات”. فرغم الحماية الدبلوماسية المحتملة لطهران في مرحلة ما بعد علي خامنئي، فإن أنقرة تتعامل مع “نظام أمر واقع” ولا تسعى لتبني سياسات طائفية تدعم جماعات إيرانية. كما أن دعم حزب الله قد يضر بعلاقات تركيا مع الإدارة الأميركية، وهو أمر غير مرغوب فيه لأنقرة.

بل إن الرهان التركي يتجه نحو “تطوير قوة الجيش السوري” ليكون خط الدفاع الأول، وهو ما تجلى في الوساطة التركية لربط دمشق بكييف في تعاون دفاعي وتدريب الجيش السوري وتوفير الدعم له، كما حدث خلال زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأخيرة إلى دمشق.

هذا النهج يجعل من تركيا “إيران جديدة” ولكن برداء “شرعي”، فهي لا تسلح ميليشيات لتقويض الدول، بل تعيد صياغة الدول المحيطة بإسرائيل لتكون عقبة أمام طموحات تل أبيب. وهذا يفسر القلق الإسرائيلي الوجودي: فمواجهة “دولة” تمتلك الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات الدولية أصعب بكثير من مواجهة إيران معزولة وتعاني من تراجع بنيتها العسكرية.

الدبلوماسية التركية والعداء الشخصي

يؤكد سرميني أن تركيا وظفت دبلوماسيتها لسنوات لإحباط خطط إسرائيل الإقليمية، ونجحت في التأثير على إدارة ترامب لاحتواء الحرب الحالية ومنع تفكيك الدولة الإيرانية، وهو ما كانت إسرائيل ترغب فيه، لأن تفكك إيران يضر بالأمن القومي التركي.

ويشير كاغابتاي إلى أن العامل الشخصي يلعب دوراً في تأجيج التنافس، فالعداء السياسي الشديد بين بنيامين نتنياهو ورجب طيب أردوغان يجعل من الصعب إيجاد لغة مشتركة. ومع ذلك، يرى كاغابتاي أن حلاً قد يكمن في دور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يمكنه فرض “تهدئة” عبر تحديد مناطق النفوذ: غزة لإسرائيل، وسوريا لتركيا، مما قد يوفر مخرجاً من هذا المأزق.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *