لبنان على مفترق الطرق: هدنة تاريخية وتحديات مستقبلية
تتجه الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ بين لبنان وإسرائيل، والتي جاءت عقب فترة من التصعيد على الحدود، نحو التحول إلى ما هو أبعد من مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار. فقد حظيت هذه الهدنة بدعم دولي غير مسبوق، كان في طليعته الدعم الأمريكي المباشر، حيث أكد الرئيس دونالد ترامب التزام إسرائيل بعدم شن هجمات على لبنان مجدداً، تحت شعار واضح ومحدد: «لا مزيد من القتل».
يُنظر إلى هذا الالتزام الأمريكي على أنه يمنح الهدنة بعداً سياسياً استراتيجياً، مما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من مسار أوسع يهدف إلى إعادة تنظيم المشهد الإقليمي برمته. وفي هذا السياق، يعتبر لبنان هذه الهدنة بمثابة بوابة لإطلاق مسار تفاوضي طويل الأمد، يستند إلى المبادرة التي طرحها رئيس الجمهورية ميشال عون، والتي تهدف إلى تثبيت قواعد الاشتباك ضمن إطار سيادي واضح، وصولاً إلى وقف نهائي للحرب.
مخاوف وتطلعات لبنانية
على الرغم من الآمال المعلقة على هذه الهدنة، لا تخفي الأوساط الرسمية والسياسية اللبنانية قلقها من محاولات محتملة لعرقلة هذا المسار الهش. وتتجسد هذه المخاوف في سيناريوهات متعددة، تشمل التصعيد الميداني أو إثارة الانقسامات الداخلية التي قد تهدد الاستقرار الهش.
شروط تثبيت الهدنة: رؤية رسمية
تؤكد مصادر رسمية مطلعة أن تثبيت هذه الهدنة التاريخية يتطلب تحقيق شرطين أساسيين لا غنى عنهما:
- تحصين الجبهة الداخلية: يتمثل الشرط الأول في تحصين الداخل اللبناني عبر منع أي انزلاق نحو الفتنة أو الانقسام. وهذا يضع مسؤولية جسيمة على عاتق القوى السياسية والأجهزة الأمنية لضبط الخطاب السياسي والتحركات الميدانية على حد سواء، لضمان وحدة الصف الوطني.
- توحيد الموقف التفاوضي:
أما الشرط الثاني، فيتمثل في توحيد الموقف الرسمي اللبناني خلف المبادرة التفاوضية. ويشمل ذلك وقف إطلاق النار الشامل، انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية المعترف بها، إطلاق سراح جميع الأسرى، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، بالإضافة إلى إخلاء المنطقة من أي مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة اللبنانية الشرعية.
تُعد هذه الشروط اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها المحوري، ليس فقط كطرف تفاوضي فاعل، بل كجهة قادرة على فرض التزاماتها داخلياً وخارجياً.
الدعم الدولي والربط الإقليمي
أكد مصدر دبلوماسي لـ«الجمهورية» أن الهدنة «صلبة» ومتينة، على الرغم من أن توقيتها لم يكن متوقعاً ضمن الحسابات الإسرائيلية التقليدية. وأشار المصدر إلى أن إعلان الرئيس ترامب الشخصي منح الهدنة زخماً سياسياً كبيراً، مما يجعل تمديدها احتمالاً مرجحاً بقوة.
يأتي هذا التطور بالتوازي مع تقدم ملحوظ في المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، وهو ما يربط الوضع اللبناني بسياق إقليمي أوسع. هذا الربط يمنح لبنان موقعاً استراتيجياً في ملفات حيوية تتعلق بالطاقة، الممرات البحرية، والملف النووي الإيراني، مما يعزز من أهمية استقراره.
تحذيرات من تفاؤل مفرط
على الرغم من الإشارات الإيجابية، يحذر مرجع سياسي رفيع من الإفراط في التفاؤل، مشدداً على أن الحرب لم تنته رسمياً بعد. ويستشهد المرجع بالتجارب السابقة مع إسرائيل، وآخرها نقض اتفاق تشرين الثاني 2024، كدليل على ضرورة توخي الحذر الشديد.
ويشير المرجع إلى وجود معادلتين متناقضتين تتحكمان بالمشهد الحالي: الرغبة الإسرائيلية في حرية الحركة العسكرية، مقابل معادلة «العين بالعين» التي أعلنها حزب الله. هذا التناقض يجعل الهدنة تحت اختبار دقيق، حيث يمكن لأي خرق محدود أن يتحول بسرعة إلى تصعيد واسع النطاق.
دعوات للعودة إلى اتفاق الهدنة
في سياق متصل، دعا زعيم سياسي وسطي إلى العودة إلى «اتفاق الهدنة» التاريخي كأساس قانوني لتنظيم العلاقة بين الطرفين. وأكد على ضرورة توفر ضمانات دولية فعلية لتنفيذ هذا الاتفاق، محذراً في الوقت ذاته من محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المحتملة لاستغلال التصعيد للهروب من أزماته الداخلية المتفاقمة.
الوحدة الوطنية والسلم الأهلي: خط أحمر
على الصعيد الداخلي، شدد رئيس مجلس النواب نبيه بري على أن الوحدة الوطنية والسلم الأهلي يشكلان «خطاً أحمر» لا يمكن المساس به. وحذر بري بشدة من أي محاولة لإثارة الفتنة، قائلاً: «الفتنة نائمة ولعن الله من يوقظها»، مؤكداً على الأهمية القصوى لضبط الخطاب والتحركات في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان.
كما جدد بري التأكيد على الثوابت الوطنية، داعياً الأجهزة الأمنية إلى وقف ظاهرة إطلاق النار احتفالاً، لما تشكله من إساءة لكرامة الشهداء والقيم الوطنية والدينية، وتأثيرها السلبي على الأمن العام.
خاتمة: مستقبل لبنان على المحك
تُعد هذه الهدنة نقطة توازن دقيقة بين مسار سياسي يفتح الباب أمام تسوية محتملة، ومسار ميداني يظل هشاً وعرضة للانتهاكات. ويظل العامل الحاسم في قدرة لبنان على الانتقال إلى مرحلة استقرار نسبي هو توحيد موقف الدولة الداخلي، واستثمار الدعم الدولي الفعال، وفرض قواعد جديدة تحمي سيادته وتعزز موقعه في المعادلة الإقليمية المعقدة. إنها لحظة تاريخية قد لا تتكرر قريباً، تتطلب حكمة وبعد نظر من جميع الأطراف المعنية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق