يمثل ملف حصر السلاح بيد الدولة أول اختبار حقيقي للحكومة العراقية الجديدة، برئاسة علي الزيدي، في قضية لطالما تعثرت أمامها الإدارات السابقة. يرى خبراء ودبلوماسيون أميركيون سابقون أن هذا المسعى الطموح يواجه عقبات جسيمة، أبرزها الجهود الإيرانية الرامية إلى إبقاء سلاح الفصائل المسلحة خارج نطاق سيطرة بغداد.
التدخل الإيراني وعرقلة مسار الدمج
كشفت مصادر سياسية وأمنية عراقية مطلعة لـ”الحرة” أن الحرس الثوري الإيراني يحث الفصائل الشيعية المسلحة على رفض أي مبادرة تهدف إلى تسليم أسلحتها للدولة العراقية. يأتي هذا التطور بعد أسبوع من إعلان فصيلي “كتائب الإمام علي” و”عصائب أهل الحق”، المعروفين بارتباطهما بإيران والمصنفين على قوائم الإرهاب الأميركية، تسليم إدارة ألويتهما المسلحة المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي إلى الحكومة العراقية.
أهمية الملف وتداعياته السيادية
لا تقتصر أهمية حصر السلاح بيد الدولة على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل مستقبل النظام السياسي برمته في العراق. فمنذ سنوات طويلة، يعيش العراق حالة من التداخل المعقد بين مؤسساته الرسمية والفصائل المسلحة التي تتمتع بقدرات عسكرية وأمنية مستقلة عن الحكومة. هذا الوضع أضعف بشكل كبير سلطة الدولة وأثار مخاوف داخلية وخارجية عميقة بشأن قدرة بغداد على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها.
تحديات هائلة ووجهات نظر دولية
في هذا السياق، يصف جيمس جيفري، الدبلوماسي الأميركي السابق والسفير الأميركي في بغداد بين عامي 2010 و2012، التحديات بأنها “هائلة وربما غير قابلة للتجاوز”. ويضيف جيفري لـ”الحرة” أن “هذه المجموعات وإيران لا تريدان أن تتخلى هذه الفصائل عن دورها كدولة داخل الدولة وعن أدوارها العسكرية”.
تعتبر واشنطن هذا الملف اختبارًا مبكرًا وحاسمًا لحكومة رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، الذي تسلم مهامه في 14 مايو. وقد كثفت إدارة ترامب ضغوطها على بغداد بخصوص الميليشيات المدعومة من إيران، خاصة بعد شن هذه الفصائل مئات الهجمات على المصالح الأميركية وحلفائها خلال الصراع الأخير مع إيران. ومنذ تولي الزيدي منصبه، تتوقع واشنطن من حكومته اتخاذ خطوات أكثر وضوحًا لتفكيك تلك الميليشيات أو الحد من قدرتها على العمل خارج سلطة الدولة.
ورغم عدم رد وزارة الخارجية الأميركية على طلب “الحرة” للتعليق بشأن إعلان الفصيلين فك ارتباطهما بالحشد الشعبي، إلا أن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم برّاك، رحب بالخطوة سابقًا، واصفًا إياها في منشور على منصة “إكس” بأنها “خطوة مهمة إلى الأمام”. كما أشاد بـ”المجموعات التي اتخذت قرارًا مسؤولًا بإعادة جميع أسلحتها إلى الدولة العراقية، بما يسهم في تعزيز أسس النظام والاستقرار”.
شكوك حول الإرادة الداخلية للفصائل
من جانبه، يرى الفضل أحمد، الباحث المتخصص في شؤون السياسة الشيعية والجماعات المسلحة، أن هذه الخطوة لا تعكس بالضرورة تحولًا داخليًا حقيقيًا لدى الفصائل. ويصرح أحمد لـ”الحرة” بأن “العملية الحالية تأتي استجابة لضغوط أميركية، تتضمن التهديد بفرض عقوبات مالية على العراق وتنفيذ ضربات عسكرية ضد الفصائل، وليست نتاج إرادة داخلية حقيقية من جانب هذه الجماعات”. ويربط أحمد نجاح مسار حصر السلاح بـ”مدى الحزم الذي ستبديه واشنطن، وما إذا كانت ستراقب تنفيذه بصورة دقيقة ومفصلة”.
الخطوات الميدانية والتحديات الهيكلية
في أول خطوة ميدانية ضمن مسار حصر السلاح بيد الدولة، أعلنت الحكومة العراقية، الأربعاء، تسلّم البيانات الخاصة بأسلحة وعناصر فصيل “كتائب الإمام علي”. وأفادت خلية الإعلام الأمني الحكومية في بيان أن الفريق أول الركن قيس المحمداوي أشرف على تسلّم جميع الملفات والبيانات المتعلقة بالأفراد والأسلحة والمعدات والعجلات التي كانت بحوزة الفصيل. ووفقًا للبيان، تمهد هذه الخطوة لـ”استكمال مراحل دمج” عناصر الفصيل في مؤسسات الدولة، و”إعادة التنظيم وإلغاء المسميات والعناوين الأخرى كافة لهذه التشكيلات” خارج إطار هيئة الحشد الشعبي.
حتى الآن، لم تعلن السلطات العراقية آلية واضحة لدمج أفراد هذه الفصائل. لكن المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، أكد في مؤتمر صحافي، الأربعاء، أن “حصر السلاح بيد الدولة سيتم خلال سقف زمني محدد”، دون تقديم تفاصيل إضافية.
ويشير الفضل أحمد إلى أن التحدي الأكبر أمام الحكومة لا يقتصر على تسلّم السلاح أو البيانات، بل يشمل تفكيك البنية التنظيمية التي تربط هذه الفصائل ببعضها، وذلك عبر توزيع مقاتليها على وحدات مختلفة ومنفصلة. ويحذر أحمد لـ”الحرة” قائلًا: “إذا لم تتحقق هذه الإجراءات، فمن المتوقع أن تعود هذه الفصائل للظهور بقوة أكبر بمجرد أن تحول الولايات المتحدة اهتمامها إلى ملفات أخرى”.
قدرات الفصائل العسكرية
تشير تقديرات أمنية إلى أن “عصائب أهل الحق” تضم نحو 10 آلاف مقاتل، اكتسب العديد منهم خبرات قتالية قيمة خلال المعارك ضد تنظيم داعش بعد عام 2014، وفي حرب المدن داخل سوريا. ووفقًا للتقديرات ذاتها، لا تقتصر ترسانة الفصيل على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بل تشمل طائرات مسيرة هجومية واستطلاعية من منشأ إيراني، استخدمت في هجمات على مقرات عسكرية وقواعد تابعة للتحالف الدولي في العراق، بالإضافة إلى منظومات صاروخية وراجمات قصيرة ومتوسطة المدى.
أما “كتائب الإمام علي”، فتتحدث تقديرات غير رسمية عن امتلاكها نحو 8 آلاف عنصر، إلى جانب منظومات صاروخية متوسطة المدى، وأسلحة متوسطة، ومدافع هاون، ورشاشات ثقيلة، وعربات عسكرية رباعية الدفع مزودة بأسلحة رشاشة.
توصيات لواشنطن
تؤكد بريدجيت تومي، محللة الأبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، على ضرورة أن تراقب واشنطن إجراءات نزع السلاح المعلنة لضمان انتقال الأسلحة فعليًا إلى سيطرة الدولة العراقية ومؤسساتها الأمنية الشرعية. وترى تومي أنه في حال عدم إحراز هذه الفصائل تقدمًا ملموسًا، يتعين على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض عقوبات على الجهات التي توفر لها الغطاء المالي والسياسي داخل الحكومة العراقية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق