صورة توضيحية لاجتماع خبراء اقتصاديين يناقشون مشروع قانون المالية 2027 في المغرب
الاقتصاد

خبراء يحذرون من تحديات مالية في 2027 ويدعون لتقييم شامل للاستثمارات العمومية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

أثار باحثون وأساتذة جامعيون مغاربة، خلال ندوة علمية بفاس، تساؤلات جوهرية حول مشروع قانون المالية لسنة 2027، مؤكدين على أهمية العدالة الضريبية ونجاعة الاستثمار العمومي ومعالجة التفاوتات المجالية. وحذر المشاركون من أن مجرد زيادة الاعتمادات المالية وتوسيع نطاق الاستثمارات قد لا يكفي لتحقيق التنمية المنشودة وتحسين الأوضاع الاجتماعية، ما لم تُعزز هذه الجهود بآليات فعالة لتقييم النتائج وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للسياسات العمومية.

ندوة علمية تناقش توازنات قانون المالية 2027

احتضن مركز دراسات الدكتوراه بكلية الاقتصاد والتدبير بفاس، يوم الأربعاء 4 نونبر 2026، ندوة علمية بعنوان “البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية 2027: أي توازن بين النجاعة الاقتصادية والاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية؟”. وشهد اللقاء مشاركة واسعة من باحثين وأكاديميين ومهتمين بالسياسات المالية والاقتصادية.

نُظمت الندوة بمبادرة مشتركة من شعبة الاقتصاد وتدبير المنظمات وشعبة التدبير، ومختبرات ERMOT وLIREFIMO وLIRDEFE، بالتعاون مع منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية. وهدفت إلى تحليل التوجهات المالية للحكومة ومدى قدرتها على إيجاد التوازن الدقيق بين متطلبات النمو الاقتصادي، الانضباط الميزانياتي، والإنصاف الاجتماعي والمجالي.

السياسة الضريبية: مفارقات وتحديات العدالة

في مداخلة قيمة تناولت السياسة الضريبية من زاوية الاقتصاد السياسي، سلط الأستاذ محمد النميلي الضوء على ما وصفه بـ”مفارقات” مشروع قانون المالية. وأشار إلى أن التخفيضات المرتقبة في الضريبة على الدخل تحظى بتغطية إعلامية واسعة، كونها تُقدم كإجراءات داعمة للقدرة الشرائية، في حين يقل الاهتمام بزيادات بعض الضرائب غير المباشرة التي قد تنعكس سلباً على أسعار الاستهلاك.

ولفت النميلي إلى أن المشروع يتوقع ارتفاع مداخيل الضريبة على الدخل بنحو 11%، على الرغم من إجراءات التخفيض، إلى جانب زيادة حصيلة الضريبة على القيمة المضافة الداخلية بنسبة 18.26%. وأوضح أن ارتفاع المداخيل الضريبية لا يعني بالضرورة زيادة العبء الجبائي على جميع الملزمين، مشدداً على أهمية التمييز بين الأثر المالي الإجمالي للإجراءات الضريبية وتوزيع أعبائها الفعلية بين مختلف فئات المجتمع.

كما طرح تساؤلات حول رفع الضريبة على شركات استيراد وتوزيع المحروقات من 35% إلى 40%، متسائلاً عما إذا كانت هذه الزيادة ستُمتص من قبل الشركات والمساهمين، أم أنها ستُحوّل جزئياً إلى المستهلكين عبر رفع الأسعار. واعتبر أن العدالة الضريبية يجب أن تُقاس بمدى إنصاف توزيع العبء الجبائي، وليس فقط بحجم التخفيضات المعلنة، داعياً إلى تعزيز شفافية القرارات الضريبية وتقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

نجاعة الاستثمار العمومي: من الإنفاق إلى الأثر

من جانبه، أكد الأستاذ عبد الرزاق الهيري أن التحدي الأكبر الذي يواجه البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يكمن في حجم الاعتمادات المخصصة للقطاعات المختلفة، بل في قدرة هذه الاعتمادات على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة لفائدة المواطنين.

وأوضح أن رفع سقف الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم يفرض تحدياً كبيراً لتحويل هذه الموارد إلى محفز حقيقي للاستثمار الخاص، وإلى رافعة لإحداث فرص شغل قارة ومنتجة، بدلاً من الاكتفاء بتنفيذ المشاريع دون قياس أثرها التنموي الفعلي. وشدد الهيري على ضرورة ضمان استدامة المالية العمومية من خلال التحكم الصارم في العجز والمديونية، وتحسين مردودية الإنفاق العام، مع الحفاظ على الاستثمارات الاجتماعية الحيوية، خاصة في قطاعات التعليم والصحة ودعم القدرة الشرائية للمواطنين. ودعا إلى ربط الميزانيات بمؤشرات الأداء الواضحة، وإخضاع المشاريع لتقييم منتظم، إلى جانب تعزيز الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كفاءة الإنفاق العمومي: صواب الاختيارات قبل حجمها

وفي سياق متصل، اعتبر الدكتور أنور الأشقم أن النجاعة المالية تتجاوز مجرد قدرة الدولة على إنفاق الموارد وتحقيق المؤشرات المبرمجة. وأوضح أنها تشمل بالأساس مدى صواب الاختيارات التي توجه هذا الإنفاق، ومدى توافقها مع الأولويات التنموية الحقيقية.

وحذر الأشقم من إمكانية أن تنجح بعض البرامج الحكومية في تحقيق أهدافها التقنية والميزانياتية دون أن تنجح في معالجة الاختلالات البنيوية العميقة في المجتمع. ودعا إلى تحول نوعي في منهجية التقييم، من قياس الأداء الميزانياتي إلى تقييم الأثر المجتمعي الشامل للسياسات العمومية.

العدالة المجالية: دعوات لإعادة توجيه الاستثمارات

وفي مداخلة حول التوازنات المالية والعدالة الاجتماعية، دعا الأستاذ أمين السعيد إلى مراجعة شاملة لطريقة توزيع الاستثمارات العمومية. واقترح إعطاء الأولوية للجهات والأقاليم والعمالات الأكثر هشاشة، بناءً على مؤشرات موضوعية تأخذ بعين الاعتبار التفاوتات الاجتماعية والمجالية الحادة.

واعتبر السعيد أن تحقيق الإنصاف المجالي يتطلب تجاوز النماذج التقليدية لتوزيع الاستثمارات، ومراجعة الإطار القانوني للاستثمار بما يعزز فعالية المنح الموجهة إلى المناطق المهمشة. كما اقترح مراجعة القانون التنظيمي للجهات لمعالجة التفاوتات التنموية داخل الجهة الواحدة، وضمان حد أدنى من التنمية لكل عمالة وإقليم، مع تعزيز التنسيق بين صناديق التضامن والتأهيل الاجتماعي والتنمية القروية.

ونبه السعيد إلى أن الاستثمار في البنيات التحتية يظل محدود الأثر إذا لم يواكبه توفير الموارد البشرية والكفاءات الضرورية لتشغيلها وصيانتها. ودعا إلى مراجعة أنظمة الأجور والتعويضات، وإقرار تحفيزات خاصة لفائدة الأطر العاملة بالمناطق النائية والجبلية والمهمشة، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والهندسة. وفيما يتعلق بالبرنامج الحكومي، طالب بإرساء عرف سياسي وأخلاقي يضمن الوفاء بالالتزامات الانتخابية، مع مراجعة القانون التنظيمي لقانون المالية بما يسمح بمراعاة الوضعية الخاصة للحكومات الجديدة خلال السنة الأولى من ولايتها.

المقتضيات الجمركية: بين التدابير الاستعجالية والآثار طويلة الأمد

في قراءة نقدية للمقتضيات الجمركية ضمن مشروع قانون المالية، استعرض الأستاذان محمد رضى الرويجل وعبد المجيد الوعثماني عدداً من التدابير المتعلقة برسوم استيراد اللحوم الحمراء والأعلاف الحيوانية وأعلاف الأحياء المائية وبعض الأجهزة الطبية.

كما تناولا التعديلات المرتبطة بالضرائب الداخلية على الاستهلاك، خاصة تلك المتعلقة بالتبغ والسجائر الإلكترونية والمشروبات الكحولية والغازية، وما تطرحه من رهانات صحية ومالية. وسجل المتدخلان أن العديد من الإجراءات التي اعتُمدت في البداية كتدابير استعجالية تحولت إلى ترتيبات دائمة دون إرساء آليات واضحة لتقييم نتائجها أو مراجعتها.

وحذرا من التداعيات المحتملة لبعض التدابير الجمركية على الإنتاج الوطني والأسعار، ومن مخاطر تنامي الغش والتهريب، فضلاً عن تراجع وضوح التعريفة الجمركية. كما أثارا غياب إجراءات مباشرة لخفض أسعار المحروقات، داعيين إلى إخضاع التدابير المقترحة للتتبع والتقييم المستمر، بما يضمن تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المعلنة.

نقاشات مستفيضة وتوصيات هامة

شهدت الندوة، التي أدار جلستها العلمية الأستاذ فؤاد بلحاج، مدير مختبر LIRDEFE، نقاشاً مفتوحاً وبناءً بين الباحثين والأساتذة والطلبة. وتمحورت النقاشات حول مدى واقعية الفرضيات التي بُني عليها مشروع قانون المالية، ومدى انسجام مقتضياته مع الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي.

وأثار المشاركون تساؤلات جوهرية بشأن جدوى رفع الاستثمار العمومي من 380 إلى 400 مليار درهم في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومدى فعالية آليات التمويل المبتكر المعتمدة بالمغرب. كما ناقشوا إشكالية الانتقال من صندوق أو برنامج عمومي إلى آخر دون تقييم شامل لحصيلة البرامج السابقة، أو قياس النتائج المحققة مقارنة بالاعتمادات المالية التي استهلكتها.

كلمات افتتاحية تؤكد أهمية الحوار

في الكلمات الافتتاحية، أكد عميد كلية الاقتصاد والتدبير بالنيابة، المصطفى مرابطي، على الأهمية البالغة لتنظيم مثل هذه اللقاءات العلمية لمواكبة النقاش العمومي بشأن السياسات الاقتصادية والمالية. من جانبه، أوضح عثمان المودن، رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، أن المنتدى دأب على تنظيم ندوات لمناقشة البرامج الحكومية ومشاريع قوانين المالية، في إطار رسالته الرامية إلى تعميم المعرفة المالية منذ تأسيسه سنة 2014. وكشف أن هذا اللقاء يشكل محطة تمهيدية للنسخة الثانية عشرة من القافلة التواصلية لقانون المالية، التي يعتزم المنتدى تنظيمها عقب التصويت على المشروع. بدورها، أكدت سميرة توات، مديرة مختبر ERMOT، على أهمية انفتاح المؤسسة الجامعية على النقاشات المرتبطة بالسياسات العمومية، وتعزيز الشراكة مع منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، بما يتيح للأساتذة والطلبة المساهمة الفعالة في تحليل الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *