تستعد جمهورية مصر العربية لاستقبال الرئيس الصيني شي جينبينغ يوم الثلاثاء في زيارة دولة تستمر لثلاثة أيام، وهي الأولى له إلى القاهرة منذ عام 2016. تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الأهمية، متزامنة مع الاحتفال بمرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الصديقين، وتؤكد على عمق الروابط الاستراتيجية المتنامية بينهما.
تعزيز الشراكة الاستراتيجية
تتزايد أهمية العلاقات المصرية الصينية على الصعيد الاقتصادي بشكل ملحوظ، مدفوعة بنمو التبادل التجاري والتوسع الملحوظ للشركات الصينية في السوق المصرية. ويستمر التعاون الثنائي في مشاريع البنية التحتية الحيوية، وقطاعات الصناعة والطاقة والنقل، مما يعكس رؤية مشتركة للتنمية والازدهار.
من المقرر أن يجري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مباحثات قمة مع نظيره الصيني خلال الزيارة المرتقبة، بهدف استكشاف سبل جديدة لتعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين في مختلف المجالات. وفي إطار التحضيرات المكثفة لهذه الزيارة، عقد رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، اجتماعاً موسعاً لمراجعة الترتيبات النهائية، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين المعنيين، حيث تم استعراض مجالات التعاون القائمة والمشاريع المشتركة، فضلاً عن الفرص الاستثمارية والمشاريع المستقبلية المقترحة للتعاون مع الجانب الصيني.
أبعاد متعددة للزيارة
في تصريح خاص لـ CNN بالعربية، أكد السيد مصطفى إبراهيم، نائب رئيس مجلس الأعمال المصري الصيني، أن زيارة الرئيس الصيني تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية وعسكرية متعددة، ومن المتوقع أن تشهد توقيع اتفاقيات جديدة في مجالات اقتصادية واستثمارية متنوعة.
تتزامن الزيارة مع استمرار فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك “نسور الحضارة”، بمشاركة وحدات من القوات الجوية لكلا البلدين، مما يبرز التنامي في التعاون العسكري بين القاهرة وبكين، جنباً إلى جنب مع العلاقات الاقتصادية والسياسية المزدهرة.
وأوضح إبراهيم أن أجندة المباحثات قد تتضمن مشروعات ذات جدوى اقتصادية عالية، وشراكات استثمارية، وتمويلات محتملة باليوان الصيني، بالإضافة إلى استكشاف آفاق جديدة للتعاون في مجالات مبتكرة كالذكاء الاصطناعي، وذلك في ظل التوسع المستمر للشركات الصينية في السوق المصرية.
الاستثمارات الصينية في مصر: نمو وتنوع
تُقدر الاستثمارات الصينية في مصر بنحو 10 مليارات دولار أمريكي، وقد بلغ عدد الشركات الصينية العاملة في السوق المصرية حوالي 3971 شركة حتى نهاية يونيو/ حزيران من العام الجاري، منها 357 شركة تأسست خلال النصف الأول من العام نفسه.
وأشار إبراهيم إلى أن الاستثمارات الصينية شهدت توسعاً ملحوظاً في الفترة الأخيرة، مقدراً حجم الاستثمارات التي دخلت مصر العام الماضي بنحو 4 مليارات دولار، مع استهداف تحقيق مستوى مماثل خلال العام الجاري.
يتركز جزء كبير من هذه الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وبخاصة منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية الصينية “تيدا” في العين السخنة، التي تحتضن أكثر من 200 مشروع صناعي وخدمي ولوجستي بإجمالي استثمارات تقارب 3.8 مليار دولار. ولفت إبراهيم إلى أن “تيدا” تشهد طلباً متزايداً على الأراضي الصناعية، حيث اكتملت المنطقة الأولى، وحصلت المنطقة على مساحة إضافية تبلغ حوالي مليون متر مربع، مع خطط للتوسع بنحو 7 ملايين متر مربع في مرحلة لاحقة.
تتميز الاستثمارات الصينية في مصر بطابعها الإنتاجي، حيث تركز على إنشاء المصانع وخطوط الإنتاج بدلاً من الاستحواذ على شركات قائمة، مما يعزز القاعدة الصناعية المصرية. وتشهد الشركات الصينية توسعاً في قطاعات حيوية مثل السيارات، والهواتف، والإلكترونيات، وغيرها من الصناعات الواعدة.
من أبرز المشاريع الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مجمع شين فينج باستثمارات تصل إلى 1.65 مليار دولار، ومصنع سايلون للإطارات باستثمارات تتجاوز مليار دولار، ومصنع لونج مارش للإطارات بنحو 190 مليون دولار، بالإضافة إلى مشروع China Glass لإنتاج الزجاج باستثمارات مستهدفة تبلغ 500 مليون دولار. وفي قطاع السيارات، تشمل الاستثمارات الصينية مشاريع مرتبطة بشركات MG وسايك موتور وجيتور وGAC، إلى جانب مشاريع للتجميع والتصنيع. كما توسعت شركات صينية أخرى في تصنيع الهواتف والإلكترونيات والأجهزة المنزلية والطاقة والصناعات الكيماوية والمعدنية.
وأكد إبراهيم أن التنوع في القدرات الصناعية والتكنولوجية الصينية يمنح مصر فرصة فريدة لتوطين صناعات متعددة ونقل جزء من التكنولوجيا والخبرات، خاصة وأن المنتجات المصنعة محلياً يمكنها الاستفادة من شبكة الاتفاقيات التجارية التي تربط مصر بالعديد من الأسواق الإقليمية والدولية.
تطورات التجارة البينية
على صعيد التبادل التجاري، شهدت الصادرات المصرية إلى الصين ارتفاعاً ملحوظاً لتصل قيمتها إلى 840.8 مليون دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بـ 280.5 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، مسجلة زيادة بنسبة 199.8%. في المقابل، ارتفعت الواردات المصرية من الصين إلى 10.4 مليار دولار، مقابل 9.1 مليار دولار، بزيادة قدرها 14.3%. وبذلك، ارتفع إجمالي التبادل التجاري بين البلدين إلى 11.3 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة بـ 9.3 مليار دولار في الفترة المماثلة من العام الماضي، بزيادة بلغت 21.5%.
تصدرت الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها قائمة أهم الصادرات المصرية إلى الصين بقيمة 494 مليون دولار، تلتها الخضروات والفواكه بقيمة 150.6 مليون دولار، ثم القطن والألياف النسجية النباتية بقيمة 76.4 مليون دولار، وفوسفات الكالسيوم الطبيعي بقيمة 31 مليون دولار، والمنتجات الكيماوية العضوية وغير العضوية بقيمة 21 مليون دولار.
أما الواردات المصرية من الصين، فقد استحوذت الآلات والأجهزة الكهربائية والآلية على النصيب الأكبر بقيمة 4.1 مليار دولار، تلتها السيارات والجرارات والدراجات بقيمة 1.2 مليار دولار، ثم الحديد والصلب ومصنوعاته بقيمة 930.7 مليون دولار، واللدائن ومصنوعاتها بقيمة 524 مليون دولار، والمنتجات الكيماوية العضوية وغير العضوية بقيمة 423.7 مليون دولار.
وعلى الرغم من نمو الصادرات المصرية، يرى إبراهيم أن قيمتها لا تزال بحاجة إلى الزيادة بالنظر إلى حجم السوق الصينية الهائل. وأشار إلى أن الصين أتاحت منذ مايو من العام الجاري إعفاءً جمركياً لصادرات 33 دولة إفريقية، من بينها مصر، معتبراً هذه الخطوة فرصة ذهبية أمام الشركات المصرية لتعزيز صادراتها إلى السوق الصينية. وأكد أن الاستفادة القصوى من هذه الفرصة تتطلب تحركاً أكبر من الشركات المصرية وزيادة قدرتها التنافسية وتلبية احتياجات السوق الصينية، بالإضافة إلى استغلال الاتفاقيات التجارية التي تتيح للمنتجات المصنعة في مصر الوصول إلى أسواق إقليمية ودولية.
ويرى إبراهيم أن حجم التجارة بين البلدين، الذي يتجاوز 20 مليار دولار سنوياً وفق تقديراته، يفتح مجالاً واسعاً لتوسيع استخدام العملات المحلية في تسوية بعض المعاملات التجارية. وأضاف أن انضمام مصر إلى تجمع بريكس يمكن أن يساهم في تفعيل هذا النوع من التعاملات بشكل أكبر، مما يقلل جزئياً من الاعتماد على الدولار، خاصة في بعض الواردات والمعاملات التجارية الثنائية.
مبادرة الحزام والطريق والبنية التحتية
في إطار العلاقات الاقتصادية المتشعبة، تشارك مصر والصين بفاعلية في مبادرة الحزام والطريق، التي تكتسب أهمية خاصة للقاهرة نظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي وقناة السويس، التي تُعد أحد الممرات الرئيسية للتجارة العالمية. وأوضح إبراهيم أن مصر تشارك في المبادرة منذ سنوات، وأن موقعها يمكن أن يعزز دورها المحوري في حركة التجارة والاستثمارات المرتبطة بها، خاصة في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.
يبرز التعاون الصيني أيضاً في مشروعات البنية التحتية الضخمة، وفي مقدمتها منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، التي تتولى تنفيذها شركة CSCEC الصينية. يضم المشروع 20 برجاً، من بينها البرج الأيقوني الذي يرتفع إلى 385.8 متر. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى من المشروع حوالي 505 آلاف متر مربع، بإجمالي مساحة بنائية تقارب 1.7 مليون متر مربع، وتقدر قيمة المشروع بنحو 3 مليارات دولار.
كما وافقت مصر على قرض ميسر بقيمة 200 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع سكة حديد مدينة العاشر من رمضان. وفي المجال التجاري والمالي، دخل اتفاق إعفاء الصادرات المصرية من التعريفة الجمركية إلى الصين حيز التنفيذ في مايو/ أيار من العام الجاري ويستمر حتى مايو من العام المقبل، فيما جرى تمديد اتفاق مبادلة العملات بين مصر والصين لمدة ثلاث سنوات.
وفي ملف الذكاء الاصطناعي، أشار إبراهيم إلى أن دخول شركات صينية كبرى في استثمارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية يمكن أن يدعم نمو هذا القطاع الواعد في مصر ويعزز قدرتها على جذب استثمارات تكنولوجية جديدة، وذلك في ظل المنافسة الدولية المتزايدة على إنشاء مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
الأبعاد السياسية والإقليمية
على الجانب السياسي، أكد السفير علي الحفني، سفير مصر الأسبق لدى الصين ونائب رئيس جمعية الصداقة المصرية الصينية والأمين العام للمجلس المصري للشؤون الخارجية، أن زيارة الرئيس الصيني تمثل زيارة دولة رفيعة المستوى، مما يتيح للرئيسين فرصة لإجراء مشاورات معمقة بشأن الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وأوضح الحفني أن من بين هذه الملفات الأوضاع المتوترة في المنطقة، بما في ذلك الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة، والوضع في مضيق هرمز والتهديدات المرتبطة بباب المندب، وأمن واستدامة الملاحة البحرية والتجارة الدولية واضطراب سلاسل الإمداد، إلى جانب تطورات الأوضاع في ليبيا والسودان والقرن الإفريقي ولبنان، وبصفة خاصة القضية الفلسطينية التي تحظى باهتمام بالغ.
واختتم السفير الحفني تصريحاته بالقول إن الزيارة تحمل رسالة واضحة بشأن استمرار دفع العلاقات المصرية الصينية في مختلف المجالات، خصوصاً بعد رفع مستوى العلاقات بين البلدين إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وأضاف أن التعاون الاقتصادي يمثل هدفاً أساسياً للزيارة، مع التركيز على أهمية زيادة الاستثمارات وتوطين الصناعة وخفض فاتورة العملة الصعبة وتعزيز الصادرات المصرية. كما أشار إلى أن التعاون العسكري بين البلدين يشهد استمراراً ملحوظاً، بالتزامن مع فعاليات التدريب المشترك الجارية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا


اترك التعليق