دعا المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، قادة الدول الإسلامية، لا سيما في الشرق الأوسط والخليج، إلى توحيد الصفوف لمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. جاءت هذه الدعوة، التي نشرتها وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا”، بعد ستة أشهر من الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي أودت بحياة والده، المرشد السابق علي خامنئي، وأصابت مجتبى بجروح وصفتها مصادر مقربة من دائرته الداخلية لرويترز بأنها كانت خطيرة.
دعوة للوحدة في ظل التوترات الإقليمية
في رسالته التي أصدرها بمناسبة أسبوع الوحدة الإسلامية، أكد خامنئي على ضرورة أن “يعرف قادة دول المنطقة العدو الحقيقي ويفهموا مخططاته ويتصدوا لها”، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، وفقاً لـ”إرنا”. وأضاف أن واشنطن وتل أبيب لا تعاديان الجمهورية الإسلامية و”محور المقاومة” فحسب، بل تستهدفان جميع الدول الإسلامية في غرب آسيا وشمال أفريقيا، حتى تلك التي تقيم علاقات تعاون معهما.
كما جدد المرشد الأعلى دعوته للوحدة الداخلية في إيران، حاثاً الإيرانيين على نبذ الخلافات. وتعد هذه الرسالة الثانية التي يصدرها خلال أيام قليلة للتشديد على التماسك الداخلي، حيث كان قد حذر في رسالة سابقة بتاريخ 28 أغسطس/آب من الخطاب الذي قد يؤدي إلى الانقسام الاجتماعي، بحسب وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية.
خلفية التوترات الإيرانية الخليجية
تأتي رسالة خامنئي في أعقاب أشهر من التوتر الشديد بين إيران ودول الخليج، بعد استهداف طهران لقواعد عسكرية أمريكية ومواقع أخرى في المنطقة خلال الحرب. ورغم محاولات السعودية وقطر وعُمان، قبل اندلاع الحرب، إقناع واشنطن بعدم مهاجمة إيران، وتأكيد ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أن بلاده لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في أي عمل عسكري ضد طهران، إلا أن إيران ردت على الضربات الأمريكية والإسرائيلية بهجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة طالت الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، وفقاً لتحقيق أجرته رويترز.
لم تقتصر هذه الهجمات على القواعد الأمريكية، بل استهدفت أيضاً مطارات ومنشآت نفطية ومواقع مدنية، مما أثار غضباً واسعاً في الخليج. ووصف رئيس الوزراء القطري التحركات الإيرانية بأنها “خيانة”، مؤكداً أنها جاءت رغم تأكيد دول الخليج حيادها. كما صرح وزير الخارجية السعودي بأن الثقة بطهران “تحطمت”، وأن بلاده تحتفظ بحق اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقد أدت القيود الإيرانية كذلك إلى تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، مما عطل صادرات الطاقة والتجارة في المنطقة.
تجدد التوتر في أغسطس/آب عندما حذرت إيران من احتمال استهداف منشآت الطاقة الخليجية إذا شنت الولايات المتحدة هجمات جديدة على أراضيها. وبعد رصد صاروخين قالت أبوظبي إنهما أطلقا من إيران، علقت الإمارات جميع الأنشطة التجارية والمعاملات المالية مع طهران حتى إشعار آخر.
تحول في الخطاب أم استمرارية؟
على الرغم من التوترات، لم تتوقف قنوات الاتصال، حيث واصلت عُمان وقطر جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، خاصة في المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز. وبالمقارنة مع التهديدات الإيرانية السابقة، حملت رسالة خامنئي الأخيرة لهجة أكثر ميلاً إلى التعاون مع دول الخليج، داعياً قادتها إلى الوقوف مع طهران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، لم تتضمن الرسالة أي إشارة إلى الهجمات الإيرانية السابقة على دول الخليج، ولم تقدم مبادرة عملية لإصلاح العلاقات، بل حملت انتقاداً ضمنياً لاستمرار تعاون بعض دول المنطقة مع واشنطن.
صعود مجتبى خامنئي وغيابه عن المشهد العام
تولى مجتبى خامنئي قيادة إيران بعد مقتل والده في الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير/شباط، بحسب وكالة فرانس برس ورويترز. وقد أصيب مجتبى نفسه خلال تلك الضربات، حيث ذكر ثلاثة أشخاص مقربين من دائرته الداخلية لرويترز أن إصاباته شملت الوجه والساقين، وأن وجهه تعرض لتشوه، وهي رواية لم تتمكن الوكالة من التحقق منها بصورة مستقلة، ولم تصدر السلطات الإيرانية أي بيان يوضح طبيعة إصاباته.
اُختير مجتبى خامنئي مرشداً أعلى في الثامن من مارس/آذار، بعد ثمانية أيام من اندلاع الحرب، في وقت كانت فيه إيران تواجه واحدة من أخطر الأزمات السياسية والعسكرية منذ ثورة عام 1979. وقبل الحرب، كان مجتبى يعمل من خلف الكواليس كمساعد بارز لوالده، ونادراً ما ظهر أمام الجمهور. لكن غيابه الكامل عن العلن منذ توليه أعلى منصب في البلاد أصبح أكثر إثارة للجدل، خاصة وأن المرشد الأعلى يمتلك الكلمة الفصل في القضايا السياسية والعسكرية الكبرى.
تساؤلات حول الإدارة الفعلية للبلاد
يعزو مسؤولون إيرانيون غياب خامنئي عن الظهور العلني إلى استمرار تعافيه من إصاباته ومخاوف من محاولات الولايات المتحدة أو إسرائيل استهدافه مجدداً. وقال مسؤول إيراني رفيع لرويترز إن عدداً محدوداً فقط من المسؤولين يتواصلون معه مباشرة، وأن السلطات لا تنشر تفاصيل عنه خشية تسرب معلومات قد تساعد الولايات المتحدة على تحديد مكانه. ونقلت الوكالة عن مصدر مقرب من دائرته الداخلية قوله إن حالته الصحية تتحسن بصورة ملحوظة، وإنه لا يزال متيقظاً ومشاركاً في صنع القرار.
ومع ذلك، لم تقدم السلطات أي معلومات طبية علنية عن حالته، ولم تنشر أي صورة أو تسجيل صوتي أو مصور حديث له منذ تعيينه، بحسب وكالة فرانس برس ورويترز. كما غاب خامنئي عن مراسم تشييع والده، ولم يخاطب الإيرانيين إلا من خلال بيانات مكتوبة تتلى عبر وسائل الإعلام الرسمية.
يؤكد عدد من المسؤولين والمصادر الإيرانية لرويترز أن خامنئي لا يزال صاحب القرار النهائي في القضايا الكبرى، وأنه يعقد اجتماعات منتظمة مع كبار المسؤولين ويتلقى تقارير عن الحرب والاقتصاد والسياسة الخارجية. وقد صرح الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في العاشر من أغسطس/آب، بأنه عقد اجتماعاً مع خامنئي استمر سبع ساعات. ويشير مسؤول إيراني إلى أن استمرار عمل مؤسسات الدولة ووحدة مواقفها في السياسة الخارجية يدلان على أن المرشد لا يزال يدير البلاد.
لكن غياب أي دليل علني مستقل يؤكد طبيعة مشاركة خامنئي في هذه الاجتماعات أو مدى دوره في اتخاذ القرارات، قد أثار شكوكاً بين الإيرانيين، بمن فيهم بعض مؤيدي النظام. ونقلت رويترز عن عضو في قوات الباسيج قوله إن سماع صوت المرشد أو رؤية ما يثبت وجوده سيعززان الثقة بقيادة البلاد. كما شكك رجل أعمال إيراني مؤيد للإصلاح في الرواية الرسمية، قائلاً إنه لا يوجد ما يثبت أن خامنئي لا يزال حياً أو مشاركاً في اتخاذ القرارات.
كيف تدار إيران في ظل غيابه عن العلن؟
وفقاً لرويترز نقلاً عن مصادر إيرانية، فوض خامنئي صلاحيات واسعة لإدارة الشؤون اليومية إلى مجموعة من كبار المسؤولين، مع احتفاظه بالكلمة الفصل في القرارات الاستراتيجية. وتضم دائرة الحكم العليا قادة بارزين في الحرس الثوري، إلى جانب الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ومسؤولين في المجلس الأعلى للأمن القومي.
وتشير رويترز إلى أن نفوذ الحرس الثوري تعزز بشكل كبير منذ اندلاع الحرب، وأصبح أكثر حضوراً في عملية صنع القرار ضمن منظومة الحكم التي أعيد ترتيبها حول المجلس الأعلى للأمن القومي. ويتفق هذا مع تقديرات مراكز أبحاث مثل مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومنتدى الخليج الدولي، التي أشارت إلى أن إدارة البلاد باتت أكثر جماعية، مع تنامي نفوذ الحرس الثوري في القرارات الاستراتيجية.
في مقال تحليلي نشرته مؤسسة كارنيغي، كتب الباحث محمد آية اللهي تبار أن الحكم في إيران لا يمكن اختزاله في شخص واحد أو مجموعة صغيرة، وأن القرارات تصدر عن شبكة واسعة من المؤسسات والقادة، ويعكس بعضها توافقاً بين المرشد وكبار قادة الحرس الثوري. ويرى أليكس فاتانكا، من معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن استمرار غياب خامنئي قد يسمح لمراكز القوى المتنافسة داخل النظام بالادعاء أن مواقفها تعكس إرادة المرشد.
تحديات تواجه القيادة الإيرانية
تأتي رسالة خامنئي في وقت تواجه فيه إيران تداعيات ستة أشهر من الحرب والعقوبات الأمريكية والقيود المفروضة على صادراتها النفطية. ورغم أن النظام السياسي حافظ على تماسكه خلال هذه الفترة، بالرغم من مقتل المرشد السابق وعدد من كبار القادة، ولا تزال إيران تمتلك القدرة على تعطيل إمدادات الطاقة وضرب أهداف أمريكية وأخرى تابعة لحلفاء واشنطن في المنطقة، إلا أن الاقتصاد الإيراني يشهد تدهوراً ملحوظاً.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا


اترك التعليق