دلالات التصريحات الإيرانية الجديدة
على الرغم من الخطاب الإيراني المعتاد الذي ينتقد الولايات المتحدة، حملت تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، من العاصمة العراقية بغداد، إشارات سياسية تتسم بمرونة أكبر مما قد يوحي به ظاهرها. قاليباف، الذي يُنظر إليه كشخصية محورية في ملف التفاوض مع واشنطن، ربط بين مساري الأمن والاقتصاد، في وقت تتزايد فيه الشكاوى الرسمية الإيرانية من وطأة الأزمة الاقتصادية. هذا الربط يشير إلى أن التفاوض يُعد أداة حيوية لإدارة المصالح، وقد يستلزم تقديم تنازلات مدروسة تفرضها موازين القوى الراهنة.
الحراك اللبناني: زيارة روما وأبعادها
تكتسب هذه الإشارة الإيرانية أهمية خاصة في ظل مناخ إقليمي يشهد إعادة ترتيب لأوراق التفاوض. بالتوازي مع ذلك، جاءت زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية إلى إيطاليا، والتي تبدو مختلفة في ظاهرها لكنها عميقة الصلة في جوهرها. فالزيارة لا تهدف بالضرورة إلى دفع المفاوضات نحو جولة جديدة بأي ثمن، بل تسعى إلى ترسيخ الآلية التي تضمن استمرارية المسار التفاوضي برمته. يتجلى ذلك في محاولة دفع إيطاليا لتولي دور أكثر مركزية في آلية التحقق، والاستفادة من دعم الفاتيكان لتحقيق هذا الهدف. ويبدو أن زيارة روما تمثل محاولة لضخ دماء جديدة في نموذج المناطق التجريبية، الذي يواجه تعقيدات وتحديات تهدد قدرته على تحقيق تقدم ملموس، مما يسمح بإدارة الوقت بفاعلية بدلاً من استنزافه، ريثما تتهيأ ظروف سياسية وميدانية أكثر ملاءمة.
سيناريوهات تجميد المفاوضات مع إسرائيل
في الكواليس، تُطرح سيناريوهات حول تجميد المفاوضات مع إسرائيل. ويستند هذا التقدير إلى قناعة لدى بعض الأطراف بأن صيغة «اتفاق الإطار» قد استنفدت هامشها التفاوضي، وأن استمرارها يواجه صعوبات جدية ناجمة عن عوامل تتجاوز لبنان. هذه العوامل تشمل تصلب موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته، بالإضافة إلى مواقف قوى عربية وإقليمية لا تنظر بعين الرضا إلى وتيرة المفاوضات، وترى أن تطويرها يتطلب ظروفاً سياسية لم تنضج بعد. في هذا السياق، يمكن فهم مواقف كتلة «الوفاء للمقاومة» التي تدعو إلى الانسحاب من المفاوضات، والتي تبدو متناغمة مع هذا المناخ وتتقاطع مع أصوات نيابية أخرى تتماهى معها.
الفرق بين الانسحاب والتجميد: استراتيجية بيروت
لكن الانسحاب يختلف عن التجميد، ولكل خطوة تداعياتها وأثمانها. فالانسحاب يعني التخلي الكامل عن المسار التفاوضي، بينما التجميد يعني إبقاء طاولة المفاوضات قائمة، وشراء الوقت حتى تتضح صورة الانتخابات الإسرائيلية، وتتبلور التوازنات الإقليمية التي يعاد تشكيلها على وقع الصراع مع إيران. ومن الأهداف الرئيسية للمفاوضات كان إخراج الورقة اللبنانية من يد المفاوض الإيراني، وقد سعى «اتفاق الإطار» إلى تثبيت فصل المسارات، مع تضمين ورقة لطهران، وهي «الخلية السويسرية»، التي كانت في الأصل بلا رصيد سياسي، ولذلك سرعان ما فقدت فعاليتها. وبالتالي، فإن تجميد المفاوضات، أو إدخالها في مرحلة مراوحة محسوبة، قد يكون أكثر فائدة من الانسحاب، لأنه يبقي الورقة اللبنانية في يد الدولة، ويمنع تحول التوقف إلى فراغ يمكن أن تملأه إيران.
التحديات والأسئلة المطروحة
من هنا، تتضح أهمية محاولة روما. فلبنان قادر على إبداء مرونة دبلوماسية دون تقديم أي تنازلات إضافية، وتحويل المراوحة إلى أداة لإدارة الوقت. غير أن هذه المعادلة لا تخلو من الأثمان. حتى اللحظة، ما زالت واشنطن تضغط باتجاه الالتزام باتفاق الإطار، بينما تبقى آلية التحقق والمناطق التجريبية من أبرز التحديات والعقد المستمرة. إزاء هذه العوامل، تتزاحم الأسئلة: هل سيجمد لبنان المفاوضات مع إسرائيل دون إعلان رسمي؟ أو هل سيُدخل الرئيس جوزاف عون تعديلاً على استراتيجيته التفاوضية يترك المسار في حالة مراوحة محسوبة ريثما تتضح الصورة أكثر؟ وما هو الثمن المطروح على الطاولة مقابل خطوة من هذا القبيل؟ ومن يدفعه ومن يقبضه؟ ومن يملك الوقت ومن يحدد وظيفته السياسية؟ والأهم، ما هو موقف أميركا، راعية المفاوضات وعرابتها؟
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق