صورة توضيحية للبرلمان المغربي أو قادة حزب العدالة والتنمية
السياسة

العدالة والتنمية: هل يستحق الحزب فرصة ثالثة لقيادة الحكومة المغربية؟

حصة
حصة
Pinterest Hidden

يُعدّ طموح حزب العدالة والتنمية للعودة إلى قيادة الحكومة المغربية حقًا مشروعًا، كما يحق لأنصاره الدفاع عن تجربته وتقديم رؤيتهم الخاصة لمرحلة حكمه. إلا أن هذا الطموح لا يمنح الحق لأي طرف بمطالبة المغاربة بمحو ذاكرتهم السياسية. فالحزب لم يكن محرومًا من فرصة تدبير الشأن العام، بل قاد الحكومة لولايتين كاملتين، امتلك خلالهما الصلاحيات الوزارية والأغلبية البرلمانية والقرار السياسي الذي مكّنه من تنزيل اختياراته.

لذلك، فإن أي حديث اليوم عن عودته ينبغي أن ينطلق من تقييم حصيلة هاتين الولايتين، لا من مجرد إعادة تدوير الشعارات أو التركيز على القضايا الأيديولوجية والقومية أو العزف على وتر الدين.

تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم: حصيلة وتحديات

وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بخطاب سياسي محدد، ارتكز على محاربة الفساد والريع، والدفاع عن الطبقة المتوسطة والفئات البسيطة. لكن الانتقال من موقع المعارضة إلى سدة الحكم كشف، كما هو الحال غالبًا، الفارق بين الخطاب الذي يرفع سقف التوقعات وواقع دولة لها التزاماتها وإكراهاتها وحساباتها المالية والاجتماعية المعقدة. وهنا تحديدًا تبرز تساؤلات جوهرية لا يمكن لأي حملة انتخابية أن تتجاهلها.

إصلاحات المقاصة: بين إنقاذ الخزينة وتأثيرها على المواطن

يُعتبر إصلاح صندوق المقاصة أحد أبرز الملفات التي شهدتها فترة حكم الحزب. فقد دافع رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، عن هذا القرار باعتباره إصلاحًا ضروريًا أنقذ مالية الدولة ووضع حدًا لاستفادة جهات من دعم لم تكن تستحقه. وحتى إذا سلّمنا بضرورة إصلاح منظومة المقاصة، يبقى السؤال الجوهري الذي يشغل بال المواطن بسيطًا ومباشرًا: ماذا عن قدرته الشرائية؟ هل شهدت تحسنًا بعد هذا الإصلاح؟ وهل تحولت الوفورات المالية المحققة إلى برامج حماية اجتماعية تعوض الأعباء التي تحملها المواطن؟ أم أن الدولة خففت من أعبائها، بينما انتقلت فاتورة الإصلاح، بشكل أو بآخر، إلى المستهلك النهائي؟

هنا يبرز سؤال أكثر إحراجًا: إذا كان بنكيران قد ساهم في إنقاذ خزينة الدولة، فمن يتولى مهمة إنقاذ جيوب المغاربة؟ فالإصلاح المالي لا يُقاس فقط بما يوفره للخزينة العامة، بل أيضًا بمدى عدالة توزيع كلفته ونتائجه على مختلف شرائح المجتمع. ولهذا السبب، ظل إصلاح المقاصة، على الرغم من مبرراته المالية، محل انتقاد واسع بسبب تأثيره على القدرة الشرائية، خاصة وأن المواطن لم يشعر بعائد ملموس في شكل خدمات محسنة أو حماية اجتماعية أقوى.

إصلاح التقاعد: استدامة الصناديق والكلفة الاجتماعية

الوضع ذاته ينطبق على إصلاح نظام التقاعد. فبينما كان من الممكن تبرير هذا الإصلاح بمبدأ الحفاظ على الاستدامة المالية للصناديق، إلا أن ذلك لا يلغي التساؤل الاجتماعي الأهم: من يتحمل كلفة هذا الإصلاح؟ إن رفع سن التقاعد يعني سنوات عمل إضافية وتأخيرًا في الاستفادة من المعاش، وهي كلفة طبيعية أثارت تحفظات الموظفين، لا سيما وأن حزب العدالة والتنمية وصل إلى الحكومة بخطاب قوي يركز على الدفاع عن الطبقة المتوسطة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ملف الشباب والبطالة: الوعود والواقع

أما الشباب، فقد كان لهم نصيبهم من هذه المفارقات. فالحزب الذي رفع شعار محاربة البطالة وتوسيع فرص الإدماج، وجد نفسه أمام قرارات وإجراءات جعلت ولوج الوظيفة العمومية أكثر تعقيدًا بالنسبة لشرائح واسعة، بينما ظلت البدائل الاقتصادية القادرة على خلق فرص شغل مستقرة دون مستوى التطلعات التي رافقت وصوله إلى الحكم. وهنا أيضًا، لا تكفي النوايا الحسنة أو المبررات التقنية، لأن الناخب يحاسب في نهاية المطاف على النتائج الملموسة.

المفارقة السياسية والأخلاقية: من الحكم إلى المعارضة

إلى جانب الجوانب الاقتصادية، لا يمكن إغفال البعد السياسي والأخلاقي للتجربة، والذي لا يمكن اختزاله في الأرقام. فقد خلّفت مرحلة قيادة بنكيران للحكومة تصريحات ومواقف وسجالات حادة مع الموظفين والخصوم السياسيين. بل إن بعض تصريحاته القديمة، وحتى الحديثة، ظلت حاضرة كلما عاد النقاش حول الإصلاحات وتأثيرها على القدرة الشرائية. المشكلة هنا لا تكمن في اجتزاء تصريح من سياقه أو محاكمة سياسي على جملة عابرة، بل في سؤال أعمق: هل يستطيع السياسي الذي طالب المغاربة بتحمل كلفة الإصلاح أن يعود اليوم ليقدم نفسه كصوت للغاضبين من نتائج تلك الإصلاحات؟

المفارقة تكمن في أن حزب العدالة والتنمية، من موقعه في المعارضة، يستطيع اليوم أن يتحدث بقوة عن غلاء الأسعار والقدرة الشرائية ومعاناة الموظفين والشباب، وأن يلتقط مظاهر الغضب الاجتماعي ويوظفها سياسيًا، بينما تبدو ذاكرة تجربته الحكومية أقل حضورًا في خطابه الحالي. وهنا تحديدًا تصبح المسألة جديرة بالنقاش: هل يجوز لمن كان جزءًا أساسيًا من صناعة المشكلة أن يتحول لاحقًا إلى مستثمر سياسي في نتائج السلطة، دون أن يقدم كشف حساب واضحًا عن المرحلة التي كان فيها شريكًا رئيسيًا في تلك النتائج؟

نحو استعادة الثقة: أسئلة تنتظر الإجابة

لا يطالب أحد حزب العدالة والتنمية بالاعتذار عن كل قرار اتخذه، ولا بإنكار الإصلاحات التي يعتبرها إنجازًا، كما لا ينبغي اختزال تجربته في الإخفاقات وحدها. لكن العودة إلى الحكومة ليست امتيازًا تاريخيًا ولا حقًا مكتسبًا، بل هي ثقة سياسية يمنحها الناخبون لمن يقنعهم بأنه يستحقها. ومن يريد استعادة هذه الثقة، عليه أن يجيب بوضوح وشفافية على تساؤلات جوهرية: ماذا تحقق خلال ولايتي الحكم؟ من استفاد من الإصلاحات؟ ومن تحمل كلفتها؟ وأين أخطأ الحزب؟ والأهم، ما الذي سيفعله بشكل مختلف هذه المرة؟

في عالم السياسة، يمكن للحزب أن يغيّر قياداته وخطابه وبرامجه، لكنه لا يستطيع تغيير ذاكرة الناخبين. وحزب العدالة والتنمية، تحديدًا، لن يعود خلال الاستحقاقات المقبلة بصفحة بيضاء، لأنه سبق أن حكم، واتخذ قرارات مصيرية، ورفع شعارات معينة، ودافع عن اختيارات سياسية، ثم انتقل إلى المعارضة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس هل من حق البيجيدي أن يطمح إلى العودة؟ طبعًا من حقه. السؤال هو: هل أقنع المغاربة بأنه يستحق فرصة ثالثة؟ فالحزب الذي يطمح للعودة إلى كرسي الحكومة، بعد ولايتين كاملتين، عليه أولاً أن يكون مستعدًا للجلوس أمام المغاربة على كرسي المحاسبة. وفي نهاية المطاف، وحدهم الناخبون يملكون الجواب الفصل.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *