التصعيد الإسرائيلي التركي في سوريا
السياسة

رسالة إسرائيلية حازمة من قلب سوريا بعد قصف “أبو الظهور”

حصة
حصة
Pinterest Hidden

رسالة إسرائيلية حازمة من قلب سوريا بعد قصف “أبو الظهور”

بعد ساعات قليلة من غارة جوية إسرائيلية استهدفت مطار “أبو الظهور” في سوريا، ظهر رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، في جنوب سوريا، مؤكداً على رسالة بلاده الواضحة: لن تسمح إسرائيل بتشكيل أي تهديدات عسكرية قرب حدودها. جاءت هذه الخطوة في سياق منع انتشار قوة عسكرية تركية يُعتقد أنها كانت تستهدف التمركز في المنطقة.

الرسالة الإسرائيلية من جنوب سوريا

خلال جولة تفقدية للقوات الإسرائيلية وجنود الاحتياط المنتشرين في جنوب سوريا، أطلق زامير تحذيراً شديد اللهجة. وتأتي هذه الجولة في منطقة تشهد تواجداً عسكرياً إسرائيلياً منذ سقوط نظام الأسد، حيث أقامت إسرائيل نقاطاً عسكرية وتسيّر دوريات على الشريط الحدودي مع محافظة القنيطرة. صرح زامير قائلاً: “نحن نراقب التطورات على الجبهة السورية عن كثب، وعلينا الاستعداد لها. لن نسمح بتمركز قوات معادية على حدودنا، وسنعرف كيف نستخدم قوتنا بدقة في الزمان والمكان المناسبين.”

على الرغم من أن زامير لم يذكر تركيا أو غارة “أبو الظهور” بالاسم، إلا أن توقيت تصريحاته بعد يوم واحد من الهجوم يشير إلى أنها استكمال للرسالة التي حملتها الغارة. وتؤكد هذه الرسالة أن إسرائيل لا تكتفي بمراقبة إعادة بناء الجيش السوري، بل تعتزم استخدام القوة لمنع إدخال أي قدرات تعتبرها مهددة لتفوقها الأمني أو لحرية عمل سلاحها الجوي.

الموقف الإسرائيلي الرسمي

أوضح مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في بيان له أن إسرائيل وسوريا كانتا قد توصلتا إلى تفاهمات سابقة بشأن الحفاظ على الوضع الأمني القائم. واتهم البيان دمشق بانتهاك هذه التفاهمات عبر السماح لقوات تركية بالتمركز في قاعدة جوية قرب حلب. وأشار إلى أن إسرائيل حذرت سوريا مراراً من أن هذا الانتشار سيشكل تهديداً لأمنها، لكن دمشق تجاهلت هذه التحذيرات. وأكد البيان أن إسرائيل “لن تتسامح مع تهديد أمنها”، معرباً عن ترحيبها بالعودة إلى الوضع القائم.

التفاعلات الدبلوماسية والردود السورية والتركية

كشفت وكالة رويترز أن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، رومان جوفمان، أجرى مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، قبل أيام من الغارة، لمناقشة الوجود العسكري التركي في سوريا. من جانبها، أفادت مصادر عسكرية سورية بأن الغارات الإسرائيلية أصابت مدرج المطار ومستودعات مهجورة، وأن الأضرار اقتصرت على الجانب المادي.

رفضت دمشق الرواية الإسرائيلية، ونقلت وسائل إعلام عن مصدر دبلوماسي سوري قوله إنه لا يوجد اتفاق أمني محدد يمنع سوريا من إعادة بناء مؤسساتها العسكرية، وأن إسرائيل نفذت الغارة رغم علمها بعدم وجود قوات أجنبية داخل المطار. وأشارت تقارير إلى أن الغارات جاءت بعد زيارة وفد عسكري تركي إلى مطار أبو الظهور لبحث إعادة تأهيله.

أما أنقرة، فقد اتهمت إسرائيل باستخدام ادعاءات غير صحيحة لتبرير هجمات وصفتها بأنها تنتهك سيادة سوريا ووحدة أراضيها. وأكدت تركيا أنها ستواصل التعاون مع الحكومة السورية لإرساء الأمن والاستقرار، متهمة نتنياهو بانتهاج سياسة توسعية تزعزع استقرار المنطقة قبيل الانتخابات الإسرائيلية.

الموقف الأمريكي والجهود الدبلوماسية

في المقابل، نقلت شبكة “فوكس نيوز” عن مسؤول إسرائيلي قوله إن معلومات استخباراتية “شديدة الحساسية” أُرسلت إلى الولايات المتحدة قبل الغارة، رغم عدم صدور تأكيد أمريكي رسمي مستقل. وتعليقاً على قصف مطار “أبو الظهور”، صرحت الخارجية الأمريكية لـ”الحرة” بأن إدارة ترامب أجرت مناقشات مثمرة تركز على احترام سيادة سوريا واستقرارها، ودعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات الأمنية. وشددت واشنطن على أنها تواصل الانخراط مع إسرائيل وتركيا وسوريا، مؤكدة أن ضبط النفس والحوار يمثلان أفضل سبيل للمضي قدماً.

وانتقد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا ولبنان، توم براك، الضربات، واصفاً إياها بأنها “تصعيد غير ضروري”. وأشار إلى أن حكومة الرئيس السوري، أحمد الشرع، أبدت رغبتها في التوصل إلى تهدئة مع إسرائيل. كما تعمل واشنطن على إنشاء آلية لتجنب المواجهة وتبادل المعلومات بين إسرائيل وسوريا وتركيا.

تحليل الخبراء: طبيعة الوجود التركي والخطوط الحمراء الإسرائيلية

لا يمثل الحضور العسكري التركي في سوريا تطوراً جديداً، فأنقرة تنتشر منذ سنوات في عدد من المواقع شمالي البلاد في إطار مواجهتها لقوات سوريا الديمقراطية. يرى الباحث المساعد في معهد دراسات الأمن القومي، أمل حايك، في تصريحات لـ”الحرة”، أن السؤال الذي يفسر التصعيد الأخير لا يتعلق بمجرد وجود القوات التركية، وإنما باحتمال تغير طبيعة هذا الوجود وتحوله إلى بنية عسكرية أكثر تطوراً. وتنظر تركيا إلى نفسها باعتبارها الشريك الاستراتيجي الأساسي لسوريا الجديدة، وتسعى لمساعدة دمشق في إعادة بناء الجيش والمؤسسات الأمنية. وبحسب حايك، تستطيع إسرائيل التعايش مع وجود تركي محدود في شمال سوريا، لكنها تتحفظ على أي نشر لمنظومات دفاع جوي أو قدرات جوية واستخباراتية يمكن أن تقيد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.

من جانبه، أكد أمير أفيفي، مؤسس حركة “رجال الأمن” ونائب قائد فرقة غزة سابقاً، أن إسرائيل ترفض تمركزاً عسكرياً تركياً نوعياً داخل سوريا، ولا سيما إدخال طائرات مسيّرة أو صواريخ أو قدرات جوية ومنظومات دفاع جوي، إضافة إلى أي قدرات غير تقليدية. وتبنت إسرائيل عقيدة أمنية جديدة بعد السابع من أكتوبر تنص على عدم القبول بنشوء تهديدات على حدودها، وبموجب هذه العقيدة بدأت في تنفيذ ضربات محدودة ومتكررة لرسم خطوطها الحمراء ومنع الخصوم من بناء قدرات استراتيجية، دون الوصول إلى حرب شاملة. واستبعد أفيفي أن يتحول التوتر إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا، واصفاً احتمال ذلك بأنه “منخفض جداً”، بسبب عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي والدور الذي قد تلعبه واشنطن في التهدئة.

الجدل السياسي الداخلي في إسرائيل

امتد الجدل بشأن طريقة التعامل مع تركيا إلى داخل الساحة السياسية الإسرائيلية. ففي خطاب ألقاه أمام مؤتمر “الرؤية الأمنية” لحزب “بيحَد”، انتقد زعيم المعارضة، يائير لبيد، عدم امتلاك الحكومة سياسة واضحة تجاه أنقرة، معتبراً أن تركيا تشكل تحدياً لإسرائيل “خصوصاً في سوريا”. واعتبر لبيد أن الغارة على مطار أبو الظهور كانت “مبررة”، لكنه حذر من الوصول إلى مواجهة مباشرة مع قوة إقليمية، داعياً إلى محاولة خفض مستوى التصعيد وإقامة آلية لإدارة الاحتكاك. ويعتبر هذا التصريح رداً على من رأى أن الدافع وراء الغارة على مطار الظهور هو سياسي داخلي لصالح نتنياهو قبل الانتخابات. وقال لبيد في ذات المؤتمر: “علينا أن نوضح أننا لن نتسامح مع لعب تركيا في ساحتنا الخلفية، لكن علينا أيضاً بناء آلية لإدارة الصراع تمنع كوارث غير ضرورية. لسنا بحاجة إلى إنتاج مزيد من المواجهات الإقليمية، بل إلى منعها.”

في تطور لافت، تم الإعلان عن اجتماع بين لبيد ونتنياهو بعد يوم واحد من الغارة على أبو الظهور. وعادة ما يلتقي رئيس الحكومة وزعيم المعارضة لإحاطات أمنية ضرورية، لكن لم تُعلن تفاصيل الملفات التي تناولها اللقاء، ولذلك لا يمكن الجزم بوجود صلة مباشرة بينه وبين التطورات السورية، غير أن توقيته أضاف بعداً سياسياً آخر على الموقف الموحد للائتلاف الحاكم والمعارضة.

خاتمة: رسالة إسرائيلية حازمة

بين تحذيرات رئيس الأركان الإسرائيلي من داخل سوريا، والإجماع بين الائتلاف الحاكم والمعارضة على رفض التمركز العسكري التركي، تبدو الرسالة الإسرائيلية واضحة وحازمة: لن تسمح إسرائيل بتحول سوريا إلى منصة عسكرية تركية تقيد حرية عملها أو تهدد تفوقها الأمني في المنطقة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *