صورة لآثار الدمار الهائل في مرفأ بيروت والمباني المحيطة بعد الانفجار، مع سحب الدخان المتصاعدة.
السياسة

فاجعة مرفأ بيروت: ست سنوات من الانتظار ومساءلة غائبة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

فاجعة مرفأ بيروت: ست سنوات من الانتظار ومساءلة غائبة

بعد مرور ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت المدمر، لا يزال أهالي العاصمة اللبنانية ينتظرون تحقيق العدالة والمساءلة عن واحدة من أفظع الكوارث التي صنعها الإنسان في التاريخ الحديث.

يوم الرابع من أغسطس 2020: الكارثة التي هزت بيروت

في الرابع من أغسطس 2020، شهدت بيروت انفجارًا هائلاً غيّر وجه المدينة إلى الأبد. لم يكن المشهد كالمعتاد، بل تحولت المدينة إلى ركام من الزجاج المتناثر، والأسقف المنهارة، والأبواب المقتلعة، والجدران المحطمة. انبعث صوت مدوٍ، غير إنساني، بدا وكأنه قادم من أعماق الأرض لا من المرفأ. للحظات، توقف الزمن، واختلطت المفاهيم، وتحول العالم المادي إلى فوضى عارمة. تحولت النوافذ إلى شظايا قاتلة، وتطاير الأثاث، واهتزت الجدران، وانهارت المنازل فوق رؤوس ساكنيها الذين ظنوا أنهم في مأمن.

في أعقاب الانفجار، سادت حالة من الارتباك والبحث عن الأحباء وسط الدمار. هرع الناس، ينادون بأسماء بعضهم البعض، يتفقدون الأجساد، ويسيرون فوق الزجاج المتناثر، محاولين فهم ما إذا كان ما حدث زلزالًا، غارة جوية، نهاية العالم، أم مجرد يوم لبناني آخر يبلغ ذروته المأساوية. تبع ذلك وصول صفارات الإنذار، وصور الشوارع التي فقدت معالمها، والوجوه التي شوهها الزجاج، وأشخاص يحملون آخرين، ومستشفيات كانت تعاني أصلاً من الأزمات، استقبلت دفعة واحدة مدينة بأكملها من الجرحى.

حصيلة مأساوية وتفاصيل صادمة

أسفر الانفجار عن مقتل أكثر من مئتي شخص وإصابة الآلاف، بينما نزح مئات الآلاف من منازلهم. بدا الأمر وكأن قوة عملاقة صفعت بيروت، في واحد من أكبر الانفجارات غير النووية المسجلة على الإطلاق. كان السبب وراء هذه الفاجعة هو انفجار 2750 طنًا من نترات الأمونيوم، التي كانت مخزنة في مستودع بالمرفأ بإجراءات أمنية محدودة، بعد أن أشعلها حريق اندلع في مكان قريب.

على الرغم من أهمية الأرقام في قياس حجم الكارثة، إلا أنها غالبًا ما تخفي الجانب الإنساني العميق. فعبارة “آلاف الجرحى” لا تصف شظية بقيت مغروسة في جسد يارا، و”مئات الآلاف من النازحين” لا تنقل معنى أن يرى رمزي محتويات حياته مكشوفة تحت السماء، و”أكثر من مئتي قتيل” لا تعبر عن الكرسي الذي سيظل فارغًا على مائدة عائلة النجار، بعد وقت طويل من مغادرة كاميرات التلفزيون.

صمود شعبي وعرقلة رسمية

في أعقاب الكارثة، تجلى صمود الشعب اللبناني بشكل لافت. تدفق المتطوعون والشباب من كافة أنحاء البلاد، يحملون المكانس ويزيلون الأنقاض، ويغطون النوافذ المحطمة، ويعيدون بناء ما أسقطته الدولة. كانت بيروت تضمد جراح بيروت، بينما كان حكامها يتدربون على تعابير القلق. ورغم المديح الذي ناله اللبنانيون على صمودهم، إلا أن هذا الصمود غالبًا ما يُقدم كإطراء لأشخاص لا ينوي أحد حمايتهم.

لقد نظف الأهالي وأعادوا البناء ودفنوا موتاهم، وعادوا إلى مكاتب ومنازل وشوارع متضررة. استبدل البعض الزجاج، وغادر البعض الآخر البلاد، بينما بقي آخرون، لكنهم لم يعودوا إليها بالكامل أبدًا.

العدالة المؤجلة: أسئلة بلا إجابات

بعد ست سنوات، لا تزال المساءلة غائبة. فقد عمد المسؤولون إلى المماطلة والعرقلة، واختبأوا خلف الحصانات، والإجراءات، والصلاحيات القضائية، والانتماءات السياسية، والتحويل الطائفي لمطلب العدالة إلى تهديد وجودي لطائفة بأكملها.

الطفل الذي وُلد في يوم الانفجار أصبح الآن في عمر يسمح له بطرح الأسئلة وفهم أن الأشياء تحدث لأسباب، ويتوقع من البالغين قول الحقيقة. فماذا سنقول له؟

  • هل سنقول إن مئات الأطنان من نترات الأمونيوم خُزنت لسنوات في قلب العاصمة، بينما كان المسؤولون يعرفون ما يكفي لتحذير بعضهم البعض، لكنهم لم يعرفوا ما يكفي لحمايتنا؟
  • هل سنقول إن واحدًا من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث وقع في مدينة يسكنها الملايين، ومع ذلك تبخرت المسؤولية بمجرد اصطدامها بالسلطة؟
  • هل سنقول إن التحقيق عُرقل مرارًا على يد النظام السياسي والقضائي نفسه الذي كان يفترض أن يخضع للتحقيق؟
  • هل سنقول إنه في لبنان، كلما اقتربت جريمة من الدولة، ابتعدت أكثر عن العدالة؟

في لبنان، لم يُحاسَب أحد حتى الآن على هذه الجريمة. ليس لأن شيئًا لا يُعرف، فالانفجار ترك وراءه مستندات، ومراسلات، وتسلسلاً في المسؤولية، وسجلاً للتحذيرات، وأدلة على الإهمال. وليس لأن لبنان يفتقر إلى القضاة أو القوانين أو المحاكم أو السجون. بل لأن الإفلات من العقاب في لبنان ليس خللاً في النظام، بل هو إحدى وظائفه الأساسية.

التحقيق: بصيص أمل حذر

تحرك التحقيق مؤخرًا، حيث أنجز القاضي طارق بيطار، بعد سنوات من مواجهة العرقلة والشلل، المرحلة الرئيسية من تحقيقه في وقت سابق من هذا العام، وأفادت تقارير بأنه حدد نحو 70 شخصًا كمشتبه بهم. هذا التطور مهم ويستحق قدرًا حذرًا من الأمل. لكن التحقيق ليس مساءلة بعد، والأمل ليس حكمًا قضائيًا.

لقد طُلب من اللبنانيين البقاء على قيد الحياة طوال فترة طويلة، حتى أصبح البقاء بحد ذاته وسيلة لحكمهم. وفي كل مرة يتمكنون فيها من الوقوف مجددًا، يُستخدم صمودهم دليلاً على أن ما فُعل بهم كان، بطريقة ما، قابلاً للتحمل. لكن النجاة من جريمة لا تجعل الجريمة أصغر، وإعادة بناء منزل لا تبرئ من دمّره، والاستمرار في الحياة ليس موافقة على ما كاد أن يقتلنا.

تداعيات متعددة الأبعاد

إن فاجعة الرابع من أغسطس ليست مجرد حدث شخصي، بل هي قضية متعددة الأبعاد:

  • البعد السياسي:

    السلطة السياسية هي التي حددت من يمكن استجوابه، ومن يستطيع رفض المثول أمام قاضٍ، ومن يمكنه عرقلة التحقيق، ومن ظل مكشوفًا أمام المساءلة.

  • البعد الاجتماعي:

    لم يقع الانفجار على مجتمع متساوٍ. كان بوسع البعض إصلاح منازلهم، والسفر، وتلقي العلاج، والبدء من جديد، بينما تُرك آخرون لمواجهة الجدران المحطمة، وسبل العيش المفقودة، والإصابات الدائمة والحزن بمفردهم.

  • البعد الاقتصادي:

    وقع الانفجار وسط انهيار العملة، وتبخر المدخرات، وانهيار المؤسسات العامة. طُلب من الناس إعادة بناء منازل بأموال عالقة في المصارف، ودفع تكاليف العلاج بالدولار الذي لم يعد في حوزتهم، وإعادة بناء مدينة فيما ظل أولئك الذين فككوا اقتصاد البلاد في السلطة.

  • البعد النفسي:

    ست سنوات من دون مساءلة تعلّم المجتمع شيئًا. تعلّمنا أن الأدلة لا تؤدي بالضرورة إلى الحقيقة، وأن الحقيقة لا تؤدي بالضرورة إلى الحكم، وأن الحكم لا يصل بالضرورة إلى أصحاب النفوذ. وتعلّمنا ألا نثق بالمؤسسات فحسب، بل حتى بعلاقة السبب بالنتيجة.

الجريمة التي لا تترتب عليها عواقب لا تبقى في الماضي. إنها تستمر في الحدوث. تحدث في كل مرة تدخل فيها عائلة أحد الضحايا ذكرى جديدة من دون إجابة، وفي كل مرة يحوّل فيها مشتبه به الإجراءات إلى ملاذ، وفي كل مرة يتحدث فيها مسؤول عن العدالة بصيغة المبني للمجهول، وكأن العدالة طقسٌ علينا أن ننتظر قدومه بصبر. وفي كل مرة تطلب فيها البلاد من الجرحى إحياء ذكرى ما ترفض الدولة ملاحقة المسؤولين عنه قضائيًا.

إرث الرابع من أغسطس: تحطم معنى المسؤولية

لعل هذا هو الإرث الأكثر تدميرًا للرابع من أغسطس: ليس فقط أن بيروت دُمّرت، بل إن معنى المسؤولية تحطم معها. نعرف كيف نحيي الذكرى: نضيء الشموع، نحمل صور الضحايا، نتلو أسماء الموتى، نقف دقيقة صمت عند الساعة 6:07. لكن إحياء الذكرى من دون مساءلة يخاطر بأن يتحول إلى خدمة أخرى يُجبر الضحايا على أدائها من أجل بلد خذلهم. عليهم أن يبقوا موتاهم أحياءً في العلن، لأن مؤسسات الأحياء اختارت النسيان.

بعد ست سنوات، ربما لا يكون أكثر ما يثير الاشمئزاز هو أن الجريمة نُسيت. فهي لم تُنسَ. لا يزال الانفجار عالقًا في جسد بيروت وفي أجسادنا. الفظيع هو أنه بقي حاضرًا في ذاكرة الجميع، باستثناء العدالة. لذلك، فإن الرابع من أغسطس لا ينتمي إلى الذاكرة فحسب، بل مكانه الحقيقي في قاعة المحكمة.

الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *