أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” (Human Rights Watch) تقريراً جديداً يكشف عن تراجع كبير في دور الحكومة الفيدرالية الأمريكية في حماية الحقوق المدنية عبر البلاد. ويغطي التقرير، الذي جاء في 112 صفحة، الأنشطة الحكومية المتعلقة بالحقوق المدنية خلال الفترة الممتدة من يناير 2025 وحتى بداية عام 2026، وهي الفترة التي شهدت الأشهر الأولى من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب.
تآكل آليات إنفاذ الحقوق المدنية
خلص التقرير إلى أن الوكالات الفيدرالية المسؤولة عن مكافحة التمييز قد شهدت تآكلاً كبيراً في كوادرها. كما أشار إلى أن التوجيهات الصادرة عن إدارة ترامب قد قللت من أهمية دور الحكومة الفيدرالية في حماية الحقوق المدنية على مستوى البلاد.
وفي هذا السياق، صرح تري ووك، الباحث في “هيومن رايتس ووتش”، بأن “الإدارة، بينما تدعي حماية جميع الأمريكيين، تتراجع عن الأنظمة التي طالما لجأت إليها المجتمعات لطلب الإغاثة”.
الوكالات المستهدفة بالتحليل
ركز التقرير على أربع وكالات رئيسية ضمن الحكومة الفيدرالية المعنية بالحقوق المدنية، وهي:
- شعبة الحقوق المدنية في وزارة العدل.
- مكتب الحقوق المدنية في وزارة التعليم.
- مكتب الإسكان العادل في وزارة الإسكان والتنمية الحضرية.
لجنة تكافؤ فرص العمل.
استندت “هيومن رايتس ووتش” في تحليلها إلى مقابلات مع موظفين فيدراليين حاليين وسابقين، ومحامين، ومشتكين، ومجموعات مجتمعية شاركت في قضايا تتعلق بالتمييز. كما راجعت المنظمة وثائق المحاكم وتوجيهات الوكالات الفيدرالية التي توضح التحول في الأولويات خلال الإدارة الثانية لترامب.
السياق التاريخي لإنفاذ الحقوق المدنية
يعود دور الحكومة الفيدرالية في حماية الحقوق المدنية إلى قرون مضت، بدءاً من الدستور الأمريكي. ففي عام 1791، صادق الكونغرس على تعديل للدستور أسس لحماية مدنية مثل حرية الدين، وعُرفت هذه التعديلات العشرة الأولى باسم “وثيقة الحقوق”.
على مر العقود، أُضيفت المزيد من التعديلات، أبرزها بعد الحرب الأهلية الأمريكية، لضمان حقوق مثل الحماية المتساوية بموجب القانون. ورغم أن الدستور يتضمن لغة صريحة حول الدين والعرق، يشير النقاد إلى غياب لغة تمنح حماية متساوية على أساس الجنس أو النوع الاجتماعي.
يرتبط تاريخ وزارة العدل ارتباطاً وثيقاً بالحاجة إلى إنفاذ قوانين الحقوق المدنية بعد الحرب الأهلية. فقد تأسست الوزارة عام 1870 لتلبية عدة احتياجات، بما في ذلك السعي لإضفاء الطابع المهني والمركزية على إنفاذ القانون الفيدرالي في البلاد. كما ساعدت في ملاحقة جماعات التفوق الأبيض العنيفة في وقت كانت فيه السلطات المحلية، خاصة في الولايات الجنوبية، ترفض أحياناً القيام بذلك.
كما حفزت حركة الحقوق المدنية الأمريكية، التي بدأت في الخمسينيات، زيادة في البنية التحتية الفيدرالية. فكان قانون الحقوق المدنية لعام 1957، على سبيل المثال، هو الذي أنشأ شعبة مخصصة للحقوق المدنية داخل وزارة العدل.
تحولات السياسة في عهد ترامب الثاني
شهدت الولاية الثانية للرئيس ترامب رد فعل عنيفاً تجاه السياسات التي تُعتبر جزءاً من حركة “التنوع والإنصاف والشمول” (DEI). اكتسبت هذه الحركة شعبية في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، خاصة بعد مقتل جورج فلويد، الرجل الأسود الأعزل، مما أثار مراجعة عامة حول عدم المساواة العرقية.
ومع ذلك، وصف ترامب مبادرات DEI بأنها “تمييزية عنصرياً”. وخلال حملته لولاية ثانية، زعم وجود “شعور معادٍ للبيض بشكل واضح في هذا البلد”.
منذ بداية ولايته الثانية، سعى ترامب إلى إلغاء السياسات التي ترى إدارته أنها تمنح مزايا غير عادلة لفئات ديموغرافية مثل النساء والأقليات. علاوة على ذلك، علقت وكالات فيدرالية مثل لجنة تكافؤ فرص العمل وشعبة الحقوق المدنية بوزارة العدل بعض القضايا التي كانت تتابعها، بما في ذلك قضايا تتعلق بالتحرش الجنسي وحقوق المتحولين جنسياً.
وبدلاً من ذلك، فُتحت تحقيقات جديدة، بما في ذلك ضد عملاق الأحذية نايكي، الذي اتُهم هذا العام بالتمييز ضد الموظفين البيض. وفي مايو 2025، أعلنت وزارة العدل أيضاً أنها ستوقف التحقيقات واتفاقيات الإصلاح المتعلقة بإدارات الشرطة المتهمة بالتمييز العنصري. وقد اتُخذت مثل هذه الإجراءات في أماكن مثل لويزفيل بولاية كنتاكي ومينيابوليس بولاية مينيسوتا، بعد احتجاجات عامة على مقتل أشخاص سود غير مسلحين على يد الشرطة، بمن فيهم فلويد.
نتائج تقرير “هيومن رايتس ووتش”
سجل التقرير ضعفاً عاماً في الهيئات الفيدرالية المصممة لحماية الحقوق المدنية، حيث كانت تخفيضات الوظائف والاستقالات جزءاً من هذا الاتجاه.
شعبة الحقوق المدنية بوزارة العدل
على سبيل المثال، كانت شعبة الحقوق المدنية بوزارة العدل تضم حوالي 365 محامياً في يناير 2025، عندما تولى ترامب منصبه. وبحلول نهاية ذلك العام، غادر ثلاثة أرباع هؤلاء المحامين الوكالة، وهو نزوح وصفته “هيومن رايتس ووتش” بأنه “جهد منسق لتقويض الموظفين المهنيين”.
وفي ردها على قناة الجزيرة، صرح متحدث باسم وزارة العدل أن شعبة الحقوق المدنية “لا تزال مكرسة لحماية حقوق جميع الأمريكيين”. وأضافت الوزارة أنها أضافت 100 موظف منذ مغادرة عام 2025. ووفقاً للمتحدث، تركز شعبة الحقوق المدنية حالياً على “حماية الحرية الدينية، وحقوق التعديل الثاني، ومساحات النساء والفتيات، والوقوف ضد السياسات غير القانونية القائمة على العرق ومبادرات التنوع والإنصاف والشمول (DEI)، والدفاع عن الحق الأساسي للآباء في توجيه تربية أطفالهم وتعليمهم”.
مكاتب أخرى متأثرة
شهدت وكالات أخرى تناولها تقرير “هيومن رايتس ووتش” أيضاً انخفاضاً في عدد موظفيها وتقليصاً في أعمالها المتعلقة بالحقوق المدنية:
- مكتب الإسكان العادل: انخفض عدد موظفيه من 31 إلى 11 بحلول منتصف عام 2025. وتم إلغاء حوالي 115 شكوى أعدها المكتب وأحيلت إلى وزارة العدل لاتخاذ إجراءات قانونية محتملة.
- مكتب الحقوق المدنية بوزارة التعليم: كان يضم في البداية 568 موظفاً عبر 12 مكتباً عندما تولى ترامب منصبه في عام 2025. وفي غضون بضعة أشهر، أُغلقت سبعة من تلك المكاتب، وغادر نصف الموظفين المعنيين بالحقوق المدنية. وبين مايو وسبتمبر 2025، رفض المكتب حوالي 90 بالمائة من ما يقرب من 10,000 شكوى تلقاها، وهي نسبة أعلى مما كانت عليه في الماضي.
تداعيات التغييرات
وجدت “هيومن رايتس ووتش” أن العديد من الضحايا والمجتمعات التي تواجه التمييز لم تعد تستفيد من دعم الوكالات الفيدرالية في قضاياهم. على سبيل المثال، أفادت مجموعة إسكان مجتمعية للمنظمة بأن وزارة الإسكان والتنمية الحضرية لم تعد تستجيب في الوقت المناسب للحالات المبلغ عنها للتمييز ضد مجتمع الميم.
كما يبدو أن بعض الوكالات الفيدرالية قد تخلت عن دورها في مراقبة التمييز والإشراف على الإصلاحات في جميع أنحاء البلاد. فمكتب الحقوق المدنية بوزارة التعليم له تاريخ طويل في التحقيق في ادعاءات التمييز والعمل مع المناطق التعليمية لإحداث التغيير. لكن “هيومن رايتس ووتش” لاحظت أن المكتب توقف إلى حد كبير عن التعامل مع الشكاوى في عهد ترامب.
فبينما تطلب مكتب الحقوق المدنية تغييرات في السياسة أو مراقبة استجابة لـ 336 قضية في النصف الأول من عام 2024، لم تتلق سوى 59 قضية مثل هذا العلاج خلال فترة مماثلة في عام 2025. وفي سبرينغفيلد، ماساتشوستس، على سبيل المثال، اشتكى الآباء بعد أن أقام طلاب بيض “مزاداً وهمياً للعبيد” على منصة سناب شات، حيث عرضوا بيع زملائهم الطلاب السود.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق