تُعد الثقة المتبادلة بين المسؤول والناخب ركيزة أساسية في الممارسة السياسية الديمقراطية، حيث يُفترض أن يعود المسؤول الذي يثق في إنجازاته إلى قاعدته الانتخابية لطلب تجديد الثقة، باعتبارهم الأقدر على تقييم حصيلته. إلا أن المشهد السياسي المغربي شهد مؤخرًا تحولًا لافتًا يثير العديد من التساؤلات، تمثل في قرار القيادي البارز بحزب العدالة والتنمية ووزير الميزانية السابق، إدريس الأزمي الإدريسي، الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة بدائرة الصخيرات-تمارة، بعد مسار سياسي طويل ارتبط بمدينة فاس.
تحول المسار: من فاس إلى الصخيرات-تمارة
لطالما ارتبط اسم إدريس الأزمي بمدينة فاس، حيث شغل منصب رئيس مجلسها الجماعي لسنوات، وقدم نفسه مرارًا كصاحب حصيلة إيجابية في تدبير شؤونها. لكن قراره المفاجئ بالانتقال إلى دائرة انتخابية جديدة، لم يخض فيها أي معركة سابقة، يضع هذا المسار تحت المجهر. فإذا كانت حصيلته في فاس إيجابية بالفعل، كما يؤكد، فلماذا لم يختر العودة إلى ناخبيها لطلب تجديد الثقة؟ ألا يُعد المواطن الذي عاش تفاصيل التجربة اليومية أول من يحق له تقييمها؟ هذه الأسئلة لا تقتصر على الخصوم السياسيين، بل هي نتاج طبيعي لقرار سياسي في لحظة انتخابية حاسمة.
حصيلة 2021: نقطة تحول
يزداد هذا النقاش مشروعية بالنظر إلى نتائج انتخابات الثامن من شتنبر 2021، التي شكلت محطة مفصلية في المسار السياسي للأزمي وحزبه. ففي تلك الانتخابات، خسر الأزمي مقعده البرلماني بدائرة فاس الجنوبية، حيث حل خامسًا في دائرة تمنح أربعة مقاعد فقط. كما تلقى حزب العدالة والتنمية ضربة انتخابية قاسية في فاس، بفقدانه جميع مقاعده البرلمانية. هذا السياق يطرح تساؤلاً جوهريًا: إذا كانت تجربة الأزمي ناجحة، فلماذا لم يسع لاستعادة ثقة الناخب الفاسي الذي سبق وأن منحه إياها، وفضل فتح صفحة جديدة في دائرة أخرى؟
تبرير الإقامة: جدل يثير علامات استفهام
أكثر ما زاد من حدة الجدل هو التبرير الذي قدمه الأزمي لاختياره دائرة الصخيرات-تمارة، حيث صرح بأنه يقيم بها منذ حوالي عشرين سنة. هذا التبرير، بدل أن يغلق باب النقاش، فتح أبوابًا أخرى من التساؤلات المحرجة. فإذا كان معيار الترشح هو محل الإقامة، فلماذا ظل الأزمي يترشح بمدينة فاس طوال عقدين من الزمن؟ ولماذا لم يتذكر تمارة إلا بعد نتائج انتخابات 2021؟ ولماذا لم يكن هذا المعيار حاضرًا عندما كان يطلب أصوات الفاسيين في الاستحقاقات السابقة؟ يرى العديد من المتابعين أن هذه الأسئلة لا تتعلق بالجغرافيا بقدر ما تتعلق بمنطق الاختيار السياسي وتوقيته.
القرار الحزبي: تساؤلات حول الديمقراطية الداخلية
لم يتوقف الجدل عند حدود انتقال الأزمي، بل امتد ليشمل طريقة حصوله على تزكية الحزب. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن التداول الذي أجرته الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية بالصخيرات-تمارة لم يضع الأزمي في صدارة المرشحين، بل حل في المرتبة الثالثة. ورغم ذلك، حسمت الأمانة العامة الأمر لصالحه. هذا يثير سؤالًا حول القيمة السياسية للتداول الداخلي إذا كان القرار النهائي يمكن أن يتعارض مع رأي الهياكل المحلية، التي هي الأقرب إلى نبض الإقليم والأدرى بكفاءاته. كما يطرح تساؤلات حول مصير الأطر والمناضلين الذين عملوا لسنوات داخل الدائرة.
إرث الحقيبة الوزارية: إصلاحات في ميزان الرأي العام
لا يمكن الحديث عن المسار السياسي للأزمي دون استحضار مسؤوليته الحكومية السابقة كوزير منتدب مكلف بالميزانية، ودوره كأحد أبرز المدافعين عن إصلاح صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات. ورغم دفاع الحزب عن هذه القرارات كإصلاحات اقتصادية ضرورية، إلا أن خصومه لا يزالون يعتبرونها من الملفات التي أثرت سلبًا على صورة العدالة والتنمية لدى جزء من الرأي العام، بالنظر إلى الجدل الواسع الذي أعقبها حول أسعار المحروقات والقدرة الشرائية للمغاربة، وهو ملف يعود إلى الواجهة مع كل استحقاق انتخابي.
تحديات الحملة الانتخابية المقبلة
يواجه إدريس الأزمي غمار تشريعيات شتنبر محاطًا بمجموعة من الأسئلة التي فرضتها اختياراته السياسية. كيف سيقنع ناخبي الصخيرات-تمارة بأن اختياره لهذه الدائرة يعكس قناعة سياسية راسخة، وليس مجرد قراءة انتخابية جديدة بعد نتائج 2021؟ وكيف سيتعامل مع التساؤلات حول انسجام خطابه مع أفعاله؟ قد تختلف الإجابات وتتعدد التأويلات، لكن المؤكد أن هذه الأسئلة سترافق الأزمي طوال حملته الانتخابية، لأن السياسة، في جوهرها، لا تُقاس فقط بما يقوله السياسي عن نفسه، بل بمدى توافق أقواله مع أفعاله، وبالرسائل التي تبعث بها اختياراته قبل كلماته.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق