المغرب والولايات المتحدة: جذور أقدم
منوعات

المغرب والولايات المتحدة: جذور أقدم علاقة دبلوماسية مستمرة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

أمريكا في مأزق: تحديات الثورة الوليدة

شكل عام 1777 فترة عصيبة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت الجمهورية الناشئة تخوض صراعاً مريراً من أجل البقاء. على الصعيد البري، أحكمت القوات البريطانية سيطرتها على مدن رئيسية، وسقطت نيويورك في قبضتها. حاول الجيش القاري، تحت قيادة جورج واشنطن، التصدي للتقدم البريطاني مرتين في برانديواين وجيرمنتاون بولاية بنسلفانيا، لكن محاولاته باءت بالفشل، مخلفة مئات القتلى والجرحى والأسرى. وفي ضربة موجعة أخرى، احتلت القوات البريطانية فيلادلفيا، العاصمة الفعلية لأمريكا الثائرة، في 26 سبتمبر. انسحب جيش واشنطن المنهك إلى فالي فورج، على بعد أربعين ميلاً شمال غربي فيلادلفيا، حيث سادت معنويات منهارة، وشح في المؤن، وخزائن خاوية. كان ثلث الجنود البالغ عددهم 11 ألفاً “غير صالحين للخدمة” بسبب نقص الأحذية والملابس، ناهيك عن أعداد الجرحى في المستشفيات الميدانية. وفي رسالة تحذيرية إلى كونغرس المستعمرات في ديسمبر، أشار واشنطن إلى ثلاثة احتمالات كارثية تنتظر الجيش إذا لم تتغير الأوضاع: “الموت جوعاً، أو الانهيار، أو التشتت”.

أما على الصعيد البحري، فكان الوضع أكثر سوءاً. سيطرت البحرية الملكية البريطانية على الساحل الأطلسي بالكامل، وكشف الاستقلال الأمريكي عن نقطة ضعفها الكبرى؛ فقد تحول الأسطول البريطاني الذي كان يحمي السفن الأمريكية حتى عام 1776 إلى عدو لدود، مما جعل السفن الأمريكية فريسة سهلة في عرض البحر. لم يقتصر هذا الافتقار إلى الأسطول على تهديد السفن وطواقمها فحسب، بل هدد بقاء الدولة الوليدة نفسها، نظراً لاعتمادها الحيوي على التجارة البحرية. إضافة إلى ذلك، لم تكن الولايات المتحدة قد أبرمت بعد معاهدات تضمن لسفنها دخول موانئ الدول الأخرى، مما أدى إلى شلل شبه كامل في التجارة الأمريكية.

بادرة مغربية تاريخية: اعتراف مبكر ودعم حيوي

في هذه اللحظة الحرجة، كانت الولايات المتحدة في أمس الحاجة لاعتراف دولي من دولة مستقلة. وجاء هذا الاعتراف، ليس من أوروبا كما كان متوقعاً، بل من مملكة عريقة في شمال أفريقيا، تبعد عن شواطئ أمريكا أكثر من ثلاثة آلاف ميل. ففي المغرب، فتح السلطان سيدي محمد الثالث موانئه أمام السفن الأمريكية، ليصبح بذلك أول حاكم أجنبي لدولة ذات سيادة يعترف علناً بالولايات المتحدة. ومع ذلك، لم يدرك الآباء المؤسسون في أمريكا أهمية هذه البادرة السخية إلا بعد سنوات، مما يجعل حكاية أول صديق لأمريكا قصة إهمال تاريخي إلى حد ما، حيث انشغلت الولايات المتحدة حينها بأوروبا، ولم تولِ اهتماماً كافياً لأول دولة وقفت إلى جانبها.

السلطان محمد الثالث: رؤية استراتيجية لمستقبل المغرب

كان السلطان سيدي محمد بن عبد الله الخطيب، من السلالة العلوية، يلقب بأمير المؤمنين. وُلد في فاس، وتلقى تعليماً واسعاً في الفقه والعلوم الدينية. في عام 1777، كان السلطان البالغ من العمر 67 عاماً قد أمضى عشرين سنة على عرش المغرب. تتباين الروايات حول شخصيته؛ فقد وصفه خصومه بأنه رجل عابس، قصير القامة، ممتلئ الجسم، وبعينين غير متماثلتين. بينما وصفه أصدقاؤه بأنه كان طويلاً ويتمتع بحضور قوي. ورغم بعض الصدامات الداخلية، مثل خلافه مع والده وتبرؤه من أحد أبنائه ونفيه، إلا أن الثابت هو أن السلطان محمد الثالث أحدث تحولاً جذرياً في المغرب خلال العقدين الأولين من حكمه. فقد أخرج البلاد من عقود من الفوضى والاضطرابات، وأعاد إليها الاستقرار، ثم مضى أبعد من ذلك.

على عكس أسلافه، وجه محمد الثالث أنظاره نحو الخارج. وفي سعيه لتعزيز التجارة مع أوروبا، عمل على تطوير مدينة الصويرة، محولاً إياها إلى ميناء مزدهر على المحيط الأطلسي. أبرم معاهدات تجارية مع الدنمارك والسويد والبندقية وبريطانيا، ورحب بالتجار المسيحيين في الموانئ المغربية، واعتمد على تجار يهود لإدارة جزء من التجارة الدولية للمغرب. بالنسبة إليه، كانت التجارة، لا الغزو، هي مصدر القوة، فكل سفينة تدخل موانئه كانت تزيد من عائدات الجمارك لخزينة الدولة، مما أثرى المغرب وعزز مكانة السلطان في مواجهة خصومه الداخليين.

المحيط الأطلسي: ساحة صراع وفرصة دبلوماسية

في تلك الأثناء، وعلى الجانب الآخر من المحيط، كانت الثورة الأمريكية لا تزال مشتعلة. ونظر العديد من الحكام الأوروبيين إلى الثوار الأمريكيين كمتمردين لا يضمن بقاؤهم، ولم تكن فرنسا قد تحالفت معهم بعد. أما إسبانيا، فآثرت النأي بالنفس خشية تشجيع الثورات داخل إمبراطوريتها. لكن السلطان محمد الثالث أدرك ما لم تدركه العديد من الحكومات الأوروبية في ذلك الوقت. فمن موقعه على حافة الصحراء الكبرى، بعيداً عن سيطرة العثمانيين، لم ينظر إلى الولايات المتحدة كدولة متمردة، بل كشريك تجاري محتمل. ولأن المغرب كان قد تعرض لهجمات فرنسية، وخاض حرباً مع الهولنديين، وواجه حصاراً بحرياً بريطانياً، فربما شعر السلطان بالرضا إزاء إصرار الأمريكيين على التحرر من الهيمنة الأوروبية. وبالنسبة لحاكم يسعى لرفع مكانة بلاده، كان اعترافه بالولايات المتحدة قبل غيره فرصة لا يمكن تفويتها. فقد كان يطمح إلى تحويل المغرب، الذي ظل مملكة هامشية في شمال أفريقيا، إلى قوة ذات شأن على الأطلسي، الذي تحول إلى ممر بالغ الخطورة أمام السفن الأمريكية.

كان قراصنة شمال أفريقيا يسيطرون على مساحات شاسعة من البحر، مما جعل الملاحة التجارية محفوفة بالمخاطر. فبإمكان ربان أي سفينة تجارية أمريكية أن يحمل سفينته بالتبغ أو الخشب أو الأرز من بوسطن أو بالتيمور، لكن ما إن يبتعد عن الساحل ويصل قبالة شبه الجزيرة الأيبيرية أو بالقرب من مضيق جبل طارق، حتى يجد نفسه في مواجهة عشرات الأشرعة السريعة المندفعة نحو سفينته. ولم يكن البحارة يخسرون سفنهم فحسب؛ فمن ينجو من القتل في المعركة، كان يقضي سنوات في الأسر، يُساق مقيداً بالسلاسل في مدن الموانئ، مجرداً من ملابسه وكرامته، ويُجبر على العمل في البيوت والحقول وأحواض السفن وعلى متون المراكب. كان المحظوظون منهم يُطلق سراحهم مقابل فدية، بينما يظل الآخرون في العبودية. في هذه الظروف العصيبة، عرض السلطان محمد الثالث حمايته على السفن الأمريكية وفتح أمامها موانئ المغرب. أرسل تعليماته إلى القناصل والتجار في موانئ طنجة وسلا والصويرة، معلناً أن السفن الأمريكية تستطيع التجارة، والحصول على المؤن، واللجوء إلى الموانئ، ثم مواصلة طريقها دون تعرض أحد لها. وبذلك، وضع المغرب الولايات المتحدة في مرتبة عشر قوى أوروبية أخرى كانت تتمتع بالامتياز نفسه، من بينها روسيا وسردينيا وبروسيا.

صبر مغربي وتأخر أمريكي: مسار نحو المعاهدة

لكن أحداً في أمريكا التي مزقتها الحرب لم ينتبه لهذه المبادرة السخية. كانت الأخبار تنتقل ببطء في تلك الأيام، وتشير بعض الروايات إلى أن نبأ المبادرة لم يصل إلى بنجامين فرانكلين، الذي كان مبعوثاً أمريكياً في باريس، إلا في ربيع عام 1778. وحتى بعد وصول الخبر، لم يكن لدى المسؤولين الأمريكيين متسع من الوقت أو الاهتمام، حيث كان الكونغرس مشغولاً بالحرب والديون، وفي البحث عن إجابة للسؤال الأهم: هل ستتمكن الجمهورية من البقاء؟

لكن السلطان لم يتراجع عن موقفه. لجأ إلى إتيان دوأوديبر كاي، وهو تاجر فرنسي عُين لتمثيل الدول التي لا تملك قناصل في المغرب. وكتب كاي إلى بنجامين فرانكلين نيابة عن السلطان، وحين لم يتلق رداً، كتب مرة أخرى، لكن دون جدوى. أخيراً، في سبتمبر 1780، وبعد نحو ثلاثة أعوام من إصدار السلطان لقراره الأول، أبلغ رئيس الكونغرس القاري صاموئيل هانتنغتون أعضاءه بوصول رسالة تدعو الولايات المتحدة إلى التجارة في الموانئ المغربية. ورد الكونغرس أخيراً، معرباً عن رغبته في السلام والصداقة، لكن الرد المهذب وحده لم يكن ليرضي السلطان، فقد كان يريد معاهدة واتفاقات تجارية رسمية مع أمريكا، وقد عبر مراراً وبوضوح عن رغبته في إقامة علاقة رسمية مع الولايات المتحدة.

تثبيت أركان الصداقة: معاهدة 1786

لهذا، في أكتوبر 1784، أي بعد سبعة أعوام من فتح الموانئ المغربية أمام السفن الأمريكية، أمر محمد الثالث باحتجاز سفينة تجارية أمريكية تدعى “بيتسي” (Betsey) بعد مغادرتها ميناء قادس الإسباني. بدا احتجاز السفينة عملاً عدائياً، لكنه كان في الحقيقة رسالة دبلوماسية محسوبة، وطريقة حازمة لدفع الأمريكيين إلى التفاوض. وقد وصلت الرسالة بوضوح. وفي نهاية المطاف، اضطرت واشنطن إلى التحرك. ففي عام 1786، سافر توماس باركلي، المبعوث الأمريكي إلى فرنسا، وهو مهاجر أيرلندي أصبح من أنصار الثورة الأمريكية، إلى المغرب للتفاوض على اتفاق رسمي. وبعد ذلك بوقت قصير، استكمل جون آدامز وتوماس جيفرسون، وهما من الآباء المؤسسين وكانا يعملان دبلوماسيين في أوروبا، التفاصيل النهائية للاتفاق. وُقعت معاهدة الصداقة المغربية الأمريكية في 28 يونيو 1786، وصادق عليها الكونغرس بعد نحو عام. ونظمت المعاهدة التجارة، ومعاملة البحارة الناجين من غرق السفن، وحقوق المواطنين الأمريكيين في الموانئ المغربية، وحماية السفن الأمريكية من الهجمات داخل المياه المغربية.

إرث دبلوماسي عريق: استمرارية العلاقة المغربية-الأمريكية

في عام 1789، كتب الرئيس جورج واشنطن شخصياً إلى السلطان محمد الثالث، مقدماً أولاً “خالص امتنان الولايات المتحدة وشكرها” على صداقة السلطان. ثم أشاد “بالتشجيع الذي تفضل جلالتكم بمنحه بسخاء لتجارتنا مع بلادكم”، مضيفاً أن دعم المغرب ترك “أثراً عميقاً في الولايات المتحدة”. لا تزال معاهدة الصداقة هذه تمثل أطول علاقة دبلوماسية مستمرة في تاريخ الولايات المتحدة، وقد صمدت أمام تقلبات عقود طويلة شملت حروب البربر، والاحتلال الفرنسي للمغرب، والحربين العالميتين، والحرب الباردة. وفي طنجة، لا تزال المفوضية الأمريكية قائمة، وهي أول عقار امتلكته الولايات المتحدة خارج أراضيها، شاهدة على عمق هذه العلاقة التاريخية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *