صورة لآندي بيرنهام، رئيس الوزراء البريطاني الجديد، عند وصوله إلى داونينغ ستريت.
السياسة

آندي بيرنهام يتولى رئاسة الحكومة البريطانية: تحديات وآفاق المرحلة الجديدة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

آندي بيرنهام يتولى رئاسة الحكومة البريطانية: تحديات وآفاق المرحلة الجديدة

يتولى السيد آندي بيرنهام مهام رئاسة الحكومة البريطانية خلفاً للسيد كير ستارمر، وذلك بعد انتخابه زعيماً لحزب العمال. يأتي هذا الانتقال في السلطة بعد نحو عامين من فوز الحزب بأغلبية برلمانية كبيرة في الانتخابات العامة، وفي ظل تحديات اقتصادية واجتماعية ملحة تواجه المملكة المتحدة، أبرزها تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد الضغوط على الخدمات العامة.

من المقرر أن يقدم السيد ستارمر استقالته الرسمية إلى الملك تشارلز الثالث، ليقوم الملك بعدها بتكليف السيد بيرنهام بتشكيل الحكومة الجديدة. وتجدر الإشارة إلى أن الأعراف الدستورية البريطانية لا تستدعي إجراء انتخابات عامة عند تغيير زعيم الحزب الحاكم، طالما احتفظ الحزب بأغلبيته في مجلس العموم.

بعد تسلمه التكليف الملكي، سيتوجه السيد بيرنهام إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت لإلقاء خطابه الأول بصفته رئيساً للحكومة، قبل أن يشرع في الإعلان عن تشكيلة حكومته المرتقبة.

يصبح بيرنهام بذلك سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عقد واحد، وثالث رئيس حكومة يعينه الملك تشارلز منذ اعتلائه العرش عام 2022، مما يسلط الضوء على حالة التقلب السياسي المستمرة التي تشهدها البلاد منذ سنوات.

آندي بيرنهام، رئيس الوزراء البريطاني المكلّف، لدى وصوله إلى مقره المؤقت في وستمنستر.

صدر الصورة، © Tayfun Salci
التعليق على الصورة، آندي بيرنهام، رئيس الوزراء البريطاني المكلّف، لدى وصوله إلى مقره المؤقت في وستمنستر تمهيداً لتسلّمه مهام رئاسة الحكومة.

صعود بيرنهام وتاريخه السياسي

يأتي صعود السيد بيرنهام إلى سدة الحكم بعد فترة شهدت فيها الساحة السياسية الداخلية لحزب العمال اضطراباً. فبعد الانتصار الكاسح في انتخابات يوليو/تموز 2024، شهدت شعبية حكومة ستارمر تراجعاً ملحوظاً، لتتلقى ضربة إضافية في الانتخابات المحلية التي جرت في مايو/أيار 2026، حيث حقق حزب “ريفورم يو كيه” نتائج قوية أثارت قلق نواب حزب العمال بشأن الانتخابات العامة المقبلة.

وكان بيرنهام، الذي شغل منصب عمدة مانشستر الكبرى منذ عام 2017، قد عاد إلى مجلس العموم بعد فوزه في انتخابات فرعية بدائرة ميكرفيلد في 18 يونيو/حزيران. وقد مهدت عودته هذه الطريق لخوض سباق زعامة الحزب، قبل أن يحصل على تأييد 379 نائباً ويتولى الزعامة دون منافسة.

سبق للسيد بيرنهام أن خاض سباق زعامة الحزب مرتين سابقتين، عامي 2010 و2015، دون أن يحالفه الحظ. لكن سنواته كعمدة لمانشستر، وما ارتبط بها من مبادرات وإصلاحات محلية، عززت صورته كسياسي يدعو إلى منح المدن والأقاليم دوراً أكبر في عملية صنع القرار.

درس بيرنهام الأدب الإنجليزي في جامعة كامبريدج، وعمل باحثاً ومستشاراً سياسياً قبل انتخابه نائباً في البرلمان عام 2001. وقد تولى عدداً من المناصب الوزارية، من بينها حقيبتي الثقافة والصحة في حكومة غوردون براون.

لاري القط، كبير صائدي الفئران في مكتب مجلس الوزراء البريطاني، ينتظر الدخول إلى مقر رئاسة الوزراء.

صدر الصورة، Ben Birchall/PA Wire
التعليق على الصورة، لاري القط، كبير صائدي الفئران في مكتب مجلس الوزراء البريطاني، ينتظر الدخول إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت بلندن، قبيل تأكيد تعيين زعيم حزب العمال آندي بيرنهام رئيساً جديداً للوزراء في وقت لاحق من يوم الاثنين.

محاور برنامج آندي بيرنهام

نقل السلطة إلى الأقاليم

يشكل نقل السلطة من الحكومة المركزية إلى الأقاليم محوراً أساسياً في المشروع السياسي الذي يطرحه آندي بيرنهام، وهو توجه ارتبط باسمه بقوة خلال سنوات توليه منصب عمدة مانشستر الكبرى. يرى بيرنهام أن صنع القرار ظل متركزاً لفترة طويلة في لندن، مما أثر سلباً على قدرة المدن والأقاليم على تحديد أولوياتها الاقتصادية والخدمية. ويدعو إلى ما وصفه بأنه “أكبر إعادة توازن للسلطة شهدتها البلاد”.

تحدث بيرنهام عن منح السلطات المحلية صلاحيات أوسع في مجالات حيوية مثل التنمية الاقتصادية، والإسكان، والنقل، والتعليم، والتدريب المهني. كما يدعو إلى دور أكبر للقطاع العام في تقديم بعض الخدمات الأساسية.

من ضمن مقترحاته، طرح فكرة إنشاء مركز حكومي في مانشستر يحمل اسم “رقم 10 الشمالي”، ليشارك في إدارة بعض الملفات المرتبطة بالإسكان والتنمية الإقليمية وإصلاح المرافق العامة. وأكد أن نقل الصلاحيات لن يقتصر على مدن إنجلترا، بل سيشمل أيضاً اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، في إطار مشروع يصفه بـ”إعادة توصيل بريطانيا”.

أثارت هذه الطروحات تساؤلات لدى بعض السياسيين ودوائر الأعمال في لندن بشأن تأثير نقل المؤسسات والموارد الحكومية إلى خارج العاصمة. في المقابل، يرى مؤيدو اللامركزية أن منح المدن مزيداً من الصلاحيات والموارد قد يساعدها على الاستثمار بصورة أفضل في احتياجات سكانها، ويسهم في تقليص الفوارق الاقتصادية بين مناطق المملكة المتحدة.

النمو الاقتصادي

يعتقد بيرنهام أن تحسين مستويات المعيشة يتطلب إعادة بناء القاعدة الإنتاجية البريطانية، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات مالية قصيرة الأجل. ومن هذا المنطلق، تحدث عن دعم التصنيع المحلي في قطاعات استراتيجية، من بينها الصلب والطاقة والدفاع والزراعة والصناعات الغذائية، مع تشجيع الاستثمار في المناطق التي شهدت تراجعاً اقتصادياً خلال العقود الماضية.

كما أبدى رغبته في تقليل اعتماد بريطانيا على الموردين الأجانب، ولا سيما في الصناعات الدفاعية، بحيث يسهم الإنفاق العسكري في دعم الصناعة المحلية وخلق فرص عمل داخل البلاد.

لكن تنفيذ هذه الرؤية قد يواجه تحديات مالية كبيرة، خاصة في ظل التعهد بزيادة الإنفاق الدفاعي خلال السنوات المقبلة، مع الالتزام في الوقت نفسه بالقواعد المالية وعدم زيادة الاقتراض لتمويل الإنفاق اليومي.

يضع بيرنهام أزمة غلاء المعيشة في صدارة أولويات حكومته، متعهداً بمنح البريطانيين “فسحة لالتقاط الأنفاس”. ومن المتوقع أن تكون الضرائب والإنفاق والطاقة والخدمات العامة من بين أول الملفات الاقتصادية التي ستواجهها حكومته، وسط تساؤلات بشأن آليات تمويل وعودها.

الإسكان والتعليم والضرائب

تعهد بيرنهام بإطلاق ما وصفه بأنه أكبر برنامج لبناء المساكن الاجتماعية منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مع الاستفادة من الأراضي العامة غير المستغلة للمساعدة في خفض كلفة البناء. كما يتبنى نهج “الإسكان أولاً”، المستوحى من التجربة الفنلندية، والذي يقوم على توفير مسكن دائم للمشردين باعتباره الخطوة الأولى لمعالجة ما يواجهونه من مشكلات صحية واجتماعية واقتصادية.

في مجال التعليم، يدعو إلى منح التعليم التقني والمهني المكانة نفسها التي يحظى بها التعليم الجامعي، مع توسيع برامج التدريب وتشجيع الشركات على توفير مزيد من الفرص للشباب. ويأتي ذلك في وقت يتجاوز فيه عدد الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً مهنياً مليون شخص، وهو ما يثير مخاوف بشأن تأثير ذلك في الإنتاجية وسوق العمل.

واقتصادياً، تعهد بيرنهام بالالتزام بالقواعد المالية لحزب العمال وعدم زيادة الضرائب على العاملين، لكنه أبدى دعمه لمراجعة بعض جوانب نظام الضرائب، بما في ذلك ضرائب الأعمال وفرض ضريبة على قيمة الأراضي، ضمن إصلاحات ضريبية أوسع.

الرعاية الاجتماعية والدفاع والسياسة الخارجية

تعد الرعاية الاجتماعية من أصعب الملفات التي تواجه الحكومة الجديدة، في ظل ارتفاع أعداد كبار السن ونقص العاملين في القطاع. ووصف بيرنهام نظام الرعاية الاجتماعية بأنه يحتاج إلى إصلاح جذري، لكنه يواجه تحدياً يتمثل في توفير التمويل اللازم لإصلاح قطاع تعثرت حكومات متعاقبة في معالجته بسبب كلفته المالية وحساسيته السياسية.

وفي ملف الدفاع، يتبنى بيرنهام نهجاً يربط بين الأمن والسياسة الصناعية، إذ يرى أن زيادة الإنفاق العسكري ينبغي أن تسهم أيضاً في دعم الصناعات البريطانية وخلق فرص عمل، إلى جانب تعزيز القدرات الدفاعية وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب.

أما في السياسة الخارجية، فلم يطرح تحولاً جذرياً في توجهات بريطانيا، مؤكداً استمرار دعم أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي، وتعزيز التعاون مع الدول الأوروبية، ولا سيما في مجالي الدفاع والأمن. كما دعا إلى زيادة الضغوط على إسرائيل في عدد من الملفات المرتبطة بالحرب في غزة.

اختبار التنفيذ والرهانات المستقبلية

يتولى بيرنهام رئاسة الحكومة في وقت تواجه فيه بريطانيا تباطؤاً اقتصادياً وارتفاعاً في تكاليف المعيشة وضغوطاً متزايدة على الخدمات العامة، ما يعني أن فترة السماح أمام حكومته قد تكون قصيرة. وسيكون عليه إيجاد مصادر تمويل لوعوده في مجالات الإسكان والرعاية الاجتماعية والدفاع، مع التمسك في الوقت نفسه بالقواعد المالية التي تعهد بها حزب العمال وعدم زيادة الضرائب على العاملين.

كما سيواجه مهمة إقناع الناخبين بأن حكومته تمثل تغييراً حقيقياً في النهج لا مجرد تغيير في القيادة، بعد عامين فقط من وصول حزب العمال إلى السلطة. وقد شككت المعارضة المحافظة في قدرة بيرنهام على تنفيذ برنامجه، معتبرة أنه لم يقدم بعد خطة اقتصادية واضحة لتمويل تعهداته.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن تجربته في مانشستر، ولا سيما في تطوير النقل العام والدفاع عن مصالح شمال إنجلترا خلال وباء كوفيد-19، تمنحه خبرة تنفيذية تميزه عن كثير من أسلافه. ويبقى نجاح بيرنهام مرهوناً بقدرته على تحويل وعوده بشأن نقل السلطة إلى الأقاليم، وإعادة بناء القاعدة الصناعية، وتحسين الخدمات العامة إلى نتائج ملموسة. وقد تشكل الأشهر الأولى من ولايته مؤشراً حاسماً على ما إذا كان قادراً على إحداث تحول مؤثر في المشهد البريطاني.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *