في سياق التحديات التنموية الراهنة، يتصدر سؤال التعليم أولويات النقاش الوطني في المغرب. فالتجارب الدولية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الدول التي حققت قفزات نوعية في بناء اقتصاداتها وتعزيز عدالة مجتمعاتها، هي تلك التي وضعت الاستثمار في التعليم على رأس قائمة أولوياتها. ومن هذا المنطلق، لم يعد إصلاح المنظومة التعليمية مجرد ورش قطاعي، بل تحول إلى رهان وطني استراتيجي يمس مستقبل البلاد برمته، ومدى قدرتها على إعداد أجيال مؤهلة بالمعرفة والكفاءة اللازمة للمنافسة في عالم متغير.
“النجاح الدراسي للجميع”: رؤية برنامج الأحرار 2026-2031
في قلب رؤية التجمع الوطني للأحرار لبرنامجه الحكومي للفترة 2026-2031، يبرز شعار “النجاح الدراسي للجميع” كهدف محوري لإصلاح التعليم. لا يقتصر هذا الهدف على مجرد ضمان ولوج الأطفال إلى فصول الدراسة، بل يتجاوزه إلى تمكين كل طفل من اكتساب المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، والتي تُعد الركيزة الأساسية لأي مسار تعليمي ناجح ومستدام.
تحديات الجودة وتكافؤ الفرص: مقاربة شاملة
على الرغم من التقدم الملحوظ الذي أحرزه المغرب في مجال تعميم التمدرس، إلا أن تحديات الجودة وتكافؤ الفرص لا تزال قائمة بقوة. فالطفل القروي، على سبيل المثال، لا يتمتع غالباً بالظروف المواتية ذاتها التي تتوفر لأقرانه في المناطق الحضرية، سواء كان ذلك بسبب صعوبة التنقل، أو ضعف التغذية، أو غياب الدعم التربوي الكافي. لذا، فإن تحقيق الإنصاف الحقيقي لا يكمن فقط في فتح أبواب المدارس، بل في توفير كافة الشروط التي تضمن فرص النجاح لجميع الأطفال، أينما كانوا.
إجراءات عملية لتعزيز الإنصاف والجودة
لمواجهة هذه التحديات، يقترح برنامج التجمع الوطني للأحرار مقاربة شمولية تركز على معالجة الأسباب الجذرية للتعثر الدراسي. وتتضمن أبرز هذه الإجراءات:
- تعميم النقل المدرسي: سيتم تعميم خدمة النقل المدرسي في جميع المناطق القروية، وذلك بشراكة فعالة مع المجالس الإقليمية، بهدف الحد من ظاهرة الهدر المدرسي، خاصة في صفوف الفتيات.
- تعميم المطاعم المدرسية: يلتزم البرنامج بتعميم المطاعم المدرسية وتوفير وجبات غذائية يومية متوازنة لأطفال التعليم الأولي والابتدائي العمومي، إيماناً بأن التغذية الجيدة شرط أساسي لتحسين التركيز والتحصيل الدراسي.
- الدعم الدراسي الفردي: تطوير العملية التعليمية من خلال توفير دعم دراسي فردي يعتمد على التقنيات التعليمية الحديثة، مما يتيح مواكبة كل متعلم وفق احتياجاته الخاصة، ويحد من تراكم صعوبات التعلم منذ السنوات الأولى.
- توسيع المدارس الرائدة: مواصلة تعميم المدارس والإعداديات والثانويات الرائدة، التي أثبتت نجاعتها في رفع مستوى الأداء التعليمي.
- تعزيز العرض الجامعي والتكوين المهني: توسيع العرض الجامعي عبر رفع عدد الجامعات من 12 إلى 27 جامعة، وإحداث 12 مدينة للمهن والكفاءات، لضمان استمرارية الإصلاح من التعليم الأولي إلى التعليم العالي والتكوين المهني.
المدرسة: رافعة أساسية للعدالة الاجتماعية
ينبع هذا التصور من قناعة راسخة بأن المدرسة تتجاوز كونها مجرد فضاء للتعلم لتصبح رافعة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية. فعندما يحظى كل طفل، بغض النظر عن مكان إقامته أو ظروفه الاجتماعية، بفرصة متكافئة للوصول إلى النقل المدرسي، والتغذية السليمة، والدعم التربوي، ومؤسسة تعليمية ذات جودة عالية، فإن المدرسة تتحول إلى فضاء حقيقي لتكافؤ الفرص، بدلاً من أن تكون مرآة تعكس الفوارق الاجتماعية القائمة.
إن الاستثمار في التعليم هو، في جوهره، استثمار في الإنسان. ولذلك، فإن جعل النجاح الدراسي متاحاً للجميع لا يمثل مجرد إصلاح للمنظومة التعليمية، بل هو خيار تنموي استراتيجي يهدف إلى بناء مجتمع أكثر إنصافاً، واقتصاد أكثر قدرة على المنافسة، ومدرسة عمومية تستعيد مكانتها ودورها التاريخي كأهم بوابة للارتقاء الاجتماعي في المملكة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق