صورة توضيحية لسياسيين يتنقلون بين أحزاب مختلفة في المغرب، تعكس ظاهرة الترحال السياسي.
السياسة

الترحال السياسي في المغرب: أزمة ثقة وتحديات ديمقراطية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

الترحال السياسي في المغرب: عندما تتحول الأحزاب إلى محطات عبور وتصبح الثقة أكبر الخاسرين

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي في المغرب، يتجدد مشهد بات مألوفاً في الساحة السياسية: منتخبون يغيرون انتماءاتهم الحزبية، وقيادات محلية تعلن استقالتها من أحزابها، وأخرى تلتحق بتنظيمات منافسة، في سباق محموم نحو التزكيات والمواقع الانتخابية. وما إن تبدأ فترة ما قبل الانتخابات حتى تتحول الأحزاب إلى فضاءات مفتوحة للاستقطاب، وتصبح عملية “الترحال السياسي” إحدى أبرز الظواهر التي تطبع المشهد العام. لقد وصل الأمر إلى درجة أن الرأي العام لم يعد يتفاجأ بانتقال منتخب قضى سنوات يدافع عن برنامج حزب معين ليظهر بعد أيام وهو يروج لبرنامج حزب آخر لا يكاد يختلف عنه إلا في اللون والشعار.

هذه الظاهرة ليست جديدة على المغرب، لكنها أصبحت أكثر حضوراً خلال العقدين الأخيرين، وأثارت نقاشاً متجدداً حول مدى تأثيرها في جودة الديمقراطية، وفي مصداقية الأحزاب، وفي ثقة المواطنين بالمؤسسات المنتخبة. ورغم أن القانون حاول في أكثر من مناسبة الحد من بعض مظاهرها، فإن الواقع السياسي يؤكد أن الظاهرة لم تختف، بل تغيرت أشكالها وأساليبها.

من الالتزام السياسي إلى الحسابات الانتخابية

في الديمقراطيات الراسخة، يمثل الحزب السياسي إطاراً فكرياً وبرنامجياً يجمع أعضاءه حول مشروع مجتمعي واضح، ويصبح الانتماء إليه تعبيراً عن قناعة سياسية طويلة الأمد. أما في السياق المغربي، فإن جزءاً مهماً من الحياة الحزبية تطور في اتجاه مختلف، حيث أصبحت الاعتبارات الانتخابية والشخصية تتقدم أحياناً على الاعتبارات الإيديولوجية. ولهذا، لا تبدو الانتقالات الحزبية في المغرب نتيجة مراجعات فكرية عميقة أو اختلافات جوهرية في الرؤى، بقدر ما ترتبط في كثير من الحالات بفرص الترشح، أو بموقع الحزب في الخريطة السياسية، أو بقدرته على الفوز في الانتخابات المقبلة.

يكفي تتبع مسار عدد من المنتخبين المحليين والبرلمانيين خلال الأشهر التي تسبق الانتخابات، لملاحظة أن كثيراً منهم ينتقلون نحو الأحزاب التي تبدو أكثر قدرة على الحصول على المقاعد أو المشاركة في تدبير الشأن العام، بينما يغادرون الأحزاب التي يرون أنها فقدت جاذبيتها الانتخابية. وهنا يتحول الحزب من مؤسسة تؤطر المواطنين وتنتج السياسات العمومية إلى مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب.

أزمة بنيوية أكثر منها أزمة أفراد

قد يكون من السهل تحميل المسؤولية للمنتخبين الذين يغيرون انتماءاتهم، لكن اختزال الظاهرة في الأشخاص يخفي الأسباب البنيوية التي أنتجتها. فالعديد من الأحزاب المغربية تعاني منذ سنوات من ضعف الديمقراطية الداخلية، ومن هيمنة الاعتبارات الشخصية في تدبيرها، إضافة إلى محدودية التداول على المسؤوليات، وضعف التأطير الفكري والتنظيمي. وفي مثل هذا السياق، يصبح الانتقال بين الأحزاب أقل كلفة من الناحية السياسية.

كما أن التقارب الكبير بين البرامج الانتخابية يجعل المواطن نفسه يجد صعوبة في التمييز بين الخيارات الحزبية المختلفة. فمعظم الأحزاب تتبنى شعارات متشابهة حول التنمية، والعدالة الاجتماعية، والتشغيل، والاستثمار، والرقمنة، دون وجود اختلافات جوهرية في التصورات الاقتصادية أو الاجتماعية أو المؤسساتية. وعندما تضعف الهوية السياسية للأحزاب، يصبح تغيير الانتماء أمراً عادياً، لأن الاختلاف الحقيقي بين الأحزاب يتحول من اختلاف في المشاريع إلى اختلاف في المواقع داخل المشهد السياسي.

الناخب… الحلقة الأضعف

أكثر المتضررين من الترحال السياسي هو الناخب. فعندما يمنح المواطن صوته لمرشح معين، فإنه لا يصوت للشخص وحده، بل يصوت أيضاً للحزب الذي يمثله وللبرنامج الذي قدمه خلال الحملة الانتخابية. لكن عندما يقرر المنتخب بعد أشهر قليلة تغيير انتمائه السياسي، فإنه يغير عملياً الإرادة التي عبر عنها الناخب يوم الاقتراع. وهنا يطرح سؤال جوهري: هل يبقى المنتخب وفياً للتفويض الشعبي الذي حصل عليه؟

هذا السؤال يزداد أهمية عندما يتعلق الأمر بمجالس الجماعات الترابية أو البرلمان، حيث يمكن لانتقال عدد محدود من المنتخبين أن يغير موازين الأغلبية والمعارضة، وأن يعيد تشكيل التحالفات التي اختارها الناخبون بطريقة غير مباشرة. ومن الناحية الديمقراطية، فإن هذا الوضع يضعف العلاقة التمثيلية بين المنتخب والمواطن، ويجعل كثيراً من الناخبين يشعرون بأن أصواتهم فقدت قيمتها السياسية.

لماذا تتراجع الثقة؟

تشير مختلف استطلاعات الرأي والدراسات المقارنة إلى أن الثقة في الأحزاب السياسية تعد من أضعف مؤشرات الثقة المؤسساتية في العديد من الديمقراطيات الناشئة، والمغرب ليس استثناءً من هذه القاعدة. فالترحال السياسي يرسل للمواطن رسالة سلبية مفادها أن الولاءات الحزبية ليست سوى أدوات ظرفية، وأن البرامج الانتخابية يمكن التخلي عنها بسهولة بمجرد ظهور فرصة أفضل.

وعندما تتكرر هذه الصورة في كل محطة انتخابية، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المواطن: إذا كانت الأحزاب نفسها لا تؤمن ببرامجها، فلماذا يثق فيها الناخب؟ ولذلك، فإن أخطر آثار الترحال السياسي لا تتمثل في انتقال منتخب من حزب إلى آخر، وإنما في الأثر التراكمي الذي يتركه في الوعي الجماعي، حيث يتعزز الاعتقاد بأن السياسة مجال للمصالح أكثر منها فضاء لخدمة الصالح العام.

من العزوف إلى اللامبالاة

الثقة هي الوقود الحقيقي للمشاركة السياسية. وحين تتراجع الثقة، تتراجع المشاركة. ولهذا لا يمكن فصل ظاهرة الترحال السياسي عن اتساع دائرة العزوف الانتخابي، خاصة وسط فئة الشباب. فالشباب الذين يشاهدون المنتخبين ينتقلون بين الأحزاب دون تفسير سياسي مقنع، قد يصلون إلى قناعة مفادها أن نتائج الانتخابات لا تغير كثيراً في الواقع، وأن الأحزاب متشابهة، وأن الاختيار بينها لا يحمل معنى حقيقياً.

وهذه القناعة تمثل خطراً على الديمقراطية أكثر من انخفاض نسبة المشاركة في حد ذاته، لأنها تؤدي إلى انسحاب تدريجي للمواطن من المجال العام، وتضعف الرقابة المجتمعية على المؤسسات المنتخبة.

هل يكفي القانون؟

حاول المشرع المغربي الحد من الترحال السياسي من خلال عدد من المقتضيات القانونية، خصوصاً بعد دستور 2011، الذي عزز مكانة الأحزاب السياسية باعتبارها مؤسسات دستورية تؤطر المواطنين وتساهم في التعبير عن إرادتهم. كما نصت القوانين التنظيمية، وخاصة تلك المتعلقة بمجلس النواب، على تجريد النائب من عضويته إذا تخلى عن الحزب الذي ترشح باسمه خلال الولاية التشريعية، في محاولة للحفاظ على استقرار الأغلبية البرلمانية واحترام الاختيار الذي عبر عنه الناخب.

غير أن هذه المقتضيات لم تقض على الظاهرة، لأن جزءاً كبيراً من الترحال يتم قبل إيداع الترشيحات الرسمية للانتخابات، حيث يقدم المنتخبون استقالاتهم من أحزابهم ويلتحقون بأخرى دون أن يكونوا خاضعين لمقتضيات التجريد من العضوية. وبذلك، فإن القانون يعالج جزءاً من المشكلة، لكنه لا يعالج أسبابها الحقيقية.

إصلاح الأحزاب قبل إصلاح النصوص

إن معالجة الترحال السياسي لا يمكن أن تتم فقط عبر تشديد العقوبات أو سن قوانين جديدة، لأن التجارب المقارنة تبين أن قوة الأحزاب هي الضامن الأساسي للاستقرار الحزبي. فكلما كانت الأحزاب ديمقراطية، شفافة، قائمة على البرامج، وتحترم الكفاءة في اختيار مرشحيها، تقلصت دوافع الترحال. كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الأحزاب، وتوسيع المشاركة في اتخاذ القرار، والحد من منطق الأعيان والولاءات الشخصية، كلها عناصر من شأنها أن تعيد الاعتبار للعمل الحزبي باعتباره ممارسة مؤسساتية لا مجرد منافسة انتخابية.

وفي المقابل، يتحمل الناخب أيضاً جزءاً من المسؤولية، من خلال تقييم المرشحين على أساس التزامهم السياسي واستقرارهم الحزبي، وعدم مكافأة من يجعل من الحزب مجرد محطة عابرة.

نحو انتخابات 2026… هل يتكرر المشهد؟

مع اقتراب الانتخابات التشريعية والجماعية لسنة 2026، بدأت مؤشرات الحراك الحزبي تظهر من جديد، وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل مطروحاً منذ سنوات: هل ستنجح الأحزاب في تقديم نموذج جديد يقوم على الاستقرار والالتزام السياسي، أم أننا سنشهد موجة جديدة من الانتقالات الحزبية التي أصبحت جزءاً من الطقوس الانتخابية؟

إن مستقبل الديمقراطية المغربية لا يقاس فقط بنسبة المشاركة في الانتخابات، ولا بعدد الأحزاب الممثلة في البرلمان، بل يقاس أيضاً بقدرة الفاعلين السياسيين على احترام العقد الأخلاقي الذي يربطهم بالمواطن. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، وإنما هي علاقة ثقة مستمرة بين الناخب ومن انتخبه. وعندما تتحول الأحزاب إلى محطات عبور، ويصبح تغيير الانتماء السياسي سلوكاً عادياً لا يثير أي مساءلة أخلاقية أو سياسية، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون حزباً بعينه، بل تكون الديمقراطية نفسها، لأن الثقة، إذا فقدت، تصبح أصعب بكثير من أي انتخابات في أن تستعاد.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *