سفينة تعبر مضيق هرمز قرب بندر عباس
السياسة

مضيق هرمز: تصعيد إيراني متجدد يهدد استقرار الملاحة الدولية ومستقبل السلام

حصة
حصة
Pinterest Hidden

شهد مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي للتجارة العالمية، تجدداً مقلقاً للهجمات التي أعادت إشعال التوترات في منطقة كانت تسعى لاستعادة الاستقرار بعد فترة من الصراع. هذه التطورات الأخيرة، التي شملت استهداف ناقلات نفط وغاز، تضع فرص السلام الهشة التي أتاحها اتفاق مؤقت على المحك، وتثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الملاحة الدولية في هذا الشريان الاقتصادي.

تصعيد متجدد ومخاوف متزايدة

تلاحقت الأحداث بوتيرة متسارعة، بدءاً من تعرض ناقلة غاز مسال قطرية لخطر الانفجار إثر إصابتها بمقذوف في المضيق، وصولاً إلى هجمات استهدفت ناقلات أخرى، منها سفينة “الركيات” القطرية و”وديان” السعودية. هذه الهجمات لم تقتصر على تهديد سلامة الملاحة فحسب، بل امتدت لتشمل تصريحات إيرانية لافتة، حيث أعلنت طهران استهداف مواقع عسكرية أميركية في البحرين والكويت، وذلك رداً على ضربات أميركية سابقة استهدفت أهدافاً إيرانية. في سياق متصل، ألغت واشنطن إعفاءً كان يسمح لإيران ببيع النفط، مما زاد من حدة التوتر.

الموقف الأمريكي وتصريحات ترامب المتقلبة

على الصعيد الأمريكي، أدلى الرئيس دونالد ترامب بتصريحات متضاربة أضافت إلى حالة عدم اليقين. فقبل قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، أعلن ترامب أن مذكرة التفاهم “انتهت”، مشككاً في إمكانية استمرار أي اتفاق مع إيران بسبب ما وصفه بـ”عدم شرف” القادة الإيرانيين، ومحذراً من شن ضربات إضافية. إلا أنه سرعان ما خفف من حدة لهجته لاحقاً، مشيراً إلى أنه سيسمح للمفاوضين بمواصلة عملهم بعد أن “غيّر رأيه بشأن عقلانية القادة الإيرانيين”.

تداعيات اقتصادية وملاحية

أدت التطورات الأخيرة إلى تفاقم المخاوف بشأن الأمن في مضيق هرمز. وتشير بيانات الشحن إلى أن أربع ناقلات نفط وغاز على الأقل اضطرت لتغيير مسارها وتجنب عبور المضيق. ورغم أن الأسبوع الماضي شهد انتعاشاً في حركة الملاحة، إلا أن أعداد السفن ظلت أقل من المتوسط اليومي الذي كان سائداً قبل بدء الحرب على إيران في 28 فبراير. هذا الوضع، الذي يستمر رغم تضمين بنود للعبور الآمن في الاتفاق المؤقت، دفع أسعار النفط للارتفاع بشكل ملحوظ، حيث قفز الخام الأميركي بنسبة 6.86% ليصل إلى 75.27 دولار للبرميل، وارتفع خام برنت بنسبة 7.2% إلى 79.50 دولار للبرميل، كما زادت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

الدوافع الإيرانية ومطامع السيطرة

يتساءل المحللون عن الدوافع وراء إصرار إيران على استمرار الهجمات. يعتقد عماد جاد، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن إيران لا تبالي بالاتفاق المؤقت، مقتنعة بأن الولايات المتحدة لن تخوض حرباً شاملة أخرى. ويضيف أن النظام الإيراني، ذو الطبيعة العقائدية، يرفض الإقرار بالهزيمة ويسعى لكسب نقاط لادعاء الانتصار وترسيخ مكانته كقوة إقليمية مهيمنة. من جانبه، يرى جيمس هولمز، الباحث في كلية الحرب البحرية الأميركية، أن الهجمات الإيرانية الأخيرة هي رسالة واضحة حول رغبة طهران في فرض سيطرة دائمة على حركة الملاحة في المضيق، بما في ذلك الحق في إصدار تصاريح العبور وفرض رسوم أو “إتاوات”. وتفضل طهران استخدام المسار الشمالي المحاذي لساحلها، وتسعى لردع السفن عن استخدام المسار الجنوبي أو دفعها للإبحار دون تشغيل أنظمة التعرف الآلي (AIS).

اتهامات بانتهاك الاتفاق وتأثيرها

من وجهة النظر الإيرانية، يرى إيان رالبي، الخبير في قضايا الأمن المائي، أن الولايات المتحدة “انتهكت” مذكرة التفاهم عبر تهديدات ترامب بإنجاز المهمة في حال عدم التوصل لاتفاق سلام. في المقابل، تؤكد طهران رغبتها في السيطرة على المضيق وتهدد السفن التي لا تلتزم بالمسارات المحددة، وهو ما يفسر استهداف السفن الأخير كانعكاس لموقفها الثابت.

انقسام النخبة الإيرانية وتأثيره على المفاوضات

تتزامن هذه التطورات مع انقسام واضح داخل النخبة الإيرانية. فبينما يوجد توافق على ضرورة تحقيق مكاسب اقتصادية وإنهاء الحرب، تبرز هوة عميقة بين التيار البراغماتي، الذي يميل إلى الحلول الدبلوماسية لرفع الحصار، والتيارات المتشددة، كالحرس الثوري، التي تعارض أي تنازلات بشأن ملفات تمنح إيران نفوذاً قوياً، مثل مضيق هرمز. وقد تجلى هذا الانقسام في ردود الفعل على تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي حول فتح الممر، حيث تعرض لهجوم عنيف من قبل المنصات المتشددة. تقارير صحفية، مثل تلك التي نشرتها “وول ستريت جورنال”، تشير إلى أن صراعاً داخلياً يهدد محادثات السلام، حيث يسعى القادة المدنيون، وعلى رأسهم الرئيس مسعود بزشكيان، إلى إنعاش الاقتصاد عبر الإفراج عن الأموال المجمدة في قطر، بينما يضغط الحرس الثوري لفرض سيطرة كاملة على المضيق وتحصيل رسوم قد تصل إلى 40 مليار دولار سنوياً لتعزيز القدرات العسكرية والأمن الإقليمي.

مبادرات دولية لتأمين الملاحة

في ظل هذا المشهد المعقد، أبدت دول أوروبية رغبتها في تشكيل تحالف يضم 12 دولة لضمان المرور الآمن عبر المضيق بعد انتهاء التوترات. إلا أن هذه المبادرة تواجه رفضاً إيرانياً قاطعاً لأي وجود عسكري أجنبي في المنطقة. وقد رفضت طهران تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهذا الشأن. وتأمل باريس ولندن في إطلاق بعثة أولية في خليج عُمان، الممر المائي المجاور لمضيق هرمز، والذي تطل عليه إيران وسلطنة عُمان والإمارات. وقد أكد بيان فرنسي-بريطاني مشترك صدر في 3 يوليو موافقة سلطنة عُمان على التعاون مع المملكة المتحدة في هذا الصدد.يبقى مصير السلام في مضيق هرمز معلقاً بين مطامع السيطرة الإيرانية، والمواقف الدولية المتباينة، والانقسامات الداخلية في طهران. ففي حين يرى البعض أن إيران لن تتراجع ما لم يتم حسم الأمر عسكرياً، يرى آخرون أن المضيق سيظل ورقة ضغط رئيسية في أي مفاوضات مستقبلية. الأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه التطورات ستفضي إلى مزيد من التصعيد أو ستفتح الباب أمام حلول مستدامة تضمن أمن الملاحة الدولية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *