سلطات طنجة تفتح تحقيقات واسعة في ملفات التعمير
باشرت السلطات المختصة بمدينة طنجة، خلال الأسابيع الماضية، تحقيقات موسعة في عدد من ملفات التعمير، وذلك على خلفية رصد بنايات يُشتبه في تشييدها بطرق غير قانونية ضمن مناطق تُعد من بين الأكثر حساسية واستراتيجية بالمدينة.
تفاصيل التحريات الأولية
انطلقت هذه التحريات بناءً على محاضر رسمية تُوثق مخالفات في مجال التعمير، بالإضافة إلى معاينات ميدانية لمبانٍ أُنجزت بأساليب وُصفت بـ”المشبوهة”. وتهدف هذه الإجراءات إلى التحقق من مدى قانونية الأشغال المنجزة، وصحة رخص البناء الصادرة، ومدى مطابقتها للمساطر القانونية المعمول بها. كما تسعى التحقيقات إلى تحديد مسؤولية الجهات التي قامت بمنح هذه التراخيص أو غضت الطرف عن الأشغال التي أثارت الشبهات.
مناطق استراتيجية تحت المجهر
شملت التحقيقات عدداً من البنايات المشيدة في مناطق حيوية مثل أشقار، الرميلات، ومديونة. هذه المناطق لطالما اعتُبرت الرئة البيئية لمدينة طنجة، نظراً لما تتميز به من غطاء غابوي كثيف ومساحات خضراء شاسعة ومواقع ذات حساسية طبيعية وسياحية فريدة. إلا أنها شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعاً عمرانياً ملحوظاً، مما أثار العديد من التساؤلات حول مدى احترام قوانين التهيئة والتعمير.
أهمية غابة الرميلات البيئية
تكتسي هذه المناطق أهمية خاصة ضمن النسيج الحضري لطنجة. فغابة الرميلات، المعروفة أيضاً بمنتزه برديكاريس، تُعد من أبرز المتنفسات الطبيعية للمدينة، وتمتد على مساحة تقارب 67 هكتاراً، وفقاً لمعطيات جماعة طنجة. وتتميز بتنوع بيولوجي غني يضم أشجار البلوط الفليني والأوكاليبتوس والصنوبر، فضلاً عن موقعها المطل على البحر وقربها من المدار الحضري.
الضغط العمراني والمجتمع المدني
يأتي تحرك السلطات في سياق تنامي النقاش المحلي حول الضغط العمراني المتزايد على الغابات الحضرية وشبه الحضرية بطنجة. وقد سبق لمرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة أن نبه إلى أن المجال الغابوي الحضري وشبه الحضري بالمدينة يمتد على حوالي 5322 هكتاراً، غير أن 1368 هكتاراً فقط منها تندرج ضمن الملك الغابوي العمومي، مما يجعل عدداً من الفضاءات عرضة للضغط العمراني والمضاربات العقارية. كما جرى التنبيه إلى القيمة البيئية لمواقع مصنفة ضمن المواقع ذات الأهمية البيولوجية والإيكولوجية، من بينها رأس سبارطيل وبرديكاريس.
نطاق التحقيقات والمسار القانوني
لا تقتصر الأبحاث الجارية على وضعية البنايات في حد ذاتها، بل تمتد لتشمل مسار الترخيص، والوثائق المعتمدة، وطبيعة الأراضي التي شُيدت فوقها هذه البنايات، ومدى احترام التصاميم المعمارية والتقنية المصادق عليها، فضلاً عن احتمال وجود تغييرات أو إضافات أنجزت خارج الرخص الممنوحة.
وتنص مقتضيات القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير على أن رخصة البناء لا تُسلم إلا بعد التحقق من توفر المشروع على الشروط التي تفرضها الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، خصوصاً ما يتعلق بتصاميم التنطيق وتصاميم التهيئة، مع مراعاة الآراء والتأشيرات المنصوص عليها قانوناً. كما يتيح القانون للسلطات المختصة اتخاذ إجراءات زجرية في حالات البناء غير القانوني أو غير المطابق للرخص، إذ ينص على إمكانية هدم الأشغال أو البنايات غير القانونية، دون أن يحول ذلك دون تحريك الدعوى العمومية. وتصبح هذه الإجراءات أكثر صرامة عندما يتعلق الأمر بالبناء فوق أملاك عامة أو خاصة للدولة أو الجماعات الترابية، أو داخل مناطق غير قابلة للبناء بموجب وثائق التعمير.
تحديات الرقابة وآفاق المستقبل
تطرح التحقيقات الجارية بطنجة أسئلة حول مدى فعالية المراقبة القبلية والبعدية لأوراش البناء في المناطق الحساسة، خاصة أن عدداً من هذه المشاريع يوجد في مجالات ذات قيمة بيئية وسياحية عالية، ما يجعل أي خرق محتمل لقواعد التعمير لا يطرح فقط إشكالاً قانونياً، بل يثير أيضاً مخاوف بيئية مرتبطة بحماية ما تبقى من المساحات الخضراء داخل المدينة. وكانت جماعة طنجة قد أعلنت في وقت سابق، سنة 2023، تفاعلها مع معطيات منشورة حول رصد إضافات غير قانونية في مشروع عقاري بمنطقة “السانية”، مؤكدة حينها إيفاد مسؤولين من قسم التعمير إلى عين المكان لمعاينة وتوثيق الخروقات المرصودة، في مؤشر على تكرار حضور ملف مراقبة التعمير ضمن النقاش المحلي بالمدينة.
تؤكد مصادر “العمق” أن التحقيقات الحالية ما تزال في مراحلها الأولى، وأن السلطات المختصة تعمل على تجميع المعطيات والوثائق ومطابقة الرخص مع الواقع الميداني، قبل ترتيب الآثار القانونية والإدارية اللازمة في حق كل من يثبت تورطه في خرق ضوابط التعمير أو تسهيل البناء خارج المساطر القانونية. ويرتقب أن تكشف نتائج هذه الأبحاث ما إذا كانت البنايات موضوع التحقيق تتوفر على رخص سليمة وتحترم التصاميم المصادق عليها، أم أن الأمر يتعلق بخروقات تعميرية تستوجب تفعيل مساطر الزجر والهدم والمتابعة، في ملف يعيد إلى الواجهة سؤال حماية الرصيد البيئي والعمراني لمدينة طنجة من ضغط الإسمنت والمضاربات العقارية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق