المواطنة والمشاركة السياسية: رؤية متكاملة
غالباً ما ينصب التركيز على المشاركة السياسية، بينما يكمن الأصل في استهداف المهتمين بمضامين الثقافة السياسية. يعود ذلك لاعتبارات متعددة، أبرزها البعد المعرفي الذي يؤكد أن الفكر السياسي يشكل الأساس لاختصاصات الدولة والمجتمع من خلال القانون الدستوري. فالدستور، بحكم طبيعته، ينظم البنية السوسيوسياسية للنظام والمؤسسات الدستورية، ويسهم في تنظيم مجتمع المواطنة.
عندما يدرك الفرد أهمية السياسة في صناعة القرار العمومي وطبيعة الدستور المتناغم مع قيم المجتمع، حينها لا يجد مانعاً من الانخراط في المشاركة السياسية من منطلق المواطنة، بناءً على مبدأ التكامل والالتقائية. هذا النهج يؤسس لوعي سياسي مبني على خلفية فكرية مؤطرة للمشاركة، فبدون هذا التأطير، قد تتسم المشاركة بالعشوائية واللاأدرية، مما يؤدي إلى اختلاط المفاهيم وإحداث شرخ داخل النسيج المجتمعي.
اعتبار آخر يكمن في الارتباط الوثيق بين المشاركة السياسية الواعية والنماذج التنموية المطروحة. فلا يمكن تحقيق تنمية مستدامة بمعزل عن السياسة، ولا يمكن للسياسة أن تحقق أهدافها دون رؤية تنموية واضحة. بهذا التصور، يندرج الجميع ضمن دائرة الاختيار الديمقراطي الذي يشكل ثابتاً من ثوابت الأمة المغربية. يجب على الجميع الالتزام بهذه الأركان التي تقوم عليها الأمة.
وهكذا، تساهم المواطنة، بفعلها المدني وتفاعلها مع التنزيل السياسي، في صياغة القرار السياسي. فكلما ارتقى وعي المواطن بالثقافة السياسية، كلما تطور وضعه في المشاركة السياسية. ومع ذلك، لا يمكن تحقيق التكامل بين التمثيلية والتشاركية دون إتمام لبنتين أساسيتين مكملتين لأركان التنظيم الدستوري للمملكة: الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المواطنة والمنظومة الحقوقية: دعائم الانتماء
إذا كانت المواطنة تعني تلازماً بين الحقوق والواجبات، فإن الحقوق السياسية تبرز كأحد أهم الحقوق المرتبطة بالسياسة، والتي تؤكد على الانتماء الوطني. بذلك، تؤكد المواطنة على مسؤوليتها في البناء الديمقراطي، كونها لبنة أساسية ضمن منظومة متكاملة. إن الارتباط بين المواطنة والحقوق السياسية يمثل رؤية سوسيوتربوية تندرج ضمن علم الاجتماع السياسي. ومن ثم، فالمواطنة هي فكر وممارسة؛ إنها عنوان للانتماء للدولة والمجتمع، والسياسة هي الممارسة الفعلية لهذه الحقوق.
انطلاقاً من هذا التأطير الحقوقي للمواطنة، تحقق العلاقة بين المواطنة والمشاركة السياسية الأبعاد التالية:
- اكتساب المبادئ وفهم طبيعة الأنظمة السياسية.
- العمل بأريحية انطلاقاً من سلوك تطوعي.
- الاهتمام بقضايا الأمة والمساهمة في حلها.
- المعرفة السياسية اللازمة لفهم الوجود السياسي.
- التصويت السياسي كعنوان للانتماء للدولة والمجتمع.
- ضبط إيقاع المطالب السياسية بناءً على سياقات إقليمية ودولية.
- تحقيق التكامل المعرفي بين مختلف أبعاد الحياة العامة.
- الجمع بين الوطنية والمواطنة في إطار بناء مجتمع متماسك.
الشكل والجوهر لثنائية المواطنة والمشاركة: آليات التفعيل
يتخذ مصطلح “المشاركة” مفاهيم الالتزام والانخراط الفعال، لذلك يصح القول “المشاركة السياسية” و”سياسة المواطنة”. ومن أبرز آليات تفعيل هذه المعادلة، مصاحبة المسلسل الانتخابي، والمشاركة المواطنة التي تؤثر في السياسات العمومية، ومدى احترامها للاختيار الديمقراطي.
تتخذ المشاركة المواطنة أشكالاً متعددة، منها التصويت بناءً على تعاقد واضح بين الطرفين المدني والسياسي، أو المصاحبة المستمرة للمسلسل الانتخابي، أو الاضطلاع بدور الخبرة لغرض عقلنة وترشيد وتجويد الفعل السياسي. المواطن الجيد هو المواطن الفعال، الذي ينطلق من الفاعلية الإيجابية، والانتماء العميق، والتصويت الهادف. ويشترط فيه احترام القانون، وأداء الضرائب، وامتلاك المعرفة السياسية، والجمع بين القيم والمشاركة، والشعور بالوطنية الحاضنة للانتماء والسيادة. بهذا المنهج، تتقاطع النظريات الديمقراطية مع مفهوم الديمقراطية المواطنة.
خلاصات واستنتاجات: نحو مواطنة فاعلة
نستنتج مما سبق وجود تقاطع جوهري بين المواطنة والمشاركة الاجتماعية والسياسية، وضرورة ضبط منهجية طبيعة هذه المشاركة، فلكل مشاركة خصوصيتها المنهجية ضمن إطار التعدد الإيجابي. إن عيش الفرد كمواطن يرتبط بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية بناءً على السياقات الراهنة، مع استثمار المواطنة الرقمية في الرفع من قيمة الالتزام، وتعزيز الحوار الهادف، ودعم العمل المؤسساتي.
إن المشاركة السياسية غير محدودة، وتستوجب ضمانات من قبل مؤسسات الدولة، والمؤسسات المنتخبة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني. يجب أن تقوم هذه الضمانات على تعاقد يهدف إلى تعزيز الحضور الاجتماعي، واحترام حقوق الإنسان، وتحقيق التعاون والتوازن بين السلط مع المحافظة على استقلاليتها، ومواجهة كافة أشكال العنف والإجرام، وجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق